فریق المتقدمین

فی الادب العربی

                             

 

+ نوشته شده در  89/05/30ساعت 17:10  توسط حسین منصور الناصری  | 

+ نوشته شده در  89/10/01ساعت 17:16  توسط حسین منصور الناصری  | 

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی


أول من أنشأ فن المقامات(1) ووضع نواتها بدیع الزمان الهمذانی المتوفى سنة ( 398 هـ )(2) كما أن الخلیل بن أحمد الفراهیدی أول من وضع علم العروض فی صناعة الشعر والشافعی أول من وضع علم أصول الفقه فی كتابه المشهور " الرسالة " . ثم تتابع بعد ذلك التألیف فی فن المقامات الجدید على الأدب الإسلامی الرفیع وتوسع إلى الغایة . ولكن أبو القاسم الحریری المتوفى سنة ( 515 هـ )(3) فی مقاماته الأدبیة قد تفوق على بدیع الزمان وغیرهُ ممن ألف فی هذا الباب وأصبح هو فارس المقامات بدون منازع وإلیه یُشار بالبنان . إلاّ أن الأضواء لم تختفی عن مقامات البدیع بالكلیة فهی لا تزال تزخر بموروث أدبی كبیر لا یستهان به بسبب قوة عارضته وغزارة معرفته للغة والشعر الذی یؤهل المتصدی لتألیف فی هذا الفن من إجادة الإنشاء وتركیب الكلمة المستحسنة مع السجع المُطرب للسامع .

وفی ظنی أن البدیع تأخر عن الحریری بسبب أنه لم یُسبق إلى الكتابة فی هذا الفن من قبل فلم یستفد ممن تقدمه وهذا معروف عند العلماء الذین یبتدعون الجدید فی العلم كما قال ابن الأثیر : ( إنَّ مبتدىء الشیء لم یسبق إلیه ومبتدع أمراً لم یتقدم فیه علیه فإنه یكون قلیلاً ثم یكثر وصغیراً ثم یكبر )(4) فهذا هو الذی أنقص منها وجعلها تقصر عن مقامات الحریری ومع هذا فقد اعترف الحریری بالاستفادة من البدیع حیث سار سیره وحذا حذوه فی مقامته حتى قال : ( فأشار من إشارتهُ حُكم وطاعتهُ غُنم إلى أن أُنشىء مقامات أتلو فیها تلو البدیع وإن لم یُدرك الظالعُ شأو الضلیع(5)( إلى أن قال ) هذا مع اعترافی بأن البدیع – رحمه الله - سباقُ غایات وصاحب آیات وأن المتصدی بعده لإنشاء مقامة ولو أوتی بلاغة قدامة(6) لا یغترف إلا من فضالتهِ ولا یسری ذلك المسرى إلا بدلالته )(7) وكفى بالحریری على علو كعبه فی هذا الفن أن یُثنی على البدیع هذا الثناء الحسن .

وأما عن أسلوب البدیع القصصی فی مقاماته فقد رسم فی كل قصة شخصیتان رئیسیتان وهمیتان . الأول : وهو الراوی للقصة وسماه عیسى بن هشام , والثانی : أبی الفتح الإسكندری الذی یقوم بدور البطل وتدور علیه الأحداث التی غالباً ما تكون فی الكُدیة ( التسول ) فأنشأ بذلك إحدى وخمسین مقامة سمى كل مقامة على أسم ما تدور علیه القصة .

ومن الجمیل الممتع فی هذه المقامات - غیر السجع الجمیل المتناسق والشعر العذب والفصاحة التی تدل على تمكنه من اللغة - الفُكاهة التی لا تفارق كثیراً من مقاماته بحیث جعلت منها صور أدبیة متفرقة تبهج القارىء وتزیده من علوم مختلفة ومتنوعة فی الأدب الإسلامی الذی یحسن بالمرء المسلم أن یُطالعه ویغترف منه ولاسیما النشء .

والجدیر بذكر ومن المهم التنبیه علیه أن مقامات البدیع هی كغیرها من كتب الأدب الذی لا یخلو من المخالفات فی العقیدة مثل الحلف بغیر الله أو ذكر ما هو متصل بكبائر الذنوب كأم الكبائر ( الخمر ) أو المجون والفسق إلى غیر ذلك مما لا یسلم منه كتاب فی الأدب القدیم الذی لم یتحرى مُؤلفوها إلا نقل الأخبار والمُلح والفُكاهة بغض النظر عن الأحكام الشرعیة لهذه الأعمال .

وقد اخترنا ما استحسناه للقارئ مما نرجو أن یكون فیه المتعة والفائدة المرجوة فیحدثنا البدیع فی المقامة ( المضیریَّة ) نقلاً عن محدثه الوهمی عیسى بن هشام أنه كان مع أبو الفتح الإسكندری رجل الفصاحة فی البصرة فی ولیمة وقد قُدم فیها مضیرة - وهی نوع من الطعام یُتخذ من اللحم واللبن الحامض مع التوابل - یصفها بأنها شهیة قد أُعدة جیداً تتشوف النفوس إلى أكلها فإذا أبو الفتح یذمها ویشتمها أمام الحضور ویمقت آكلها وینتقص طابخها ! فتبادر للناس فی بادئ الأمر أنه یمزح ولكن تبین أنهُ جاداً فی ذلك فأبعدت المضیرة والأبصار ترقبها وقد تعلقت القلوب بها إرضاءً له فلما سُؤل عن سبب ثلبها قال : (( دعانی بعض التُجار إلى مضیرة وأنا ببغداد ولزمنی ملازمة الغریم والكلب لأصحاب الرقیم(8) إلى أن أجبتهُ إلیها وقمنا فجعل طول الطریق یثنی على زوجته ویفدیها بمهجته(9) ویصف حذقها فی صنعتها وتأنقها فی طبخها ..)) .

كل هذا من أجل ترغیب أبو الفتح فی المضیرة التی تنتظره غیر متغافل هذا التاجر عن مدح زوجته فی عمل البیت وإعداد الولیمة فیكمل ویقول : (( .. وهی تدور فی الدور من التنور إلى القدور ومن القدور إلى التنور تنفث بفیها النار وتدق بیدیها الأبزار(10)..)) .

حرصاً منها على إتقان عملها المتعلق بهذا الفن من الطعام وطاعةً لزوجها الذی بینه وبینها علاقة زوجیة جیدة بسبب المحبة المتبادلة وصفاء العیش ثم یُكمل : (( .. وأنا أعشقها لأنها تعشقنی ومن سعادة المرء أن یُرزق المساعدة من حلیلته وأن یسعد بظعینته(11) ولاسیما إذا كانت من طینته وهی أبنة عمِّی لحَّا(12) طینتها طینتی ومدینتها مدینتی وعمومتها عمومتی وأرومتها أرومتی(13) لكنها أوسع منی خُلقاً وأحسن خلقاً .. وصدعنی بصفات زوجته حتى انتهینا إلى محلته(14) ثم قال : یا مولای ترى هذه المحلة ؟ هی أشرف محال بغداد یتنافس الأخیار فی نزولها ویتغایر الكبار فی حلولها ثم لا یسكنها غیر التجار وإنما المرءُ بالجار وداری فی السِطة(15) من قلادتها والنقطة من دائرتها كم تقدر یا مولای أنفق على كل دارٍ منها ؟ قُلهُ تخمیناً إن لم تعرفه یقیناً ؟ قلت : الكثیر ، فقال : سبحان الله ! ما أكبر هذا الغلط تقول الكثیر فقط ؟! وتنفس الصعداء(16) وقال : سبحان من یعلم الأشیاء وانتهینا إلى باب داره فقال : هذه داری كم تُقدِّر یا مولای أنفقت على هذه الطاقة ؟ أنفقت والله علیها فوق الطاقة ووراء الفاقة كیف ترى صنعتها وشكلها ؟ أرأیت بالله مثلها ؟ انظر إلى دقائق صَّنعتها فیها ، وتأمل حُسن تعریجها فكأنما خُطّ بالبركار(17) ..)) .

ومع هذا الهذر عن زوجه وبیته وحیّه وشُباك منزله یتابع هذا التاجر الوصف الدقیق عن بقیت متاعه لضیفه أبو الفتح الذی لم یكن یرغب هذا الأسلوب نوعاً ما فی هذه الولیمة ثم یواصل فیقول : (( .. انظر إلى حذق النَّجار فی صنعة هذا الباب اتخذه من كم ؟ قل .. ومِنْ أین أعلم ؟ هو ساج من قطعةٍ واحدةٍ لامأروضٌ ولاعفن(18) إذا حُرك أنَّ(19) وإذا نقر طنَّ(20) من اتخذهُ یاسیِّدی ؟ اتخذهُ أبو إسحاق بن محمد البصری وهو والله رجل نظیف الأثواب بصیر بصناعة الأبواب خفیف الید فی العمل لله درُّ ذلك الرجل بالله لا استعنت إلا به على مثله وهذه الحلقة تراها اشتریتها فی سوق الطرائف من عمران الطرائفی بثلاثة دنانیر معزیة(21) وكم فیها یا سیدی من الشَّبه؟(22) فیها ستةُ أرطال وهی تدور بلولب فی الباب بالله دورها ثمَّ انقرها وأبصرها ..)) .

بلا شك أن هذا التعامل مع الضیف لیس من آداب الضیافة فكان أبو الفتح یتصبّر لعل هذا التاجر یكف عن هذا الكلام الذی لم یُبقی ولم یذر و یتابع أبو الفتح الاسكندری روایة القصة مع هذا التاجر المهذار قائلاً : (( .. ثم قرع الباب ودخلنا الدهلیز(23) وقال : عَمَّركِ الله یا دار ولا خربك یا جدار فما أمتن حیطانك وأوثق بُنیانك وأقوى أساسك تأمل بالله معارجها(24) وتبیَّن دواخلها وخوارجها وسلنی : كیف حصَّلتها ؟ وكم من حیلةٍ احتلتها حتى عقدتها ؟ .. كان لی جار یُكنى أبا سلیمان یسكن هذه المحلَّة وله من المال مالا یسعه الخزن ومن الصامت(25) مالا یحصرهُ الوزن مات وخلف خلفاً أتلفه ..)) .

لم یعلم أبى الفتح أن التاجر قد أشترى هذا البیت بعد قصة طویلة كان فی غنى عن سماعها وأولها إتلاف مال الورث من أبن صاحب المنزل الأصلی أبى سلیمان فی المنكرات والمحرمات ثم الحیلة علیه فی شراء الدار منه و یُتابع فیقول : (( .. وأشفقت أن یسوقه قائد الاضطرار إلى بیع الدار فیبیعها فی أثناء الضجر أو یجعلها عرضةً للخطر ثم أراها وقد فاتنی شراها فأتقطعُ علیها حسرات إلى یوم الممات فعمدتُ إلى أثواب لا تنضُّ تجارتها فحملتها إلیه وعرضتها علیه وساومتهُ على أن یشتریها نسیَّةً(26) والمدبرة یحسبُ النَّسیَّة عطیة والمختلف(27) یعتدها هدیة وسألته وثیقة بأصل المال ففعل وعقدها لی ثم تغافلت عن اقتضائهِ حتى كادت حاشیةُ حاله ترق فأتیتهُ فاقتضیتهُ واستمهلنی فأنظرتهُ والتمس غیرها من الثیاب فأحضرتهُ وسألته أن یجعل دارهُ رهینة لدی ووثیقةً فی یدیَّ ففعل ثم درجتهُ بالمعاملات إلى بیعها حتى حصلت لی بجدٍّ صاعدٍ(28) وبخت مساعدٍ وقوة ساعدٍ ورب ساعٍ لقاعدٍ وأنا بحمد الله مجدودٌ وفی مثل هذه الأحوال محمود وحسبك یا مولای أنی كنت منذ لیالٍ نائماً فی البیت مع من فیه إذ قُرع علینا الباب فقلت : من الطارق المنتاب ؟ فإذا امرأة معها عقد لآلٍ فی جلد ماءٍ ورقة آلٍ(29) تعرضهُ للبیع فأخذتهُ منها إخذة خلسٍ واشتریته بثمنٍ بخسٍ وسیكون له نفع ظاهر وربح وافر بعون الله تعالى وإنما حدثتك بهذا الحدیث لتعلم سعادة جدِّی فی التجارة والسعادة تنبط الماء من الحجارة الله أكبر ..لا ینبئك أصدق من نفسك ولا أقرب من أمسك اشتریت هذا الحصیر من المنادات(30) وقد أخرج من دور آل الفرات وقت المصادرات وزمن الغارات وكنت أطلب مثلهُ منذ زمن الأطولِ فلا أجد والدهر حبلى لیس یدری ما یلد ثم اتفق أنی حضرت باب الطاق وهذا یعرض فی الأسواق فوزنت فیه كذا وكذا دیناراً تأمل بالله دقته ولینه ولونه فهو عظیم القدر لا یقع مثلهُ إلا فی الندر وإن كنت سمعت بأبی عمران الحصری فهو عملهُ وله ابن یخلفهُ الآن فی حانوته لا یوجد أعلاق الحصر إلا عنده فبحیاتی(31) لا اشتریت الحصر إلا من دكانه فالمؤمن ناصح لإخوانه لاسیما من تحرَّم بخوانه(32) .. ونعود إلى حدیث المضیرة فقد حان وقت الظهیرة یا غلام الطست والماء , فقلت : الله أكبر ربما قرب الفرج وسهل المخرج .. وتقدم الغلام فقال : ترى هذا الغلام ؟ إنه رومی الأصل عراقی النشء تقدم یا غلام واحسر عن رأسك وشمر عن ساقك وانض(33) عن ذراعك وفتر عن أسنانك وأقبل وأدبر ففعل الغلام ذلك وقال التاجر : بالله من اشتراه ؟ اشتره والله أبو العباس من النخاس(34) ضع الطست وهات الإبریق .. فوضعه الغلام وأخذه التاجر وقلبهُ وأدار فیه النظر ثم نقرهُ , فقال : إلى هذا الشَّبهِ كأنه جذوة اللهب أو قطعة من الذهب(35) شبه الشام وصنعة العراق لیس من خلقان الأعلاق(36) قد عرف الملوك ودارها تأمل حسنه وسلنی متى اشتریتهُ ؟ .. )) .

كان أبو الفتح متضجراً من كلامه فكیف یسأله وهو یرید الخلاص منه ؟! ولكن هذا التاجر یفتح الأبواب ویخترع السؤال والجواب ثم یتابع فیقول : (( .. اشتریته والله عام المجاعة وادخرته لهذه الساعة یا غلام الإبریق .. فقدمه وأخذه التاجر فقلبه ثم قال : أنبوبه(37) منه لا یصلح هذا الإبریق إلا لهذا الطست ولا یصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست(38) ولا یحسن هذا الدست إلاَّ فی هذا البیت ولا یجمل هذا البیت إلا مع هذا الضیف أرسل الماء یا غلام فقد حان وقت الطعام . بالله ترى هذا الماء ما أصفاهُ أزرق كعین السنور(39) وصافٍ كقضیب البلور؟(40) .. استقی من الفرات واستعمل بعد البیات(41) فجاء كلسان الشمعة فی صفاء الدمعة ولیس الشَّانُ فی الإناء لا یدلك على نظافة أسبابه أصدق من نظافة شرابه وهذا المندیل سلنی عن قصته فهو نسیج جرجان وعمل أرجان(42) وقع إلىَّ فاشتریته ..)) .

لقد عرَّف هذا التاجر جمیع ما فی بیته لأبی الفتح مبتدأً بقصة شرائه للمنزل إلى المندیل الذی یُتخذ فی تنشیف الأیدی بعد الغسل ! حتى أصبحت هذه المضیرة بغیضة لأبی الفتح بسبب ما یعانیه من هذا التاجر الذی تبین لاحقاً أن لدیه الكثیر من الكلام فی وصف متاعه وحاجیاته وأنه لا یمل ولا یكل من هذه الرعونة فی التعامل مع الضیف ثم یُكمل فیقول : (( .. یا غلام الخوان فقد طال الزمان و القصاع فقد طال المصاع(43) والطعام فقد كثر الكلام .. فأتى الغلام بالخوان وقلبه التاجر على المكان ونقره بالبنان وعجمه بالأسنان , وقال : عَمَّرَ الله بغداد فما أجود متاعها وأظرف صُنَّاعها تأمل بالله هذا الخوان وانظر إلى عرض متنه وخفة وزنه وصلابة عوده وحسن شكله , فقلت : هذا الشكل فمتى الأكل ؟! فقال : الآن عَجِّل یا غلام الطعام .. لكن الخوان قوائمه منه , قال أبو الفتح الإسكندری : فجاشت نفسی(44) وقلت : قد بقی الخبز وآلاتهُ والخبز وصفاته والحنطة من أین أُشتریت أصلاً وكیف اكترى لها حملاً وفی أی رحى طحن وإجَّانةٍ(45) عُجن وأی تنور سُجر وخبازٍ استأجر وبقی الحطب من أین أحتُطب ومتى جُلب وكیف صُفف حتى جُفف وحُبس حتى یبس وبقی الخباز ووصفه والتلمیذ ونعتهُ والدقیق ومدحه والخمیر وشرحه والملح وملاحته وبقیت السكرجات(46) من أتخذها وكیف انتقذها ومن استعملها ومن عملها والخل وكیف انتقی عنبه أو اشتری رطبه وكیف صهرجت معصرته واستخلص لبه وكیف قیر حبه وكم یُساوی دنه(47) وبقی البقال كیف احتیل له حتى قطف وفی أی مبقلة رصف وكیف تؤنق حتى نظف وبقیت المضیرة كیف اشتری لحمها ووفی شحمها ونصبت قدرها وأُججت نارها ودقت أزارها حتى أُجید طبخها وعقد مرقها !! وهذا خطب یطم(48) وأمرٌ لا یتم فقمت , فقال : أین تریدُ ؟ فقلت : حاجةً أقضیها فقال : یا مولای ترید كنیفاً(49) یزری بربیعی الأمیر وخریفی(50) الوزیر قد جصص أعلاه وصهرج أسفله وسطح سقفه وفرشت بالمرمر أرضه یزل عن حائطه الذر فلا یعلق ویمشی على أرضه الذباب فیزلق علیه باب غیرانه(51) من خلیط ساج وعاج مزدوجین أحسن ازدواجٍ یتمنى الضیف أن یأكل فیه ؟! فقلت : كُل أنت من هذا الجراب لم یكن الكنیف فی الحساب .. وخرجت نحو الباب وأسرعتُ فی الذهاب وجعلت أعدو وهو یتبعنی ویصیح : یا أبا الفتح المضیرة .. وظن الصبیان أن المضیرة لقب لی ! فصاحوا صیاحه فرمیت أحداهم بحجر من فرط الضجر فلقی رجل الحجر بعمامته فغاص فی هامته فأخذت من النعال بما قدم وحدث ومن الصفع بما طاب وخبث وحشرت إلى الحبس فأقمتُ عامین فی ذلك النحس فنذرتُ أن لا آكل مضیرة ما عشت فهل أنا فی ذا یالهمذان ظالم ؟ قال عیسى بن هشام : فقبلنا عذره ونذرنا نذره وقلنا قدیماً جنت المضیرة على الأحرار وقدمت الأراذل على الأخیار ))(52) .

لقد كان أبو الفتح معذوراً فی موقفه من هذه المضیرة التی أخرجته إلى هذا الحد من الغضب بحیث حمل حجراً ورمى به بعض الأولاد فی الطریق الذین كانوا ینادونه بـ" مظیرة " - یظنون أنها لقب له ! – فما كان إلا أن أصابت رأس أحد المآره فكادت أن تقتله فكان عقابه السجن لمدة عامین .

--------------------
1/ المقامة فی اللغة : المجلس یجتمع فیه الناس .
2/ هو أبو الفضل أحمد بن الحسین بدیع الزمان الهمذانی مخترع المقامات أخذ اللغة عن ابن فارس اللغوی صاحب كتاب " المُجمل " فی اللغة وغیره كان بینه وبین أبی بكر الخوارزمی مشاجرات و مصادمات أدبیة تغلب علیه فذاع صیته وكبرت منزلته توفی فی سن الأربعین مسموماً على ما قیل سنة 398 هـ له ترجمة فی یتیمة الدهر للثعالبی ومعجم الأدباء لیاقوت الحموی وسیر أعلام النبلاء للذهبی .
3/ هو أبو محمد القاسم بن علی بن محمد الحریری كان أحد أئمة اللغة فی عصره عمل المقامات یتلوا فیها مقامات البدیع ففاقتها جمع فیها بلاغات العرب ولغاتهم وأمثالهم شرحها غیر واحد من العلماء وله من الكتب " درة الغواص فی أوهام الخواص " و " ملحة الإعراب " منظومة فی النحو وله شرح علیها وغیر ذلك توفى سنة 515 هـ. له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثر ووفیات الأعیان لأبن خلكان .
4/ النهایة لأبن الأثیر 1/5 .
5/ الظالع : أی الذی یغمز فی مشیته , والظالع أیضاً المائل عن الطریق القویم ، والضلیع السمین القوی والضلاعة قوة الأضلاع .
6/ هو أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادی یضرب به المثل فی الفصاحة تتلمذ على أحمد بن یحیى المعروف بـ" ثعلب " له مصنف فی " الخراج " و" صناعة الكاتب " توفی سنة 337 هـ . له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثیر.
7/ مقامات أبو القاسم الحریری ص14 .
8/ أصحاب الرقیم هم أهل الكهف الذین ورد ذكرهم فی القرآن الكریم وأخذ هذا المعنى من قوله تعالى فی سورة الكهف الآیة 9 ( أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقیم كانوا من ءایاتنا عجباً) .
9/ المهجة : الدم وقیل دم القلب خاصة ، وخرجت مهجته : أی روحه .
10/ الأبزیر والأبازیر : التوابل التی تضاف إلى الطعام , وذكر الجوالیقی انه معرب .
11/ الحلیلة : الزوجة والظعینة : المرآة فی الهودج وأراد هنا المرآة .
12/ لحًّا : أی القرابة المتصلة .
13/ الأرومة : الأصل والمعنى أی أننا نشترك فی المنبت والأصل .
14/ المحلة : الحی الذی یسكنه .
15/ السطة : الوسط .
16/ الصعداء : التنفس الممدود .
17/ البركار : الفرجار آلة رسم الدوائر .
18/ الساج : نوع من الأخشاب ینبت شجره بالهند , والمأروض : الذی أكلته الأرضة والعفن : الذی أصابته الرطوبة .
19/ أی له صوت أنین عند الفتح والإغلاق .
20/ أی له طنین إذا دق علیه .
21/ المعزیة : نوع من الدراهم منسوبة إلى المعز الفاطمی .
22/ الشََّبَه : النحاس الأصفر .
23/ الدهلیز : فارسی معرب وهو ما بین الباب إلى الدار.
24/ المعراج : الدرج الموصل إلى السطح .
25/ الصامت : الذهب والفضة ونحوهما .
26/ النسیَّة : تأخیر ثمن البیع .
27/ المختلف : لعله یقصد المجنون .
28/ وجدٌّ صاعد : حظ وبخت سعید .
29/ عقد لآل : أی عقد لؤلؤ , وآل : السراب أی أن العقد یشبه الماء من صفائه ولمعانه لأن السراب كأنه ماء.
30/ المنادات : أی السوق الذی یُنادى فیه على السلع المستخدمة سابقاً , ویعرف الیوم بالحراج .
31/ الحلف بغیر الله محرم وهو من الشرك الأصغر وفی الحدیث الصحیح ( من حلف بغیر الله فقد كفر أو أشرك ) .
32/ تحرم بخوانه : أی تمنع واحتمى به بسبب الطعام الذی بینهما ، والخوان : ما یؤكل علیه وهو معرب وسیأتی شیء من التفصیل عنه ضمن المقامة .
33/ احسر : اكشف , و انض : أی أنزع الرُّدن عن ذراعك .
34/ النخاس : الذی یبیع الرقیق .
35/ أی أن نحاس الإبریق كأنه الذهب فی لمعانه وصفائه .
36/ خُلقان : جمع خلق وهو القدیم البالی , والأعلاق : جمع علق وهو النفیس ، والمعنى أنه نفیس لم یتغیر مع طول الأیام .
37/ الأنبوب : یقصد به قصبة فم الإبریق .
38/ الدست : المكان المهیأ لمقابلة الضیوف .
39/ السنور : الهر.
40/ البلور : نوع من الأحجار الكریمة .
41/ أی لم نستعمله إلا بعد أن ظل لیلته فی إناء لیبرد ویتم صفاؤه لأنه مجلوب من النهر .
42/ جرجان وأرّجان : بلاد فی خرسان - إیران - .
43/ المصاع : المُجالدة والمُظاربة , والمعنى لقد أشتد الكلام حتى أصبح شبیه بالمجالدة والمظاربة .
44/ جاشت : أی أصابها الغثیان .
45/ الإجَّانة : إناء یستعمل فی الغسیل والعجن ونحوهما .
46/ السُّكُرَّجات : جمع سُكُرَّجَة وهی الصحفة ویقصد بذلك أنه بقی ذكر أوانی منزله .
47/ دنه : الدن الجرة العظیمة .
48/ یطم : یشتد وتعظم .
49/ الكنیف : الحمَّام المعد لقضاء الحاجة .
50/ الربیعی والخریفی هی الأماكن التی تتخذ فی البراری فی زمن الربیع والخریف من أجل النزهة ، ویقصد أن حمَّامه خیر من هذه الأمكنة البریة وأجمل !!.
51/ غیرانه : أی الفواصل بین ألواحه ، والساج : قد مر تعریفه فی الفقرة 18 , والعاج : ناب الفیل ، ویقصد بذلك أنه مطعم بالعاج والساج .
52/ شرح مقامات بدیع الزمان الهمذانی لمحمد محی الدین عبد الحمید – رحمه الله - المقامة 22 المضیریة ص142 طبعة دار الكتب العلمیة . بیروت – لبنان -.
* غالب المراجع لتفسیر الكلمات أستفدته من الشارح بتصرف مع مراجعة بعض المراجع فی اللغة مثل : لسان العرب لابن منظور , والمصباح المنیر للفیومی , ومختار الصحاح للرازی , والمُعرب للجوالیقی , وتاج العروس للزبیدی , والفائق للزمخشری كما راجعة أیضاً بعض كتب التراجم .
+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 15:40  توسط حسین منصور الناصری  | 

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی


أول من أنشأ فن المقامات(1) ووضع نواتها بدیع الزمان الهمذانی المتوفى سنة ( 398 هـ )(2) كما أن الخلیل بن أحمد الفراهیدی أول من وضع علم العروض فی صناعة الشعر والشافعی أول من وضع علم أصول الفقه فی كتابه المشهور " الرسالة " . ثم تتابع بعد ذلك التألیف فی فن المقامات الجدید على الأدب الإسلامی الرفیع وتوسع إلى الغایة . ولكن أبو القاسم الحریری المتوفى سنة ( 515 هـ )(3) فی مقاماته الأدبیة قد تفوق على بدیع الزمان وغیرهُ ممن ألف فی هذا الباب وأصبح هو فارس المقامات بدون منازع وإلیه یُشار بالبنان . إلاّ أن الأضواء لم تختفی عن مقامات البدیع بالكلیة فهی لا تزال تزخر بموروث أدبی كبیر لا یستهان به بسبب قوة عارضته وغزارة معرفته للغة والشعر الذی یؤهل المتصدی لتألیف فی هذا الفن من إجادة الإنشاء وتركیب الكلمة المستحسنة مع السجع المُطرب للسامع .

وفی ظنی أن البدیع تأخر عن الحریری بسبب أنه لم یُسبق إلى الكتابة فی هذا الفن من قبل فلم یستفد ممن تقدمه وهذا معروف عند العلماء الذین یبتدعون الجدید فی العلم كما قال ابن الأثیر : ( إنَّ مبتدىء الشیء لم یسبق إلیه ومبتدع أمراً لم یتقدم فیه علیه فإنه یكون قلیلاً ثم یكثر وصغیراً ثم یكبر )(4) فهذا هو الذی أنقص منها وجعلها تقصر عن مقامات الحریری ومع هذا فقد اعترف الحریری بالاستفادة من البدیع حیث سار سیره وحذا حذوه فی مقامته حتى قال : ( فأشار من إشارتهُ حُكم وطاعتهُ غُنم إلى أن أُنشىء مقامات أتلو فیها تلو البدیع وإن لم یُدرك الظالعُ شأو الضلیع(5)( إلى أن قال ) هذا مع اعترافی بأن البدیع – رحمه الله - سباقُ غایات وصاحب آیات وأن المتصدی بعده لإنشاء مقامة ولو أوتی بلاغة قدامة(6) لا یغترف إلا من فضالتهِ ولا یسری ذلك المسرى إلا بدلالته )(7) وكفى بالحریری على علو كعبه فی هذا الفن أن یُثنی على البدیع هذا الثناء الحسن .

وأما عن أسلوب البدیع القصصی فی مقاماته فقد رسم فی كل قصة شخصیتان رئیسیتان وهمیتان . الأول : وهو الراوی للقصة وسماه عیسى بن هشام , والثانی : أبی الفتح الإسكندری الذی یقوم بدور البطل وتدور علیه الأحداث التی غالباً ما تكون فی الكُدیة ( التسول ) فأنشأ بذلك إحدى وخمسین مقامة سمى كل مقامة على أسم ما تدور علیه القصة .

ومن الجمیل الممتع فی هذه المقامات - غیر السجع الجمیل المتناسق والشعر العذب والفصاحة التی تدل على تمكنه من اللغة - الفُكاهة التی لا تفارق كثیراً من مقاماته بحیث جعلت منها صور أدبیة متفرقة تبهج القارىء وتزیده من علوم مختلفة ومتنوعة فی الأدب الإسلامی الذی یحسن بالمرء المسلم أن یُطالعه ویغترف منه ولاسیما النشء .

والجدیر بذكر ومن المهم التنبیه علیه أن مقامات البدیع هی كغیرها من كتب الأدب الذی لا یخلو من المخالفات فی العقیدة مثل الحلف بغیر الله أو ذكر ما هو متصل بكبائر الذنوب كأم الكبائر ( الخمر ) أو المجون والفسق إلى غیر ذلك مما لا یسلم منه كتاب فی الأدب القدیم الذی لم یتحرى مُؤلفوها إلا نقل الأخبار والمُلح والفُكاهة بغض النظر عن الأحكام الشرعیة لهذه الأعمال .

وقد اخترنا ما استحسناه للقارئ مما نرجو أن یكون فیه المتعة والفائدة المرجوة فیحدثنا البدیع فی المقامة ( المضیریَّة ) نقلاً عن محدثه الوهمی عیسى بن هشام أنه كان مع أبو الفتح الإسكندری رجل الفصاحة فی البصرة فی ولیمة وقد قُدم فیها مضیرة - وهی نوع من الطعام یُتخذ من اللحم واللبن الحامض مع التوابل - یصفها بأنها شهیة قد أُعدة جیداً تتشوف النفوس إلى أكلها فإذا أبو الفتح یذمها ویشتمها أمام الحضور ویمقت آكلها وینتقص طابخها ! فتبادر للناس فی بادئ الأمر أنه یمزح ولكن تبین أنهُ جاداً فی ذلك فأبعدت المضیرة والأبصار ترقبها وقد تعلقت القلوب بها إرضاءً له فلما سُؤل عن سبب ثلبها قال : (( دعانی بعض التُجار إلى مضیرة وأنا ببغداد ولزمنی ملازمة الغریم والكلب لأصحاب الرقیم(8) إلى أن أجبتهُ إلیها وقمنا فجعل طول الطریق یثنی على زوجته ویفدیها بمهجته(9) ویصف حذقها فی صنعتها وتأنقها فی طبخها ..)) .

كل هذا من أجل ترغیب أبو الفتح فی المضیرة التی تنتظره غیر متغافل هذا التاجر عن مدح زوجته فی عمل البیت وإعداد الولیمة فیكمل ویقول : (( .. وهی تدور فی الدور من التنور إلى القدور ومن القدور إلى التنور تنفث بفیها النار وتدق بیدیها الأبزار(10)..)) .

حرصاً منها على إتقان عملها المتعلق بهذا الفن من الطعام وطاعةً لزوجها الذی بینه وبینها علاقة زوجیة جیدة بسبب المحبة المتبادلة وصفاء العیش ثم یُكمل : (( .. وأنا أعشقها لأنها تعشقنی ومن سعادة المرء أن یُرزق المساعدة من حلیلته وأن یسعد بظعینته(11) ولاسیما إذا كانت من طینته وهی أبنة عمِّی لحَّا(12) طینتها طینتی ومدینتها مدینتی وعمومتها عمومتی وأرومتها أرومتی(13) لكنها أوسع منی خُلقاً وأحسن خلقاً .. وصدعنی بصفات زوجته حتى انتهینا إلى محلته(14) ثم قال : یا مولای ترى هذه المحلة ؟ هی أشرف محال بغداد یتنافس الأخیار فی نزولها ویتغایر الكبار فی حلولها ثم لا یسكنها غیر التجار وإنما المرءُ بالجار وداری فی السِطة(15) من قلادتها والنقطة من دائرتها كم تقدر یا مولای أنفق على كل دارٍ منها ؟ قُلهُ تخمیناً إن لم تعرفه یقیناً ؟ قلت : الكثیر ، فقال : سبحان الله ! ما أكبر هذا الغلط تقول الكثیر فقط ؟! وتنفس الصعداء(16) وقال : سبحان من یعلم الأشیاء وانتهینا إلى باب داره فقال : هذه داری كم تُقدِّر یا مولای أنفقت على هذه الطاقة ؟ أنفقت والله علیها فوق الطاقة ووراء الفاقة كیف ترى صنعتها وشكلها ؟ أرأیت بالله مثلها ؟ انظر إلى دقائق صَّنعتها فیها ، وتأمل حُسن تعریجها فكأنما خُطّ بالبركار(17) ..)) .

ومع هذا الهذر عن زوجه وبیته وحیّه وشُباك منزله یتابع هذا التاجر الوصف الدقیق عن بقیت متاعه لضیفه أبو الفتح الذی لم یكن یرغب هذا الأسلوب نوعاً ما فی هذه الولیمة ثم یواصل فیقول : (( .. انظر إلى حذق النَّجار فی صنعة هذا الباب اتخذه من كم ؟ قل .. ومِنْ أین أعلم ؟ هو ساج من قطعةٍ واحدةٍ لامأروضٌ ولاعفن(18) إذا حُرك أنَّ(19) وإذا نقر طنَّ(20) من اتخذهُ یاسیِّدی ؟ اتخذهُ أبو إسحاق بن محمد البصری وهو والله رجل نظیف الأثواب بصیر بصناعة الأبواب خفیف الید فی العمل لله درُّ ذلك الرجل بالله لا استعنت إلا به على مثله وهذه الحلقة تراها اشتریتها فی سوق الطرائف من عمران الطرائفی بثلاثة دنانیر معزیة(21) وكم فیها یا سیدی من الشَّبه؟(22) فیها ستةُ أرطال وهی تدور بلولب فی الباب بالله دورها ثمَّ انقرها وأبصرها ..)) .

بلا شك أن هذا التعامل مع الضیف لیس من آداب الضیافة فكان أبو الفتح یتصبّر لعل هذا التاجر یكف عن هذا الكلام الذی لم یُبقی ولم یذر و یتابع أبو الفتح الاسكندری روایة القصة مع هذا التاجر المهذار قائلاً : (( .. ثم قرع الباب ودخلنا الدهلیز(23) وقال : عَمَّركِ الله یا دار ولا خربك یا جدار فما أمتن حیطانك وأوثق بُنیانك وأقوى أساسك تأمل بالله معارجها(24) وتبیَّن دواخلها وخوارجها وسلنی : كیف حصَّلتها ؟ وكم من حیلةٍ احتلتها حتى عقدتها ؟ .. كان لی جار یُكنى أبا سلیمان یسكن هذه المحلَّة وله من المال مالا یسعه الخزن ومن الصامت(25) مالا یحصرهُ الوزن مات وخلف خلفاً أتلفه ..)) .

لم یعلم أبى الفتح أن التاجر قد أشترى هذا البیت بعد قصة طویلة كان فی غنى عن سماعها وأولها إتلاف مال الورث من أبن صاحب المنزل الأصلی أبى سلیمان فی المنكرات والمحرمات ثم الحیلة علیه فی شراء الدار منه و یُتابع فیقول : (( .. وأشفقت أن یسوقه قائد الاضطرار إلى بیع الدار فیبیعها فی أثناء الضجر أو یجعلها عرضةً للخطر ثم أراها وقد فاتنی شراها فأتقطعُ علیها حسرات إلى یوم الممات فعمدتُ إلى أثواب لا تنضُّ تجارتها فحملتها إلیه وعرضتها علیه وساومتهُ على أن یشتریها نسیَّةً(26) والمدبرة یحسبُ النَّسیَّة عطیة والمختلف(27) یعتدها هدیة وسألته وثیقة بأصل المال ففعل وعقدها لی ثم تغافلت عن اقتضائهِ حتى كادت حاشیةُ حاله ترق فأتیتهُ فاقتضیتهُ واستمهلنی فأنظرتهُ والتمس غیرها من الثیاب فأحضرتهُ وسألته أن یجعل دارهُ رهینة لدی ووثیقةً فی یدیَّ ففعل ثم درجتهُ بالمعاملات إلى بیعها حتى حصلت لی بجدٍّ صاعدٍ(28) وبخت مساعدٍ وقوة ساعدٍ ورب ساعٍ لقاعدٍ وأنا بحمد الله مجدودٌ وفی مثل هذه الأحوال محمود وحسبك یا مولای أنی كنت منذ لیالٍ نائماً فی البیت مع من فیه إذ قُرع علینا الباب فقلت : من الطارق المنتاب ؟ فإذا امرأة معها عقد لآلٍ فی جلد ماءٍ ورقة آلٍ(29) تعرضهُ للبیع فأخذتهُ منها إخذة خلسٍ واشتریته بثمنٍ بخسٍ وسیكون له نفع ظاهر وربح وافر بعون الله تعالى وإنما حدثتك بهذا الحدیث لتعلم سعادة جدِّی فی التجارة والسعادة تنبط الماء من الحجارة الله أكبر ..لا ینبئك أصدق من نفسك ولا أقرب من أمسك اشتریت هذا الحصیر من المنادات(30) وقد أخرج من دور آل الفرات وقت المصادرات وزمن الغارات وكنت أطلب مثلهُ منذ زمن الأطولِ فلا أجد والدهر حبلى لیس یدری ما یلد ثم اتفق أنی حضرت باب الطاق وهذا یعرض فی الأسواق فوزنت فیه كذا وكذا دیناراً تأمل بالله دقته ولینه ولونه فهو عظیم القدر لا یقع مثلهُ إلا فی الندر وإن كنت سمعت بأبی عمران الحصری فهو عملهُ وله ابن یخلفهُ الآن فی حانوته لا یوجد أعلاق الحصر إلا عنده فبحیاتی(31) لا اشتریت الحصر إلا من دكانه فالمؤمن ناصح لإخوانه لاسیما من تحرَّم بخوانه(32) .. ونعود إلى حدیث المضیرة فقد حان وقت الظهیرة یا غلام الطست والماء , فقلت : الله أكبر ربما قرب الفرج وسهل المخرج .. وتقدم الغلام فقال : ترى هذا الغلام ؟ إنه رومی الأصل عراقی النشء تقدم یا غلام واحسر عن رأسك وشمر عن ساقك وانض(33) عن ذراعك وفتر عن أسنانك وأقبل وأدبر ففعل الغلام ذلك وقال التاجر : بالله من اشتراه ؟ اشتره والله أبو العباس من النخاس(34) ضع الطست وهات الإبریق .. فوضعه الغلام وأخذه التاجر وقلبهُ وأدار فیه النظر ثم نقرهُ , فقال : إلى هذا الشَّبهِ كأنه جذوة اللهب أو قطعة من الذهب(35) شبه الشام وصنعة العراق لیس من خلقان الأعلاق(36) قد عرف الملوك ودارها تأمل حسنه وسلنی متى اشتریتهُ ؟ .. )) .

كان أبو الفتح متضجراً من كلامه فكیف یسأله وهو یرید الخلاص منه ؟! ولكن هذا التاجر یفتح الأبواب ویخترع السؤال والجواب ثم یتابع فیقول : (( .. اشتریته والله عام المجاعة وادخرته لهذه الساعة یا غلام الإبریق .. فقدمه وأخذه التاجر فقلبه ثم قال : أنبوبه(37) منه لا یصلح هذا الإبریق إلا لهذا الطست ولا یصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست(38) ولا یحسن هذا الدست إلاَّ فی هذا البیت ولا یجمل هذا البیت إلا مع هذا الضیف أرسل الماء یا غلام فقد حان وقت الطعام . بالله ترى هذا الماء ما أصفاهُ أزرق كعین السنور(39) وصافٍ كقضیب البلور؟(40) .. استقی من الفرات واستعمل بعد البیات(41) فجاء كلسان الشمعة فی صفاء الدمعة ولیس الشَّانُ فی الإناء لا یدلك على نظافة أسبابه أصدق من نظافة شرابه وهذا المندیل سلنی عن قصته فهو نسیج جرجان وعمل أرجان(42) وقع إلىَّ فاشتریته ..)) .

لقد عرَّف هذا التاجر جمیع ما فی بیته لأبی الفتح مبتدأً بقصة شرائه للمنزل إلى المندیل الذی یُتخذ فی تنشیف الأیدی بعد الغسل ! حتى أصبحت هذه المضیرة بغیضة لأبی الفتح بسبب ما یعانیه من هذا التاجر الذی تبین لاحقاً أن لدیه الكثیر من الكلام فی وصف متاعه وحاجیاته وأنه لا یمل ولا یكل من هذه الرعونة فی التعامل مع الضیف ثم یُكمل فیقول : (( .. یا غلام الخوان فقد طال الزمان و القصاع فقد طال المصاع(43) والطعام فقد كثر الكلام .. فأتى الغلام بالخوان وقلبه التاجر على المكان ونقره بالبنان وعجمه بالأسنان , وقال : عَمَّرَ الله بغداد فما أجود متاعها وأظرف صُنَّاعها تأمل بالله هذا الخوان وانظر إلى عرض متنه وخفة وزنه وصلابة عوده وحسن شكله , فقلت : هذا الشكل فمتى الأكل ؟! فقال : الآن عَجِّل یا غلام الطعام .. لكن الخوان قوائمه منه , قال أبو الفتح الإسكندری : فجاشت نفسی(44) وقلت : قد بقی الخبز وآلاتهُ والخبز وصفاته والحنطة من أین أُشتریت أصلاً وكیف اكترى لها حملاً وفی أی رحى طحن وإجَّانةٍ(45) عُجن وأی تنور سُجر وخبازٍ استأجر وبقی الحطب من أین أحتُطب ومتى جُلب وكیف صُفف حتى جُفف وحُبس حتى یبس وبقی الخباز ووصفه والتلمیذ ونعتهُ والدقیق ومدحه والخمیر وشرحه والملح وملاحته وبقیت السكرجات(46) من أتخذها وكیف انتقذها ومن استعملها ومن عملها والخل وكیف انتقی عنبه أو اشتری رطبه وكیف صهرجت معصرته واستخلص لبه وكیف قیر حبه وكم یُساوی دنه(47) وبقی البقال كیف احتیل له حتى قطف وفی أی مبقلة رصف وكیف تؤنق حتى نظف وبقیت المضیرة كیف اشتری لحمها ووفی شحمها ونصبت قدرها وأُججت نارها ودقت أزارها حتى أُجید طبخها وعقد مرقها !! وهذا خطب یطم(48) وأمرٌ لا یتم فقمت , فقال : أین تریدُ ؟ فقلت : حاجةً أقضیها فقال : یا مولای ترید كنیفاً(49) یزری بربیعی الأمیر وخریفی(50) الوزیر قد جصص أعلاه وصهرج أسفله وسطح سقفه وفرشت بالمرمر أرضه یزل عن حائطه الذر فلا یعلق ویمشی على أرضه الذباب فیزلق علیه باب غیرانه(51) من خلیط ساج وعاج مزدوجین أحسن ازدواجٍ یتمنى الضیف أن یأكل فیه ؟! فقلت : كُل أنت من هذا الجراب لم یكن الكنیف فی الحساب .. وخرجت نحو الباب وأسرعتُ فی الذهاب وجعلت أعدو وهو یتبعنی ویصیح : یا أبا الفتح المضیرة .. وظن الصبیان أن المضیرة لقب لی ! فصاحوا صیاحه فرمیت أحداهم بحجر من فرط الضجر فلقی رجل الحجر بعمامته فغاص فی هامته فأخذت من النعال بما قدم وحدث ومن الصفع بما طاب وخبث وحشرت إلى الحبس فأقمتُ عامین فی ذلك النحس فنذرتُ أن لا آكل مضیرة ما عشت فهل أنا فی ذا یالهمذان ظالم ؟ قال عیسى بن هشام : فقبلنا عذره ونذرنا نذره وقلنا قدیماً جنت المضیرة على الأحرار وقدمت الأراذل على الأخیار ))(52) .

لقد كان أبو الفتح معذوراً فی موقفه من هذه المضیرة التی أخرجته إلى هذا الحد من الغضب بحیث حمل حجراً ورمى به بعض الأولاد فی الطریق الذین كانوا ینادونه بـ" مظیرة " - یظنون أنها لقب له ! – فما كان إلا أن أصابت رأس أحد المآره فكادت أن تقتله فكان عقابه السجن لمدة عامین .

--------------------
1/ المقامة فی اللغة : المجلس یجتمع فیه الناس .
2/ هو أبو الفضل أحمد بن الحسین بدیع الزمان الهمذانی مخترع المقامات أخذ اللغة عن ابن فارس اللغوی صاحب كتاب " المُجمل " فی اللغة وغیره كان بینه وبین أبی بكر الخوارزمی مشاجرات و مصادمات أدبیة تغلب علیه فذاع صیته وكبرت منزلته توفی فی سن الأربعین مسموماً على ما قیل سنة 398 هـ له ترجمة فی یتیمة الدهر للثعالبی ومعجم الأدباء لیاقوت الحموی وسیر أعلام النبلاء للذهبی .
3/ هو أبو محمد القاسم بن علی بن محمد الحریری كان أحد أئمة اللغة فی عصره عمل المقامات یتلوا فیها مقامات البدیع ففاقتها جمع فیها بلاغات العرب ولغاتهم وأمثالهم شرحها غیر واحد من العلماء وله من الكتب " درة الغواص فی أوهام الخواص " و " ملحة الإعراب " منظومة فی النحو وله شرح علیها وغیر ذلك توفى سنة 515 هـ. له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثر ووفیات الأعیان لأبن خلكان .
4/ النهایة لأبن الأثیر 1/5 .
5/ الظالع : أی الذی یغمز فی مشیته , والظالع أیضاً المائل عن الطریق القویم ، والضلیع السمین القوی والضلاعة قوة الأضلاع .
6/ هو أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادی یضرب به المثل فی الفصاحة تتلمذ على أحمد بن یحیى المعروف بـ" ثعلب " له مصنف فی " الخراج " و" صناعة الكاتب " توفی سنة 337 هـ . له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثیر.
7/ مقامات أبو القاسم الحریری ص14 .
8/ أصحاب الرقیم هم أهل الكهف الذین ورد ذكرهم فی القرآن الكریم وأخذ هذا المعنى من قوله تعالى فی سورة الكهف الآیة 9 ( أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقیم كانوا من ءایاتنا عجباً) .
9/ المهجة : الدم وقیل دم القلب خاصة ، وخرجت مهجته : أی روحه .
10/ الأبزیر والأبازیر : التوابل التی تضاف إلى الطعام , وذكر الجوالیقی انه معرب .
11/ الحلیلة : الزوجة والظعینة : المرآة فی الهودج وأراد هنا المرآة .
12/ لحًّا : أی القرابة المتصلة .
13/ الأرومة : الأصل والمعنى أی أننا نشترك فی المنبت والأصل .
14/ المحلة : الحی الذی یسكنه .
15/ السطة : الوسط .
16/ الصعداء : التنفس الممدود .
17/ البركار : الفرجار آلة رسم الدوائر .
18/ الساج : نوع من الأخشاب ینبت شجره بالهند , والمأروض : الذی أكلته الأرضة والعفن : الذی أصابته الرطوبة .
19/ أی له صوت أنین عند الفتح والإغلاق .
20/ أی له طنین إذا دق علیه .
21/ المعزیة : نوع من الدراهم منسوبة إلى المعز الفاطمی .
22/ الشََّبَه : النحاس الأصفر .
23/ الدهلیز : فارسی معرب وهو ما بین الباب إلى الدار.
24/ المعراج : الدرج الموصل إلى السطح .
25/ الصامت : الذهب والفضة ونحوهما .
26/ النسیَّة : تأخیر ثمن البیع .
27/ المختلف : لعله یقصد المجنون .
28/ وجدٌّ صاعد : حظ وبخت سعید .
29/ عقد لآل : أی عقد لؤلؤ , وآل : السراب أی أن العقد یشبه الماء من صفائه ولمعانه لأن السراب كأنه ماء.
30/ المنادات : أی السوق الذی یُنادى فیه على السلع المستخدمة سابقاً , ویعرف الیوم بالحراج .
31/ الحلف بغیر الله محرم وهو من الشرك الأصغر وفی الحدیث الصحیح ( من حلف بغیر الله فقد كفر أو أشرك ) .
32/ تحرم بخوانه : أی تمنع واحتمى به بسبب الطعام الذی بینهما ، والخوان : ما یؤكل علیه وهو معرب وسیأتی شیء من التفصیل عنه ضمن المقامة .
33/ احسر : اكشف , و انض : أی أنزع الرُّدن عن ذراعك .
34/ النخاس : الذی یبیع الرقیق .
35/ أی أن نحاس الإبریق كأنه الذهب فی لمعانه وصفائه .
36/ خُلقان : جمع خلق وهو القدیم البالی , والأعلاق : جمع علق وهو النفیس ، والمعنى أنه نفیس لم یتغیر مع طول الأیام .
37/ الأنبوب : یقصد به قصبة فم الإبریق .
38/ الدست : المكان المهیأ لمقابلة الضیوف .
39/ السنور : الهر.
40/ البلور : نوع من الأحجار الكریمة .
41/ أی لم نستعمله إلا بعد أن ظل لیلته فی إناء لیبرد ویتم صفاؤه لأنه مجلوب من النهر .
42/ جرجان وأرّجان : بلاد فی خرسان - إیران - .
43/ المصاع : المُجالدة والمُظاربة , والمعنى لقد أشتد الكلام حتى أصبح شبیه بالمجالدة والمظاربة .
44/ جاشت : أی أصابها الغثیان .
45/ الإجَّانة : إناء یستعمل فی الغسیل والعجن ونحوهما .
46/ السُّكُرَّجات : جمع سُكُرَّجَة وهی الصحفة ویقصد بذلك أنه بقی ذكر أوانی منزله .
47/ دنه : الدن الجرة العظیمة .
48/ یطم : یشتد وتعظم .
49/ الكنیف : الحمَّام المعد لقضاء الحاجة .
50/ الربیعی والخریفی هی الأماكن التی تتخذ فی البراری فی زمن الربیع والخریف من أجل النزهة ، ویقصد أن حمَّامه خیر من هذه الأمكنة البریة وأجمل !!.
51/ غیرانه : أی الفواصل بین ألواحه ، والساج : قد مر تعریفه فی الفقرة 18 , والعاج : ناب الفیل ، ویقصد بذلك أنه مطعم بالعاج والساج .
52/ شرح مقامات بدیع الزمان الهمذانی لمحمد محی الدین عبد الحمید – رحمه الله - المقامة 22 المضیریة ص142 طبعة دار الكتب العلمیة . بیروت – لبنان -.
* غالب المراجع لتفسیر الكلمات أستفدته من الشارح بتصرف مع مراجعة بعض المراجع فی اللغة مثل : لسان العرب لابن منظور , والمصباح المنیر للفیومی , ومختار الصحاح للرازی , والمُعرب للجوالیقی , وتاج العروس للزبیدی , والفائق للزمخشری كما راجعة أیضاً بعض كتب التراجم .
+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 15:40  توسط حسین منصور الناصری  | 

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی

الفُكاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی


أول من أنشأ فن المقامات(1) ووضع نواتها بدیع الزمان الهمذانی المتوفى سنة ( 398 هـ )(2) كما أن الخلیل بن أحمد الفراهیدی أول من وضع علم العروض فی صناعة الشعر والشافعی أول من وضع علم أصول الفقه فی كتابه المشهور " الرسالة " . ثم تتابع بعد ذلك التألیف فی فن المقامات الجدید على الأدب الإسلامی الرفیع وتوسع إلى الغایة . ولكن أبو القاسم الحریری المتوفى سنة ( 515 هـ )(3) فی مقاماته الأدبیة قد تفوق على بدیع الزمان وغیرهُ ممن ألف فی هذا الباب وأصبح هو فارس المقامات بدون منازع وإلیه یُشار بالبنان . إلاّ أن الأضواء لم تختفی عن مقامات البدیع بالكلیة فهی لا تزال تزخر بموروث أدبی كبیر لا یستهان به بسبب قوة عارضته وغزارة معرفته للغة والشعر الذی یؤهل المتصدی لتألیف فی هذا الفن من إجادة الإنشاء وتركیب الكلمة المستحسنة مع السجع المُطرب للسامع .

وفی ظنی أن البدیع تأخر عن الحریری بسبب أنه لم یُسبق إلى الكتابة فی هذا الفن من قبل فلم یستفد ممن تقدمه وهذا معروف عند العلماء الذین یبتدعون الجدید فی العلم كما قال ابن الأثیر : ( إنَّ مبتدىء الشیء لم یسبق إلیه ومبتدع أمراً لم یتقدم فیه علیه فإنه یكون قلیلاً ثم یكثر وصغیراً ثم یكبر )(4) فهذا هو الذی أنقص منها وجعلها تقصر عن مقامات الحریری ومع هذا فقد اعترف الحریری بالاستفادة من البدیع حیث سار سیره وحذا حذوه فی مقامته حتى قال : ( فأشار من إشارتهُ حُكم وطاعتهُ غُنم إلى أن أُنشىء مقامات أتلو فیها تلو البدیع وإن لم یُدرك الظالعُ شأو الضلیع(5)( إلى أن قال ) هذا مع اعترافی بأن البدیع – رحمه الله - سباقُ غایات وصاحب آیات وأن المتصدی بعده لإنشاء مقامة ولو أوتی بلاغة قدامة(6) لا یغترف إلا من فضالتهِ ولا یسری ذلك المسرى إلا بدلالته )(7) وكفى بالحریری على علو كعبه فی هذا الفن أن یُثنی على البدیع هذا الثناء الحسن .

وأما عن أسلوب البدیع القصصی فی مقاماته فقد رسم فی كل قصة شخصیتان رئیسیتان وهمیتان . الأول : وهو الراوی للقصة وسماه عیسى بن هشام , والثانی : أبی الفتح الإسكندری الذی یقوم بدور البطل وتدور علیه الأحداث التی غالباً ما تكون فی الكُدیة ( التسول ) فأنشأ بذلك إحدى وخمسین مقامة سمى كل مقامة على أسم ما تدور علیه القصة .

ومن الجمیل الممتع فی هذه المقامات - غیر السجع الجمیل المتناسق والشعر العذب والفصاحة التی تدل على تمكنه من اللغة - الفُكاهة التی لا تفارق كثیراً من مقاماته بحیث جعلت منها صور أدبیة متفرقة تبهج القارىء وتزیده من علوم مختلفة ومتنوعة فی الأدب الإسلامی الذی یحسن بالمرء المسلم أن یُطالعه ویغترف منه ولاسیما النشء .

والجدیر بذكر ومن المهم التنبیه علیه أن مقامات البدیع هی كغیرها من كتب الأدب الذی لا یخلو من المخالفات فی العقیدة مثل الحلف بغیر الله أو ذكر ما هو متصل بكبائر الذنوب كأم الكبائر ( الخمر ) أو المجون والفسق إلى غیر ذلك مما لا یسلم منه كتاب فی الأدب القدیم الذی لم یتحرى مُؤلفوها إلا نقل الأخبار والمُلح والفُكاهة بغض النظر عن الأحكام الشرعیة لهذه الأعمال .

وقد اخترنا ما استحسناه للقارئ مما نرجو أن یكون فیه المتعة والفائدة المرجوة فیحدثنا البدیع فی المقامة ( المضیریَّة ) نقلاً عن محدثه الوهمی عیسى بن هشام أنه كان مع أبو الفتح الإسكندری رجل الفصاحة فی البصرة فی ولیمة وقد قُدم فیها مضیرة - وهی نوع من الطعام یُتخذ من اللحم واللبن الحامض مع التوابل - یصفها بأنها شهیة قد أُعدة جیداً تتشوف النفوس إلى أكلها فإذا أبو الفتح یذمها ویشتمها أمام الحضور ویمقت آكلها وینتقص طابخها ! فتبادر للناس فی بادئ الأمر أنه یمزح ولكن تبین أنهُ جاداً فی ذلك فأبعدت المضیرة والأبصار ترقبها وقد تعلقت القلوب بها إرضاءً له فلما سُؤل عن سبب ثلبها قال : (( دعانی بعض التُجار إلى مضیرة وأنا ببغداد ولزمنی ملازمة الغریم والكلب لأصحاب الرقیم(8) إلى أن أجبتهُ إلیها وقمنا فجعل طول الطریق یثنی على زوجته ویفدیها بمهجته(9) ویصف حذقها فی صنعتها وتأنقها فی طبخها ..)) .

كل هذا من أجل ترغیب أبو الفتح فی المضیرة التی تنتظره غیر متغافل هذا التاجر عن مدح زوجته فی عمل البیت وإعداد الولیمة فیكمل ویقول : (( .. وهی تدور فی الدور من التنور إلى القدور ومن القدور إلى التنور تنفث بفیها النار وتدق بیدیها الأبزار(10)..)) .

حرصاً منها على إتقان عملها المتعلق بهذا الفن من الطعام وطاعةً لزوجها الذی بینه وبینها علاقة زوجیة جیدة بسبب المحبة المتبادلة وصفاء العیش ثم یُكمل : (( .. وأنا أعشقها لأنها تعشقنی ومن سعادة المرء أن یُرزق المساعدة من حلیلته وأن یسعد بظعینته(11) ولاسیما إذا كانت من طینته وهی أبنة عمِّی لحَّا(12) طینتها طینتی ومدینتها مدینتی وعمومتها عمومتی وأرومتها أرومتی(13) لكنها أوسع منی خُلقاً وأحسن خلقاً .. وصدعنی بصفات زوجته حتى انتهینا إلى محلته(14) ثم قال : یا مولای ترى هذه المحلة ؟ هی أشرف محال بغداد یتنافس الأخیار فی نزولها ویتغایر الكبار فی حلولها ثم لا یسكنها غیر التجار وإنما المرءُ بالجار وداری فی السِطة(15) من قلادتها والنقطة من دائرتها كم تقدر یا مولای أنفق على كل دارٍ منها ؟ قُلهُ تخمیناً إن لم تعرفه یقیناً ؟ قلت : الكثیر ، فقال : سبحان الله ! ما أكبر هذا الغلط تقول الكثیر فقط ؟! وتنفس الصعداء(16) وقال : سبحان من یعلم الأشیاء وانتهینا إلى باب داره فقال : هذه داری كم تُقدِّر یا مولای أنفقت على هذه الطاقة ؟ أنفقت والله علیها فوق الطاقة ووراء الفاقة كیف ترى صنعتها وشكلها ؟ أرأیت بالله مثلها ؟ انظر إلى دقائق صَّنعتها فیها ، وتأمل حُسن تعریجها فكأنما خُطّ بالبركار(17) ..)) .

ومع هذا الهذر عن زوجه وبیته وحیّه وشُباك منزله یتابع هذا التاجر الوصف الدقیق عن بقیت متاعه لضیفه أبو الفتح الذی لم یكن یرغب هذا الأسلوب نوعاً ما فی هذه الولیمة ثم یواصل فیقول : (( .. انظر إلى حذق النَّجار فی صنعة هذا الباب اتخذه من كم ؟ قل .. ومِنْ أین أعلم ؟ هو ساج من قطعةٍ واحدةٍ لامأروضٌ ولاعفن(18) إذا حُرك أنَّ(19) وإذا نقر طنَّ(20) من اتخذهُ یاسیِّدی ؟ اتخذهُ أبو إسحاق بن محمد البصری وهو والله رجل نظیف الأثواب بصیر بصناعة الأبواب خفیف الید فی العمل لله درُّ ذلك الرجل بالله لا استعنت إلا به على مثله وهذه الحلقة تراها اشتریتها فی سوق الطرائف من عمران الطرائفی بثلاثة دنانیر معزیة(21) وكم فیها یا سیدی من الشَّبه؟(22) فیها ستةُ أرطال وهی تدور بلولب فی الباب بالله دورها ثمَّ انقرها وأبصرها ..)) .

بلا شك أن هذا التعامل مع الضیف لیس من آداب الضیافة فكان أبو الفتح یتصبّر لعل هذا التاجر یكف عن هذا الكلام الذی لم یُبقی ولم یذر و یتابع أبو الفتح الاسكندری روایة القصة مع هذا التاجر المهذار قائلاً : (( .. ثم قرع الباب ودخلنا الدهلیز(23) وقال : عَمَّركِ الله یا دار ولا خربك یا جدار فما أمتن حیطانك وأوثق بُنیانك وأقوى أساسك تأمل بالله معارجها(24) وتبیَّن دواخلها وخوارجها وسلنی : كیف حصَّلتها ؟ وكم من حیلةٍ احتلتها حتى عقدتها ؟ .. كان لی جار یُكنى أبا سلیمان یسكن هذه المحلَّة وله من المال مالا یسعه الخزن ومن الصامت(25) مالا یحصرهُ الوزن مات وخلف خلفاً أتلفه ..)) .

لم یعلم أبى الفتح أن التاجر قد أشترى هذا البیت بعد قصة طویلة كان فی غنى عن سماعها وأولها إتلاف مال الورث من أبن صاحب المنزل الأصلی أبى سلیمان فی المنكرات والمحرمات ثم الحیلة علیه فی شراء الدار منه و یُتابع فیقول : (( .. وأشفقت أن یسوقه قائد الاضطرار إلى بیع الدار فیبیعها فی أثناء الضجر أو یجعلها عرضةً للخطر ثم أراها وقد فاتنی شراها فأتقطعُ علیها حسرات إلى یوم الممات فعمدتُ إلى أثواب لا تنضُّ تجارتها فحملتها إلیه وعرضتها علیه وساومتهُ على أن یشتریها نسیَّةً(26) والمدبرة یحسبُ النَّسیَّة عطیة والمختلف(27) یعتدها هدیة وسألته وثیقة بأصل المال ففعل وعقدها لی ثم تغافلت عن اقتضائهِ حتى كادت حاشیةُ حاله ترق فأتیتهُ فاقتضیتهُ واستمهلنی فأنظرتهُ والتمس غیرها من الثیاب فأحضرتهُ وسألته أن یجعل دارهُ رهینة لدی ووثیقةً فی یدیَّ ففعل ثم درجتهُ بالمعاملات إلى بیعها حتى حصلت لی بجدٍّ صاعدٍ(28) وبخت مساعدٍ وقوة ساعدٍ ورب ساعٍ لقاعدٍ وأنا بحمد الله مجدودٌ وفی مثل هذه الأحوال محمود وحسبك یا مولای أنی كنت منذ لیالٍ نائماً فی البیت مع من فیه إذ قُرع علینا الباب فقلت : من الطارق المنتاب ؟ فإذا امرأة معها عقد لآلٍ فی جلد ماءٍ ورقة آلٍ(29) تعرضهُ للبیع فأخذتهُ منها إخذة خلسٍ واشتریته بثمنٍ بخسٍ وسیكون له نفع ظاهر وربح وافر بعون الله تعالى وإنما حدثتك بهذا الحدیث لتعلم سعادة جدِّی فی التجارة والسعادة تنبط الماء من الحجارة الله أكبر ..لا ینبئك أصدق من نفسك ولا أقرب من أمسك اشتریت هذا الحصیر من المنادات(30) وقد أخرج من دور آل الفرات وقت المصادرات وزمن الغارات وكنت أطلب مثلهُ منذ زمن الأطولِ فلا أجد والدهر حبلى لیس یدری ما یلد ثم اتفق أنی حضرت باب الطاق وهذا یعرض فی الأسواق فوزنت فیه كذا وكذا دیناراً تأمل بالله دقته ولینه ولونه فهو عظیم القدر لا یقع مثلهُ إلا فی الندر وإن كنت سمعت بأبی عمران الحصری فهو عملهُ وله ابن یخلفهُ الآن فی حانوته لا یوجد أعلاق الحصر إلا عنده فبحیاتی(31) لا اشتریت الحصر إلا من دكانه فالمؤمن ناصح لإخوانه لاسیما من تحرَّم بخوانه(32) .. ونعود إلى حدیث المضیرة فقد حان وقت الظهیرة یا غلام الطست والماء , فقلت : الله أكبر ربما قرب الفرج وسهل المخرج .. وتقدم الغلام فقال : ترى هذا الغلام ؟ إنه رومی الأصل عراقی النشء تقدم یا غلام واحسر عن رأسك وشمر عن ساقك وانض(33) عن ذراعك وفتر عن أسنانك وأقبل وأدبر ففعل الغلام ذلك وقال التاجر : بالله من اشتراه ؟ اشتره والله أبو العباس من النخاس(34) ضع الطست وهات الإبریق .. فوضعه الغلام وأخذه التاجر وقلبهُ وأدار فیه النظر ثم نقرهُ , فقال : إلى هذا الشَّبهِ كأنه جذوة اللهب أو قطعة من الذهب(35) شبه الشام وصنعة العراق لیس من خلقان الأعلاق(36) قد عرف الملوك ودارها تأمل حسنه وسلنی متى اشتریتهُ ؟ .. )) .

كان أبو الفتح متضجراً من كلامه فكیف یسأله وهو یرید الخلاص منه ؟! ولكن هذا التاجر یفتح الأبواب ویخترع السؤال والجواب ثم یتابع فیقول : (( .. اشتریته والله عام المجاعة وادخرته لهذه الساعة یا غلام الإبریق .. فقدمه وأخذه التاجر فقلبه ثم قال : أنبوبه(37) منه لا یصلح هذا الإبریق إلا لهذا الطست ولا یصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست(38) ولا یحسن هذا الدست إلاَّ فی هذا البیت ولا یجمل هذا البیت إلا مع هذا الضیف أرسل الماء یا غلام فقد حان وقت الطعام . بالله ترى هذا الماء ما أصفاهُ أزرق كعین السنور(39) وصافٍ كقضیب البلور؟(40) .. استقی من الفرات واستعمل بعد البیات(41) فجاء كلسان الشمعة فی صفاء الدمعة ولیس الشَّانُ فی الإناء لا یدلك على نظافة أسبابه أصدق من نظافة شرابه وهذا المندیل سلنی عن قصته فهو نسیج جرجان وعمل أرجان(42) وقع إلىَّ فاشتریته ..)) .

لقد عرَّف هذا التاجر جمیع ما فی بیته لأبی الفتح مبتدأً بقصة شرائه للمنزل إلى المندیل الذی یُتخذ فی تنشیف الأیدی بعد الغسل ! حتى أصبحت هذه المضیرة بغیضة لأبی الفتح بسبب ما یعانیه من هذا التاجر الذی تبین لاحقاً أن لدیه الكثیر من الكلام فی وصف متاعه وحاجیاته وأنه لا یمل ولا یكل من هذه الرعونة فی التعامل مع الضیف ثم یُكمل فیقول : (( .. یا غلام الخوان فقد طال الزمان و القصاع فقد طال المصاع(43) والطعام فقد كثر الكلام .. فأتى الغلام بالخوان وقلبه التاجر على المكان ونقره بالبنان وعجمه بالأسنان , وقال : عَمَّرَ الله بغداد فما أجود متاعها وأظرف صُنَّاعها تأمل بالله هذا الخوان وانظر إلى عرض متنه وخفة وزنه وصلابة عوده وحسن شكله , فقلت : هذا الشكل فمتى الأكل ؟! فقال : الآن عَجِّل یا غلام الطعام .. لكن الخوان قوائمه منه , قال أبو الفتح الإسكندری : فجاشت نفسی(44) وقلت : قد بقی الخبز وآلاتهُ والخبز وصفاته والحنطة من أین أُشتریت أصلاً وكیف اكترى لها حملاً وفی أی رحى طحن وإجَّانةٍ(45) عُجن وأی تنور سُجر وخبازٍ استأجر وبقی الحطب من أین أحتُطب ومتى جُلب وكیف صُفف حتى جُفف وحُبس حتى یبس وبقی الخباز ووصفه والتلمیذ ونعتهُ والدقیق ومدحه والخمیر وشرحه والملح وملاحته وبقیت السكرجات(46) من أتخذها وكیف انتقذها ومن استعملها ومن عملها والخل وكیف انتقی عنبه أو اشتری رطبه وكیف صهرجت معصرته واستخلص لبه وكیف قیر حبه وكم یُساوی دنه(47) وبقی البقال كیف احتیل له حتى قطف وفی أی مبقلة رصف وكیف تؤنق حتى نظف وبقیت المضیرة كیف اشتری لحمها ووفی شحمها ونصبت قدرها وأُججت نارها ودقت أزارها حتى أُجید طبخها وعقد مرقها !! وهذا خطب یطم(48) وأمرٌ لا یتم فقمت , فقال : أین تریدُ ؟ فقلت : حاجةً أقضیها فقال : یا مولای ترید كنیفاً(49) یزری بربیعی الأمیر وخریفی(50) الوزیر قد جصص أعلاه وصهرج أسفله وسطح سقفه وفرشت بالمرمر أرضه یزل عن حائطه الذر فلا یعلق ویمشی على أرضه الذباب فیزلق علیه باب غیرانه(51) من خلیط ساج وعاج مزدوجین أحسن ازدواجٍ یتمنى الضیف أن یأكل فیه ؟! فقلت : كُل أنت من هذا الجراب لم یكن الكنیف فی الحساب .. وخرجت نحو الباب وأسرعتُ فی الذهاب وجعلت أعدو وهو یتبعنی ویصیح : یا أبا الفتح المضیرة .. وظن الصبیان أن المضیرة لقب لی ! فصاحوا صیاحه فرمیت أحداهم بحجر من فرط الضجر فلقی رجل الحجر بعمامته فغاص فی هامته فأخذت من النعال بما قدم وحدث ومن الصفع بما طاب وخبث وحشرت إلى الحبس فأقمتُ عامین فی ذلك النحس فنذرتُ أن لا آكل مضیرة ما عشت فهل أنا فی ذا یالهمذان ظالم ؟ قال عیسى بن هشام : فقبلنا عذره ونذرنا نذره وقلنا قدیماً جنت المضیرة على الأحرار وقدمت الأراذل على الأخیار ))(52) .

لقد كان أبو الفتح معذوراً فی موقفه من هذه المضیرة التی أخرجته إلى هذا الحد من الغضب بحیث حمل حجراً ورمى به بعض الأولاد فی الطریق الذین كانوا ینادونه بـ" مظیرة " - یظنون أنها لقب له ! – فما كان إلا أن أصابت رأس أحد المآره فكادت أن تقتله فكان عقابه السجن لمدة عامین .

--------------------
1/ المقامة فی اللغة : المجلس یجتمع فیه الناس .
2/ هو أبو الفضل أحمد بن الحسین بدیع الزمان الهمذانی مخترع المقامات أخذ اللغة عن ابن فارس اللغوی صاحب كتاب " المُجمل " فی اللغة وغیره كان بینه وبین أبی بكر الخوارزمی مشاجرات و مصادمات أدبیة تغلب علیه فذاع صیته وكبرت منزلته توفی فی سن الأربعین مسموماً على ما قیل سنة 398 هـ له ترجمة فی یتیمة الدهر للثعالبی ومعجم الأدباء لیاقوت الحموی وسیر أعلام النبلاء للذهبی .
3/ هو أبو محمد القاسم بن علی بن محمد الحریری كان أحد أئمة اللغة فی عصره عمل المقامات یتلوا فیها مقامات البدیع ففاقتها جمع فیها بلاغات العرب ولغاتهم وأمثالهم شرحها غیر واحد من العلماء وله من الكتب " درة الغواص فی أوهام الخواص " و " ملحة الإعراب " منظومة فی النحو وله شرح علیها وغیر ذلك توفى سنة 515 هـ. له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثر ووفیات الأعیان لأبن خلكان .
4/ النهایة لأبن الأثیر 1/5 .
5/ الظالع : أی الذی یغمز فی مشیته , والظالع أیضاً المائل عن الطریق القویم ، والضلیع السمین القوی والضلاعة قوة الأضلاع .
6/ هو أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادی یضرب به المثل فی الفصاحة تتلمذ على أحمد بن یحیى المعروف بـ" ثعلب " له مصنف فی " الخراج " و" صناعة الكاتب " توفی سنة 337 هـ . له ترجمة فی معجم الأدباء لیاقوت الحموی والبدایة والنهایة لأبن كثیر.
7/ مقامات أبو القاسم الحریری ص14 .
8/ أصحاب الرقیم هم أهل الكهف الذین ورد ذكرهم فی القرآن الكریم وأخذ هذا المعنى من قوله تعالى فی سورة الكهف الآیة 9 ( أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقیم كانوا من ءایاتنا عجباً) .
9/ المهجة : الدم وقیل دم القلب خاصة ، وخرجت مهجته : أی روحه .
10/ الأبزیر والأبازیر : التوابل التی تضاف إلى الطعام , وذكر الجوالیقی انه معرب .
11/ الحلیلة : الزوجة والظعینة : المرآة فی الهودج وأراد هنا المرآة .
12/ لحًّا : أی القرابة المتصلة .
13/ الأرومة : الأصل والمعنى أی أننا نشترك فی المنبت والأصل .
14/ المحلة : الحی الذی یسكنه .
15/ السطة : الوسط .
16/ الصعداء : التنفس الممدود .
17/ البركار : الفرجار آلة رسم الدوائر .
18/ الساج : نوع من الأخشاب ینبت شجره بالهند , والمأروض : الذی أكلته الأرضة والعفن : الذی أصابته الرطوبة .
19/ أی له صوت أنین عند الفتح والإغلاق .
20/ أی له طنین إذا دق علیه .
21/ المعزیة : نوع من الدراهم منسوبة إلى المعز الفاطمی .
22/ الشََّبَه : النحاس الأصفر .
23/ الدهلیز : فارسی معرب وهو ما بین الباب إلى الدار.
24/ المعراج : الدرج الموصل إلى السطح .
25/ الصامت : الذهب والفضة ونحوهما .
26/ النسیَّة : تأخیر ثمن البیع .
27/ المختلف : لعله یقصد المجنون .
28/ وجدٌّ صاعد : حظ وبخت سعید .
29/ عقد لآل : أی عقد لؤلؤ , وآل : السراب أی أن العقد یشبه الماء من صفائه ولمعانه لأن السراب كأنه ماء.
30/ المنادات : أی السوق الذی یُنادى فیه على السلع المستخدمة سابقاً , ویعرف الیوم بالحراج .
31/ الحلف بغیر الله محرم وهو من الشرك الأصغر وفی الحدیث الصحیح ( من حلف بغیر الله فقد كفر أو أشرك ) .
32/ تحرم بخوانه : أی تمنع واحتمى به بسبب الطعام الذی بینهما ، والخوان : ما یؤكل علیه وهو معرب وسیأتی شیء من التفصیل عنه ضمن المقامة .
33/ احسر : اكشف , و انض : أی أنزع الرُّدن عن ذراعك .
34/ النخاس : الذی یبیع الرقیق .
35/ أی أن نحاس الإبریق كأنه الذهب فی لمعانه وصفائه .
36/ خُلقان : جمع خلق وهو القدیم البالی , والأعلاق : جمع علق وهو النفیس ، والمعنى أنه نفیس لم یتغیر مع طول الأیام .
37/ الأنبوب : یقصد به قصبة فم الإبریق .
38/ الدست : المكان المهیأ لمقابلة الضیوف .
39/ السنور : الهر.
40/ البلور : نوع من الأحجار الكریمة .
41/ أی لم نستعمله إلا بعد أن ظل لیلته فی إناء لیبرد ویتم صفاؤه لأنه مجلوب من النهر .
42/ جرجان وأرّجان : بلاد فی خرسان - إیران - .
43/ المصاع : المُجالدة والمُظاربة , والمعنى لقد أشتد الكلام حتى أصبح شبیه بالمجالدة والمظاربة .
44/ جاشت : أی أصابها الغثیان .
45/ الإجَّانة : إناء یستعمل فی الغسیل والعجن ونحوهما .
46/ السُّكُرَّجات : جمع سُكُرَّجَة وهی الصحفة ویقصد بذلك أنه بقی ذكر أوانی منزله .
47/ دنه : الدن الجرة العظیمة .
48/ یطم : یشتد وتعظم .
49/ الكنیف : الحمَّام المعد لقضاء الحاجة .
50/ الربیعی والخریفی هی الأماكن التی تتخذ فی البراری فی زمن الربیع والخریف من أجل النزهة ، ویقصد أن حمَّامه خیر من هذه الأمكنة البریة وأجمل !!.
51/ غیرانه : أی الفواصل بین ألواحه ، والساج : قد مر تعریفه فی الفقرة 18 , والعاج : ناب الفیل ، ویقصد بذلك أنه مطعم بالعاج والساج .
52/ شرح مقامات بدیع الزمان الهمذانی لمحمد محی الدین عبد الحمید – رحمه الله - المقامة 22 المضیریة ص142 طبعة دار الكتب العلمیة . بیروت – لبنان -.
* غالب المراجع لتفسیر الكلمات أستفدته من الشارح بتصرف مع مراجعة بعض المراجع فی اللغة مثل : لسان العرب لابن منظور , والمصباح المنیر للفیومی , ومختار الصحاح للرازی , والمُعرب للجوالیقی , وتاج العروس للزبیدی , والفائق للزمخشری كما راجعة أیضاً بعض كتب التراجم .
+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 15:40  توسط حسین منصور الناصری  | 

أبو العَتاهِیَة..شاعر یقع بین المجون والزهد

 

أبو العَتاهِیَة..شاعر یقع بین المجون والزهد

   

حیط - می كمال الدین  





   إسماعیل بن القاسم بن سوید العینی، العنزی، أبو إسحاق ویعرف بأبی العتاهیة، أحد شعراء العصر العباسی، قیل عنه أنه شاعر مكثر، سریع الخاطر، فی شعره إبداع، یعد من مقدمی المولدین، من طبقة بشار وأبی نواس وأمثالهما، كان یجید القول فی الزهد والمدیح وأكثر أنواع الشعر فی عصره، قال عن نفسه "لو شئت أن أجعل كلامی كله شعراً لفعلت".

 

حیاته

ولد أبو العتاهیة عام 130هـ - 747م بعین التمر وهی إحدى القرى الواقعة قرب الأنبار غربی الكوفة وبها نشأ، وسكن بغداد، عندما ضاق الحال بوالده أنتقل بعائلته إلى الكوفة، والتی عرفت فی ذلك الوقت كملتقى للعلماء والمحدثین والعباد والزهاد، ومع الرخاء الذی عم المدینة انتشر بها عدد من الجماعات الماجنة والذین یقولون الشعر متنقلین بین مجالس اللهو، ویشتهروا بالزندقة والتهتك.

وفی وسط ذلك نشأ أبو العتاهیة فكان یختلف تارة إلى مجالس العلماء والعباد، وتارة أخرى إلى مجالس الشعراء الماجنة، ونظراً لفقره عمل مع والده فی بیع الفخار بالكوفة.

ظهرت موهبته فی نظم الشعر مبكراً واشتهر بهذا وسمع به المتأدبون من الفتیان فكانوا یتوافدون علیه لسماع شعره.

 

بین المجون والزهد

   كانت حیاة شاعرنا مضطربة فكان یخالط أهل المجون واللهو واكثر الشعراء فسوقاً، وظل كذلك لفترة من حیاته حتى أطلق علیه لقب "مخنث أهل بغداد"، وعلى الرغم من حیاة اللهو هذه إلا أنه أنصرف بعد ذلك إلى الزهد، فكثر شعره فی الزهد ووصف الموت وأحواله، والمواعظ والحكم.

یـــا مَـــن یُــسَـرُّ بِـنَـفسِهِ وَشَـبـابِهِ
أَنّى سُرِرتَ وَأَنتَ فی خُلَسِ الرَدى
أَهـــلَ الـقُـبـورِ لا تَــواصُـلَ iiبَـیـنَكُم
مَـن مـاتَ أَصـبَحَ هَبلُهُ رَثَّ iiالقُوى
یــا مَــن أَقـامَ وَقَـد مَـضى إِخـوانُهُ
مــا أَنــتَ إِلّا واحِــدٌ مِـمَّـن مَـضـى
أَنَـسیتَ أَن تُـدعى وَأَنـتَ مُـحَشرِج
مـا إِن تَـفیقُ وَلا تُـجیبُ لِـمَن iiدَعـا
أَمّــا خُـطاكَ إِلـى الـعَمى iiفَـسَریعَةٌ
وَإِلى الهُدى فَأَراكَ مُنقَبِضَ iiالخُطا

وقال أیضاً

أَمــا مِـنَ الـمَوتِ لِـحَیٍّ iiنَـجا
كُــلُّ امــرِئٍ آتٍ عَـلَیهِ iiالـفَنا
تَــبــارَكَ الــلَــهُ iiوَسُـبـحـانَـهُ
لِــكُـلِّ شَــیءٍ مُــدَّةٌ وَانـقِـضا
یُـقَـدِّرُ الإِنـسـانُ فــی نَـفـسِهِ
أَمــراً وَیَـأبـاهُ عَـلَـیهِ الـقَضا
وَیُرزَقُ الإِنسانُ مِن حَیثُ لا
یَـرجو وَأَحـیاناً یُـضِلُّ iiالـرَجا
الـیَأسُ یَحمی لِلفَتى iiعِرضَهُ
وَالـطَـمَعُ الـكـاذِبُ داءٌ iiعَـیـا
مـــا أَزیَــنَ الـحِـلمَ iiلِأَربـابِـهِ
وَغـایَـةُ الـحِـلمِ تَـمامُ iiالـتُقى

اتصاله بالخلفاء

    انتقل أبو العتاهیة إلى بغداد أثناء خلافة المهدی، وكانت مركزاً للنشاط العلمی والأدبی بالإضافة لكونها دار الخلافة، فكانت المكان المناسب للشاعر لینشر بها أشعاره، أتصل بالخلیفة المهدی الذی استدعاه للقصر ولما سمع شعره أعجب به ونال رضاه.

مما قاله فی مدح الخلیفة المهدی یوم تولیه الخلافة:

أَتَــتــهُ الـخِـلافَـةُ iiمُـنـقـادَةً
إِلَـــیــهِ تُــجَــرِّرُ iiأَذیــالَـهـا
وَلَـــم تَــكُ تَـصـلُحُ إِلّا لَــهُ
وَلَــم یَــكُ یَـصـلُحُ إِلّا iiلَـها
وَلَــو رامَـهـا أَحَــدٌ غَـیـرُهُ
لَـزُلزِلَتِ الأَرضُ iiزِلـزالَها
وَلَو لَم تُطِعهُ بَناتُ القُلوبِ
لَـمـا قَـبِـلَ الـلَـهُ أَعـمـالَها
وَإِنَّ الخَلیفَةَ مِن بَعضِ iiلا
إِلَـیـهِ لَـیُـبغِضُ مَـن iiقـالَها

وعندما جاءت فترة حكم الرشید كان أبو العتاهیة قد أعرض عن قول الشعر، فطلب منه الرشید أن یعود إلیه فأبى فحبسه فی منزل حتى عاد إلیه مرة أخرى، ولزم بعد ذلك الرشید ومن بعده الأمین ثم المأمون.

 

"عتبة"

أعجب أبو العتاهیة بجاریة لزوجة المهدی وتدعى "عتبة" وكان قد أبصرها ذات یوم راكبة مع جمع من الخدم تتصرف فی حوائج الخلافة، فتعلق بها قلبه وذكرها فی شعره، ولما علم أمیر المؤمنین هم أن یدفع بها إلیه، ولكنها قالت " یا أمیر المؤمنین مع حرمتی وخدمتی تدفعنی إلى بائع جرار متكسب بالشعر؟"، فبعث إلیه قائلاً" أما عتبة فلا سبیل لك إلیها وقد أمرنا لك بملء برنیة مالاً".

قال فی عتبة:

یـا إِخـوَتی إِنَّ الهَوى iiقاتِلی
فَـیَسِّروا الأَكـفانَ مِن عاجِلِ
وَلا تَلوموا فی أتِّباعِ الهَوى
فَـإِنَّـنـی فـــی شُـغُـلٍ شـاغِـلِ
عَـیـنی عَـلـى عُـتـبَةَ iiمُـنهَلَّةٌ
بِـدَمـعِها الـمُـنسَكِبِ iiالـسائِلِ
یـا مَـن رَأى قَبلی قَتیلاً iiبَكى
مِـن شِدَّةِ الوَجدِ عَلى iiالقاتِلِ
بَـسَطتُ كَـفّی نَـحوَكُم iiسـائِلاً
مــاذا تَـرُدّونَ عَـلى iiالـسائِلِ

وظل أبا العتاهیة متغزلاً فی عتبة ینظم فیها الكثیر من الأشعار، حتى أمر المهدی بجلده وإدخاله للسجن، إلى أن تشفع فیه خاله وأخرجه.    

وعلى الرغم من ذلك ظل حب عتبة مشتعلاً بقلبه حتى جاءت خلافة الرشید، والذی حاول بدوره التوسط من أجل زواج أبو العتاهیة من عتبة ولكن لم یفلح الأمر أیضاً، وأصاب أبو العتاهیة الیأس ومما قاله فی ذلك:

قَــطَّـعـتُ مِــنــكَ حَـبـائِـلَ الآمـــالِ
وَحَطَطتُ عَن ظَهرِ المَطِیِّ رِحالی
وَیَـئِستُ أَن أَبـقى لِـشَیءٍ نِلتُ مِم
مــا فـیـكِ یــا دُنـیا وَأَن یَـبقى iiلـی
وَوَجَـدتُ بَردَ الیَأسِ بَینَ iiجَوانِحی
وَأَرَحـتُ مِـن حَـلّی وَمِـن iiتَرحالی

"أبو العتاهیة"






یقال فی سبب تسمیة "أبو العتاهیة" بهذا اللقب أن الخلیفة المهدی قال له یوماً " أنت رجل متحذلق – أی متطرف، متعته – فغلب علیه هذا اللقب، ویقول ابن منظور " لأن المهدی قال له أراك متخلطاً متعتهاً وكان قد نعته بجاریة المهدی "عتبة" واعتقل بسببها وعرض علیها المهدی أن یزوجها له فأبت - كما سبق ان ذكرنا -، وقیل لقب بذلك لأنه كان طویلاً مضطرباً، وقیل أیضاً لأنه یرمی بالزندقة ولأنه كان محباً للمجون والتعته".

وكلمة عتاهیة لها أكثر من معنى ففی لسان العرب یقول ابن منظور: عته فی العلم: أولع به وحرص علیه، والعتاهة والعتاهیة مصدر عته مثل الرفاهة والرفاهیة، والعتاهیة: ضلال الناس من التجنن والدهش والتعته المبالغ فی الملبس والمأكل ورجل عتاهیة أی أحمق.        

 

قال عنه أبو العلاء المعری

الـلَـهُ یَـنـقُلُ مَــن شــاءَ رُتـبَةً بَـعدَ رُتـبَه
أَبدى العَتاهِیُّ نُسكاً وَتابَ مِن ذِكرِ عُتبَه

 

شعره

قدم أبو العتاهیة فی شعره الزهد والموعظة والرثاء والهجاء والمدح والوصف والحكم والأمثال والغزل، تمیز شعره بسهولة الألفاظ وقلة التكلف.

 ویقال عن سبب اتجاهه للزهد وتوقفه عن قول الغزل والهجاء والمدیح، واقتصار شعره على الزهد والحكمة، ما روی عن أبی سلمة الغنوی الذی سأل أبا العتاهیة: "ما الذی صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟". فأجابه:"إذن والله أخبرك. إنی لما قلت:

الـلَـهُ بَـیـنی وَبَـیـنَ iiمَـولاتی          أَبـدَت لِـیَ الـصَدَّ iiوَالمَلالاتِ
لا تَغفِرُ الذَنبَ إِن أَسَأتُ وَلا          تَـقـبَلُ عُــذری وَلا iiمُـؤاتاتی
مَـنَحتُها مُـهجَتی iiوَخالِصَتی          فَـكـانَ هِـجـرانُها iiمُـكـافاتی
هَـیَّـمَـنی حُـبُّـهـا وَصَـیَّـرَنـی          أُحـدوثَةً فـی جَـمیعِ جاراتی

رأیت فی المنام فی تلك اللیلة كأن آتیا أتانی فقال: "ما أصبت أحدا تدخله بینك وبین عتبة یحكم علینا بالمعصیة إلا الله تعالى؟"،  فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتی من قول الغزل".

 

زهده

تضاربت الأقوال فی زهده فكان البعض یراه زاهداً صادقاً، بینما یراه البعض الأخر راغباً فی الدنیا، وان زهده ما هو إلا مواعظ أدبیة وتأملات ذات صفة شعریة فی الحیاة والموت.

مما قاله فی الزهد:

إِلَـــهـــی لا تُــعَــذِّبـنـی فَـــإِنّـــی
مُــقِـرٌّ بِــالَّـذی قَـــد كــانَ iiمِـنّـی
وَمـــا لـــی حـیـلَـةٌ إِلّا iiرَجــائـی
وَعَفوُكَ إِن عَفَوتَ وَحُسنُ ظَنّی
فَـكَـم مِـن زِلَّـةٍ لـی فـی iiالـبَرایا
وَأَنـــتَ عَــلَـیَّ ذو فَـضـلٍ وَمَــنِّ
إِذا فَــكَّـرتُ فــی نَـدَمـی iiعَـلَـیها
عَـضَضتُ أَنامِلی وَقَرَعتُ iiسِنّی
یَـظُـنُّ الـنـاسُ بــی خَـیراً iiوَإِنّـی
لَـشَرُّ الـناسِ إِن لَـم تَـعفُ iiعَنّی

قالوا عنه

قال عنه أبو الفرج "قال الشعر فبرع به وتقدم"، وقال عنه الأصمعی " شعر أبی العتاهیة كساحة الملوك یقع فیها الجوهر والذهب، والتراب والخزف والنوى"، كما قیل عنه: "أنه أقدر الناس على وزن الكلام حتى أنه یتكلم بالشعر فی جمیع حالاته".

وقال عنه المبرد: كان أبو العتاهیة حسن الشعر قریب المآخذ لشعره دیباجة ویخرج القول منه كمخرج النفس قوة وسهولة واقتدار.

 

الوفاة

توفی أبو العتاهیة فی خلافة المأمون بعد أن بلغ الثمانین من عمره عام 211هـ - 826م، وله دیوان شعر.

+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 15:28  توسط حسین منصور الناصری  | 

كربلاء... فی الشعر العربی

 

 

 

 

 

 

 

 

كربلاء... فی الشعر العربی

 

حیدر ناصر
اكتسبت كربلاء أهمیتها التاریخیة منذ استشهاد الإمام الحسین وأهل بیته وصحبه (ع) عام 61هـ -680م عندما رفع رایة الرفض بوجه الظلم حتى سقط مضرَّجاً بدمائه بعد أن جسد أروع دروس الإباء والتضحیة من أجل إحقاق الحق وإماتة الباطل. ومنذ ذلك الیوم أصبحت كربلاء نقطة مضیئة فی تاریخ المسلمین وقبلة للثوار والأحرار ومزاراً لكل المسلمین یتوافدون علیها من مشارق الأرض ومغاربها. وكربلاء مدینة موغلة فی القدم یعود تاریخها لآلاف السنین فقد أكدت المصادر على أن كربلاء كانت تستقطب الكثیر من الأقوام على مدى التاریخ لخصوبة تربتها وعذوبة مائها فازدهرت على عهدالكلدانیین والتنوخیین واللخمیین والمناذرة وقد اختلف المؤرخون فی أصل تسمیتها فمنهم من قال بأعجمیة هذا الأسم بنسبته الى السامیة والآرامیة والبابلیة ومنهم من أرجعه الى أصول عربیة وهذا الموضوع یحتاج الى شرح مطول لسنا بصدده. أما الروایات والأحادیث فی فضل كربلاء وتربتها وفضل زیارة الإمام الحسین (ع) فهی كثیرة جداً تضیق بها الكتب الكبیرة. أما فی الشعر فقد هزت كربلاء ضمائر الشعراء وأججت مشاعرهم منذ أن شهدت أرضها أروع ملاحم الإباء وأسناها وتجسدت على ثراها أنبل المواقف الانسانیة وأسماها وخالطت تربتها أطهر الدماء وأزكاها فأستلهموا المعانی السامیة والمبادئ العظیمة التی أصبحت شعاراً لكل انسان یرفض الظلم والطغیان وینشد الحریة والكرامة. ولو أخذنا هذا الموضوع بالاحصاء لضاقت به أضخم المجلدات وأوسعها لكثرة الشعراء الذین تناولوا ملحمة كربلاء فی أشعارهم على مدى عصور التاریخ لذا سنقتصر على بعض الشعراء وتقدیم المقدار الكافی من الشعر الذی یفی بالغرض ویكوّن فكرة كاملة عن النهج الذی اختطه ا لشعراء فی الاستلهام من كربلاء التضحیة والشهادة.
فی حذونا لمنهج السبق الزمنی لذكر كربلاء فی الشعر العربی، وجدنا مصدرین تعرضا لذكر كربلاء قبل استشهاد الإمام الحسین (ع)، الأول ما رواه الطبری فی حوادث سنة 12 للهجرة فی عزوة خالد بن الولید للعراق ونزوله عند فتحة الحیرة كربلاء فقال رجل من أشجع فی ذلك:
لقد حُبست فی (كربلاء) مطیتی وفی العین حتى عاد غثّاً سمینُها.. الخ
أما المصدر الثانی فقد ذكره أبو الفرج الاصفهانی ج12 ص63 ویاقوت الحموی فی معجم البلدان فی (كربلاء) وهو قول معن بن أوس المزنی من مخضرمی الجاهلیة والإسلام من قصیدة طویلة:
إذا هی حلّت (كربلاء) فلِعلِعا فجوز العذیب دونها فالنوائحا
فبانت ناها من نواك فطاوعت مع الشانئین الشانئات الكواشحا
توهمت ربعاً بالمعبّر واضحاً أبت قرّتاه الیوم إلا تراوحا.. الخ
ومع عدم الترجیح فی تقدم الشعر الأول على الثانی فی السبق الزمنی أو بالعكس یبقى هذان القولان هما من أقدم الشعر الذی ذكرت فیه كربلاء فی الأدب العربی قبل استشهاد الإمام الحسین (ع) ثم تبدأ مرحلة جدیدة لكربلاء مع الشعر بعد أن تشرفت بالأجساد الطاهرة لأهل البیت (ع) وامتزجت تربتها بدمائهم الزكیة، رحلة الشعر المعطر بأریج الشهادة وعبق الإباء، وكان من الطبیعی أن یكون لهذا الاسم وقع فی نفوس أفراد من عائلة البیت النبوی مثل السیدة زینب (ع) والسیدة سكینة والسیدة رباب زوجة الإمام الحسین (ع) التی روی أنها – ای الرباب – قد أنشدت هذین البیتین عندما أخذت رأس الحسین وقبلته ووضعته فی حجرها؟
واحسیناً فلا نسیت حسیناً قصدته أسنة الأعداء
غادروه (بكربلاء) صریعاً لاسقى الغیث جانبی (كربلاء)
وكانت هذه السیدة الجلیلة لا تهدأ لیلاً ولانهاراً من البكاء على الحسین ولم تستظل تحت سقف حتى ماتت بعد سنة من حادثة كربلاء، وذكر أبو الفرج الاصفهانی فی الأغانی ج16 ص142 عن الرباب أنها: (خُطبت بعد استشهاد الحسین (ع) فأبت وقالت: ماكنت لأتخذ حُمواً بعد ابن رسول الله ثم قالت من أبیات:
إن الذی كان نوراً یُستضاء به (بكربلاء) قتیلاً غیر مدفونِ
***
والله لا أبتغی صهراً بصهركم حتى أغیّب بین الرمل والطینِ
وجاء فی المجالس السنیة أن بشر بن حذلم كان شاعراً وحینما وصل ركب الأسارى والسبایا الى المدینة المنورة قال له الإمام زین العابدین: أدخل المدینة وأنعَ الحسین فلما بلغ بشر مسجد النبی صاح:
یا أهل یثرب لا مقام لكم بها قتل الحسین فأدمعی مدرارُ
الجسم منه (بكربلاء) مضرّج والرأس منه على القناة یدارُ
وفی الآمالی للشیخ المفید ص324 وتذكرة الخواص 242: (أن عقبة بن عمر العبسی أو السهمی كان أول من ناح على الحسین ورثاه بقصیدة) ندرج منها الأبیات التی تتعلق بالموضوع:
مررت على قبر الحسین (بكربلا) ویسعد عینی دمعها وزفیرها
***
سلام على أهل القبور (بكربلا) وقلّ لها منی سلام یزورها
وفی كتاب (نهضة الحسین) ص152 نقلاً عن المجالس السنیة: أن ابن الهباریة الشاعر مر بعد سلیمان ابن قتة العدوی بكربلاء فجلس عند القبر وقال:
أحسین والمبعوث جدّك بالهدى قسماً یكون الحق عنه مسائلی
لو كنت شاهد (كربلا) لبذلت فی تنفیس كربك جهد بذل الباذل
وسقیت حدّ السیف من أعدائكم عللاً وحدّ السمهری الذابل
أما مهیار الدیلمی فهو عندما یرثی الحسین (ع) لا ینسى أن یضمّن مرثیته (كربلاء):
بآل علی صروف الزمان بسطن لسانی لذم الصروفِ
ولیس صدیقی غیر الحزین لیوم الحسین وغیر الأسوفِ
هو الغصن كان كمینا فهب لدى (كربلاء) بریح عصوفِ
كما لم تخلُ التائیة الخالدة لدعبل الخزاعی والتی تناقلتها جمیع كتب التاریخ وأسفار الأدب وعدتها من أبلغ القصائد رثاء وفجیعة وحزنا من ذكر (كربلاء) وكان دعبل قد أنشدها بحضور الإمام الرضا (ع) فبكى الإمام حینما أنشدها دعبل وبكت النسوة والاطفار ومازالت هذه القصیدة تتلى الى الیوم عبر المنابر، یقول دعبل فی قصیدته:
نفوس لدى النهرین من أرض (كربلا) معرّسهم فیها بشط فراتِ
فذكر كربلاء كان یهیج أحزان الأئمة ویستدر دموعهم عندما یستذكرون قتل الحسین (ع)، وفی (اقناع اللائم) ص156 وبحار الأنوار ج45 ص286: (أن جعفر بن عفان وهو من أصحاب الإمام الصادق (ع) وكان شاعراً فقال یرثی الحسین (ع) نقتطف من أبیاته:
أذاقته حرّ القتل أمة جدّه هفت نعلها فی (كربلاء) وزلّتِ
وذكر الشیخ محمد رضا كاشف الغطاء فی كتابه (الأنوار الحسینیة) أن الشریف الرضی زار كربلاء سنة 386 للهجرة وشاهد قوماً یبكون ویتضرعون عند قبر الحسین فهرول إلیهم وأخذ یرثی الحسین (ع):
(كربلا) لازلت كرباً وبلا مالقى عندك آل المصطفى
كم على تربك لما صرّعوا من دم سال ومن دمع جرى
ویقول أبو تمام حبیب بن أوس الطائی:
والهاشمیون استقلّت غیرهم من (كربلاء) بأعظم الأوتار
أما سبط ابن التعاویذی فیقول:
سأهدی للأئمة من سلامی وغرّ مدائحی أزكى هدیّ
لطیبة والبقیع و (كربلاء) وسامرا وفید والغریّ
كما یقول الصاحب بن عباد:
یا (كربلاء) تحدّثی ببلائنا وبكربنا أن الحدیث یعادُ
ویقول أیضاً:
أنا من شیعة الرضا سید الناس حیدرة
یا تباریح (كربلا) إن نفسی محیّرة
للذی نال سادتی من رزایا مشمّرة
ویقول أیضاً من قصیدة أخرى:
لهیب بقلبی حین أذكر (كربلا) فیهلكنی بعد النحیب نحیبُ
ولكربلاء حیز فی شعر الملك الصالح طلائع بن رزیك نختار منه هذه الأبیات:
أبكیهم بدموع لو بها شربوا فی (كربلاء) كفتهم سورة الغللِ
ومن قصیدة أخرى یقول:
هذا الحسین بـ(كربلاء) ثوى ولیس له نصیر
فغدا بفتیته الكرام الى مصارعهم یسیر
ویقول أیضاً:
فی (كربلاء) ثوى ابن بنت رسول رب العالمینا
قف بالضریح وناده یاغایة المتوسلینا
وعندما أمر بصنع كسوة للحرمین الشریفین العلوی والحسینی وتحرى فیها أن تكون الستور فی غایة الإبداع مع تطریز آیات قرآنیة حولها أرسلها مع قصیدة نختار منها:
إذا عنّ لی تذكار سكان (كربلا) فما لفؤادی فی الضلوعِ سكونُ
ومنها أیضاً:
ألا كل رزء بعد یومٍ بـ(كربلا) وبعد مصاب ابن النبی یهون
ویقول كثیر عزة:
فسبطٌ سبط إیمانٍ وبرٍّ وسبطٌ غیّبته (كربلاء)
ویقول مهیار الدیلمی:
فیوم السقیفة یابن النبی طرّق یومك فی (كربلا)
ویصور دیك الجن موقف الحسین (ع) وحیداً فی (كربلاء) فیقول:
ونظرت سبط محمد فی (كربلا) فرداً یعانی حزنه المكظوما
وله من قصیدة أخرى:
یاعین فی (كربلا) مقابر قد تركن قلبی مقابر الكربِ
كما كان (لكربلاء) مكانة فی الشعر الأندلسی فقد أورد ابن الخطیب قصیدة لأبی بحر صفوان بن إدریس التجیبی المتوفى سنة 598 للهجرة وذكر أن هذه القصیدة كانت مشهورة ومنها:
على (كربلا) لا أخلف الغیث (كربلا) وإلا فإن الدمع أندى وأكرمُ
ومنها أیضاً:
وهم قطعوا رأس الحسین (بكربلا) كأنهمُ قد أحسنوا حین أجرموا
ولأبی البقاء الرندی الشاعر الأندلسی المتوفى سنة 684 للهجرة قصیدة طویلة فی رثاء الحسین (ع) یقول فیها:
أبیت فلا یساعدنی عزاءُ إذا ذكر الحسین و (كربلاء)
ومن شعراء الأندلس الذین رثوا الحسین (ع) وسجلوا فی أشعارهم (كربلاء) ابن هانئ الذی یقول:
وكأن به لم یبق وتراً ضائعاً فی (كربلاء) ولا دما مطلولاً
ومن هؤلاء الشعراء ابن ابی الخصال المتوفى سنة 540 للهجرة یقول فی أحدى مراثیه الحسینیة:
وابكِ الحسین ومن وافى منیته فی (كربلاء) مضوا مثنىً ووحدانا
ویقول فی قصیدة أخرى:
إن فی (كربلاء) كرباً مقیماً فَتَنَ المؤمنین والمؤمناتِ
ویقول فی حسینیة أخرى:
ولو حدَّثت عن (كربلاء) لأبصرت حسیناً فتاها وهو شلِوٌ مقدَّدُ
وتستمر كربلاء تلهب وجدان الشعراء فی كل العصور وفی كل زمان ومكان فلم تكن یوماً خاضعة لمرحلة معینة أو لبقعة محددة من الأرض فهی تمتد من الأزل الى الأزل تتغلغل الى النفوس تهز الأعماق البشریة فراح الشعراء یستمدون منها إلهامهم وینهلون من معینها الذی لا ینضب فاستحضرها الشعراء المعاصرون كما استحضرها القدماء یقول السید حیدر الحلی:
فحشى ابن فاطمةٍ بعرصة (كربلا) بردت غلیلاً وهو كان رواءها
ویقول أیضاً:
سل بهم أما تسل (كربلا) إذ واجهوا فیها البلا المكربا
ویقول أیضاً:
ولا كدم فی (كربلا) طاح منكم فذاك لأجفان الحمیة أسهرا
ویقول عبد الباقی العمری:
حتى جرى (بكربلاء) ماجرى وسال حتى بلغ السیل الزبى
ویقول أیضاً:
قضى نحبه فی (كربلاء) ابن حاشر ولن ینقضی نحبی علیه الى الحشر
ویقول وقد شاهد هلال شهر محرم:
شهر به شهر البلاء (بكربلا) عضْباً تأنّق قینه بصقاله
وضمّن كربلاء تضمیناً رائعاً فی هذان البیتان:
أبدت سما وجوده أهلةً وأنجماً من وقع سمرٍ وظُبا
ورأسه الشریف شمسها التی تخیّرت من (كربلاء) مغربا
وله أیضاً هذین البیتین:
وناحت بوادی (كربلاء) وعدّدت علیهم وفی نادی الغریین غرّدت
وأجریت دمعاً لا یزال مسلسلا على مادخى آل النبی (بكربلا)
أما عبد الغفار الأخرس فیقول:
وكرّ البلا فی (كربلاء) فأصبحت مواقف للبلوى ووقفاً على الضرِّ
وللشیخ فلیح الحسون المتوفى سنة 1296 للهجرة من قصیدة له:
زهت (كربلا) لما حللتُ بأرضها فكل بلاد لست من أهلها قفرُ
وضمن الشیخ كاظم الأزری (كربلاء) فی أربعة أبیات من قصائد شتى هی:
لله من فی مغانی (كربلاء9 ثوى وعنده علم مایأتی من القدرِ
***
سل (كربلا) كم حوت منهم هلال دجىً كأنها فلك للأنجم الزهرِ
***
وصفقة الدین لم تنفق بضاعته فی (كربلاء) ولم یربح سوى الضررِ
***
یهنیك یا (كربلا) وشیٌ ظفرت به من صنعة الیُمن لا من صنعة الیمنِ
أما الشیخ محسن أبو الحب فیقول:
ما كنت إلا واحداً فی (كربلا) أضحى لا عین أهلها إنسانا
ویقول الشیخ الإمام محمد الحسین كاشف الغطاء:
ضربوا بعرصة (كربلا) خیامهم فأطل كرب فوقها وبلاء
لله أی رزیة فی (كربلا) عظمت فهانت دونها الأرزاء
***
یا هل ترى مضراً درت ماذا لقت فی (كربلاء) أبناؤها وبناتها
***
الى أن دبت تسری بسم نفاقهم الى (كربلا) رقش الأفاعی النوافث
ویقول الشیخ محمد علی كمونة:
فوا حزنی إذ لم أكن یوم (كربلا) قتیلاً ولم أبلغ هناك مآربی
***
لله طائفة بعرصة (كربلا) بفنائها طاف البقا بصفائها
عن (كربلا) وبلائها سل (كربلا) سل (كربلا) عن كربها وبلائها
***
بكر الغمام فجاء عرصة (كربلا) أرضاً بها نور الهدایة یغرب
أما السید موسى الطالقانی فله فی كربلاء هذان البیتان:
یا نازلین (بكربلا) كم مهجة فیكم بفادحة الخطوب تصابُ
***
لستُ أنساه طریحاً فی محانی (كربلا) فی الثرى یبقى ثلاثاً عاریاً منجدلا
ومثلهما للحاج هاشم الكعبی المتوفى سنة 1231 للهجرة حیث یقول:
لم یلف سبط محمد فی (كربلا) یوماً بها جرة الظهیرة عاری
***
إن تكن (كربلا) فحیوا رباها وأطمئنوا بنا نشم ثراها
وللشاعر المصری مرسی شاكر طنطاوی هذا البیت:
فی (كربلاء) مآتم لا تنتهی حتى یداهمنا الحمام صؤولا
وهذا البیت للشیخ إبراهیم الكفعمی:
فأنی به جار الشهید (بكربلا) سلیل رسول الله خیر مجیر
وتغلغلت (كربلاء) الى قلب الشاعر المسیحی بولس سلامة الذی كتب ملحمته الخالدة (كربلاء) وملحمته (عید الغدیر) والمؤلفة من ثلاثة آلاف بیت فكانت دموعه تنساب مع كلماته وحین سئل عن سر بكائه أجاب: (إن ملحمة كربلاء هی ملحمتی الذاتیة كفرد إنسانی) یقول بولس سلامة:
یا ضیاء الغروب فی (كربلاء) دونك الشمس فی الغروب ضیاء
ونختم هذه الباقات من روائع الشعر العربی عن كربلاء بأبیات للعلامة الشیخ عبدالله العلایلی من قصیدته المطولة والرائعة فی ذكرى الحسین و (كربلاء) حیث یقول:
فیا (كربلا) كهف الإباء مجسّماً ویا (كربلا) كهف البطولة والعلا
ویا (كربلا) قد حزتِ نفساً نبیلة وصُیِّرتِ بعد الیوم رمزاً الى السما
ویا (كربلا) قد صرتِ قبلة كل ذی نفس تصاغر دون مبدئها الدُنا
ویا (كربلا) قد حزتِ مجداً مؤثلاً وحزتِ فخاراً ینقضی دونه المدى
+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 13:4  توسط حسین منصور الناصری  | 

رؤیة الموت فی الشعر العربی

رؤیة الموت فی الشعر العربی

 

 

إن مشكل الموت قدیم قدم الحضارات والدیانات والشعوب. ولقد كان حاضرا بثقله كانشغال جوهری وجماعی ؛ فالدیانات القدیمة استطاعت أن تحمل للإنسان رسالة هی إمكانیة انتصار الحیاة على الموت، فالصراع ضد الموت كان الموضوع الجوهری والمأساة الجوهریة صراع مهول یحقق فیه الموت الانتصار على قوى الحیاة أولا، لكن هذا الانتصارینقلب لیصبح انتصارا على الموت ( موت أو زیریس، موت بیرسفون، موت أورفیوس، موتعیسى). ورغم ما یلقاه إله الخلاص فی الدیانات القدیمة من تعذیب ومشقة وألم وتقتیلفإنه یولد ثانیة. یولد لیثبت إمكانیة الانتصار على الموت الأشد هولا والأكثر فتكا. فمن خلال الطقوس التی تمثل المأساة الإلهیة فی القدیم وتحیاها، یمكن للإنسان التعرفعلى فكرة الخلود. فالموت كان محور اهتمام العدید من الخطابات الفلسفیة والفنیة، وهواهتمام قدیم قدم ملحمة جلجامش، الذی اكتشف حتمیة الموت من خلال موت انكیدو واكتشافحتمیة الموت فعل أساسی وجوهری، لأنه یمكن الذات من خلال القلق، والرهبة من الموتوتأمله، من اكتشاف مجاهلها. فعل یمتلك قوة الإضاءة ؛ فكأنما تكون الذات غارقة فیعماها، وعندما تكتشف موتها. تنفتح فی أعماقها طاقات وإمكانیات عدة لمعرفة الوجود،ومعرفة ذاتها وتجاوزها.
كان الشاعر الجاهلی یمتلك هذا الحس التراجیدی بالموت كنهایة لحیاةالكائن. وهو إحساس حاد لا یجد له عزاء فی حیاة ثانیة بعد الموت، أو الإحتماء بفكرة الخلود. فهو بتحققه من أن الموت فناء شامل أكمل اكتشافه للموت. ومعه ترسخ فی روحه هذا الإحساس الفجائعی بهشاشة الحیاة التی مصیرها الزوال والفناء.
یجسد وقوف الشاعر الجاهلی على الطلل هذه المشكلة الوجودیة. فالوقوف على الطلل ماهو إلا وقوف على الزمن المنصرم المتلاشی. فكل مایتجسد أمام العین لیسإلا بقایا دیار عفا رسمها. وأصبحت خلوا من الحیاة وضجیج القوم. فلا یمتلك الشاعرأمام الأطلال سوى البكاء على حیاة انصرمت وانقضت. لذلك فشعره هو شعر الفجیعةوالإحساس الصارخ بالموت والغیاب.
یقول الشاعر طرفة بن العبد :
أرى الموت یـعتام الكرام ویـصطفى
عقیـلـة مــال الفاحـش المتشــدد
أرى العیش كنــزا ناقصا كل لیلــة
وما تنقص الأیــام والـدهـر ینفـذ
هـذا الـوعی الحـاد بـزاول الحیـاة وعـرضیتها ولـد لـدى الشـاعرالجـاهلی إحساسـا بضـرورة الانتصـار على المـوت وعلى عـذابه بالفـروسیة والبطـولةونشدان اللـذة الحسیة التی یطلبهـا فی الخمـر والنسـاء. فما من سبیل لتحقیق الذات والتغلب على طابعها الفانی سوى مواجهة الموت فی ساحة القتال. هذه المواجهة إثبات لفروسیة وإقدام،الذات، استحقاق سعید لحیاة متعالیة قوامها الشجاعة والبطولةوالإقدام الجسور غیر الهیاب لوجه الموت. ب " بالفروسیة یرفع الشاعر الجاهلی العالمإلى مستوى الكل أو لا شیء، الإنتصار أو المـوت، بالحب یرفعـه إلى مستـوى الفـرحالكیانـی الكلـی الاسمـى" بالنشـوة یتغلب الشاعـر الجاهـلی على الموت، نشوةالانتصار على العدو فی ساحة الحرب، نشوة الحب، نشوة امتلاك المرأة الجمیلة الممتنعةالعزیزة فی قومها، ونشوة الخمر. لیست النشوة سوى تغلب على محدودیة الذات والزمانوالمكان ؛ والسباحة فی زمن ذاتی مشحون بالعواطف الحادة المشتعلة الجیاشة، الممتلكةالقوة والقدرة على القفز على الزمن الریاضی.
ارتبط الحب عند الشعراء العذریین بالموت. فالعذاب والألم الذی یلاقیهالمحب فی غیاب محبوبه نوع من الانمحاء والموت. فالعاشق یعیش حالة غیاب وموت، لایشارك فی حیاة الناس، یفقد اهتماماتهم الیومیة ؛ بل یغیب عن نفسه لیحیا بالمحبوب. إن الحب یجعله هملا ینفیه عن الحیاة العامة، ویجعله یحیا حیاة التیه والتشرد. منقادلرغبته الحارقة فی رؤیة المحبوب والاتحاد به. فالعاشق یعیش موتا دائما لا یكاد یفیقممّابه إلا لیغرق من جدید فی غیاب واستغراقه فی المحبوب.
یقول جمیل بن معمر :
"ویكون یـوم لا أرى لك مرسـلا أو نلتقــی فیــه علــیَّ كـأشهــر
یــالیثـنـی ألـقـى الـمنیــة بغتـةإن كــان یــوم لقـائكـم لمیقــدر
أو أستـطیع تـجلـدا عـن ذكركـم فیفیق بعض صبـابتـی وتفكــری
یرتبط الحب بالموت والتلف. فما یلقاه الشاعر من حبیبته من عذاب یجعلهدائم الإشراف على الموت. فالموت قریب إلى نفس الشاعر، بل هو یدرك أن مابه من كمدولوعة، وولع، وحزن، هم سبب ذهاب عقله وهلاكه.
یقول جمیل :
لها فی ســواد القلب بالحب میعـة هی الموت أو كادت على الموت تشرفو
مـا ذكـرتـْكِ النفس یـا بثـن مــرةمـن الـدهـر إلا كـادت النـفستتـلـفو
فالحب مرتبط بالغیاب والانمحاء الوجودی. فالمحب غائب عن نفسه وماحوله. یحیا فقط بذكر وحب محبوبه. ینمحی هو لیفنى ویتحد بمن یحب، " فالعاشق لكی یحضرفیها (المحبوبة) یجب أن یغیب عن نفسه - صفاته. یجب أن یزیل صفاته، لكی یثبت ذاتحبیبته، وینوجد بهذه الذات. سیظل محجوبا عنها، إذا بقیت صفاته وهو، إذن، سیظل ضدنفسه، ما بقیت صفاته. حین تزول صفاته، حین یموت یحیا ".
یقول قیس بن الملوح :
أمـوت إذا شطّـت وأحیـا إذا دنت وتبعث أحزانی الصبا ونسیمها
فمن أجل لیلى تولع العین بالبكاوتأوی إلى نفس كثـیر همـومهـا
كـأن الحشـا من تحتـه عـلقت بـهید ذات أظفار فأدمت كلومهــا
فالحب یرتبط بالهلاك والجنون، سكراته تتلف العقل. ف " لا عقل للمحب،بل إن الحب الذی یدبره العقل، لا خیر فیه. فالحب لا یجتمع مع العقل فی محل واحد. ولهذا لا بد من أن یكون حكم الحب مناقضا لحكم العقل "یقول قیس بن الملوح :
قالت جننت على أیش فقلت لها الحـب أعظـم مما بالمجـانـین
الحب لیس یفیق الدهـر صاحبـه وإنما یصرع المجنون فی الحـین.
یجسد الموت عند الشعراء العذریین تلك الرغبة الدائمة الاحتراقللالتحام بالمحبوب. وهو الوجه الصعب لعذاب العاشق ومعاناته. یقترن الحب بالغیاب. فالعاشق میت، لأنه یعیش حالة غیاب دائم عن نفسه وعمن حوله. منصرف عن الواقع والحیاةالإجتماعیة. هائم، مستغرق فی الحب الذی فیه هلاكه. وما جنون العاشق سوى نوع منالموت. لأنه نزوح وابتعاد بالأنا عن كل ما یجعلها تكون حیة، وفاعلة، ومساهمة فیحیاة الواقع والمجتمع. إنه تیه، وهلاك، وتوحش، ووحشة وغربة شاسعة یعانیها العاشق فیغیاب المعشوق، فمصیرالعاشق الموت والهلاك واصطلاء نیران الغیاب.
یقول قیس بن الملوح :
وجــدت الحـب نـیران تلــظىقلوبُ العاشقین لها وقــود
فلو كانت إذا احترقت تفانـت ولكن كلما احترقت تعــود
كأهل النار إذا انضجت جلـودٌأعیدت للشقاء لهم جلــود.
انطلق صوت أبی العلاء المعری فی سماء الشعر العربی صادحا، یشدو غایةعجیبة لطالما أرهب الناس ملقاها ومطلبها. فابتعدوا ما شاء لهم جهلهم عن التفكیرفیها. كان صوتا مجلجلا بنبرته الفجائعیة، ورؤیته السوداویة. لم یر فی زمانه وأخلاقأهل زمانه سوى القبح والسوء، وكانت الحیاة فی نظره بلیة وتعبا أصیب بهما، وأضطر إلىتحمل ثقلهما. فالموت فی نظره هو الوصل، وما الحیاة سوى دار تقلب ونتن، أسماها أمدفر والدفر هو النتن، عشق الموت، وكان قریبا إلیه، دائم التفكیر فیه، مما مكنه منحق الرؤیة وهو البصیر، الأعمى إن الحیاة موطن للشقاء والمعاناة، ولا تكاد تخلوقصیدة من قصائد " اللزومیات " من ذكر الموت، وذم الحیاة وناسهـا، یقـول :
جسد یعذب فی الحیـاة، حسبتــه
مستشـعرا حسـد العظــام الهمـــد
إن السیـوف تــراح فی إغمـادهــا
وتـظــل فی تــعب، إذا لم تُغمــد
مـن لی بجسم لا یحــس رزیــــة
لكــن یُعـدُّ كـتربـة، أو جلمـــــد
روح إذا اتصلت بشخـص لم یـزل هوَ
وهْی، فی مـرض العنـاء المكمـد
إن كنت من ریح، فیاریح اسكنی،
أو كنت من لهـب، فیا لهب اخمـد
إن الحیاة فی نظر أبی العلاء دار شقاء وعذاب. وما الموت سوى راحةللجسد من تعب دائم. هو الحریة التی تمكنه من التخفف من أثقال الحیاة وعنائها. حیاةتساوی فیها الظافرون بـالسعـادة مـع الأشقیــاء ؛ لأن طبعهـا الغـدر والتقـلب لـذلكلا یحـق لنـا البكـاء علیها عنـد فقدانها، یقول :
أهـــلا بغائلــة الــردى وإیابهـــاكی تُستِّــرنی بفضــلثیــابهـــا
دنیــاك دار، إن یكــن شهادهـــاعقــلاء، لایبكـــوا على غیابهــا
قد أظهرن نوَبا تزید على الحصى عددا، وكم فی ضبنهــا وعیابهــا
تـفـریهــم بسیوفهـــا، وتكُبُّلهـــم بـرماحهــا، وتنالهــمبصیابهــا
ما الظافـرون بعزهــا ویســارهـــاإلا قــریبـو الحــال منخُـیّابهـا
أنیـابُ جامعــة السِّمــام فمُ الـتی أطغتْ، فخِلتُ الراح فیأنیابهــا
فالإنسان یحیا فقط لیتألم، ویتجرع المر فی هذه الحیاة، قبره هو مثوىالراحة السكینة.
الأمثلة كثیرة فی شعر أبی العلاء عن عزوفه عن الحیاة، والرغبةوالتشوق للموت، حنین أضاء عماه للموت، أنار بصیرته، فرأى إلى حقیقة زمانه وناسه. نظر إلى جوهر الحیاة الفانی المتقلب فكان الموت بغیته، لأن الحیاة فی نظره هی فیصمیمها موت یتخلص منه الإنسان بمواراة جسده التراب.
1 - حلـــم الــوحــدة
لن یكون حلم الوحدة عند الرومانسیین سوى تجسید لتلك الرغبة الدائمةالاشتعال لتجاوز الذات والانشداد لتحقیق حلم الوحدة مع الكون والله والمحبوب. هوحلم مرتبط بحركیة الرغبة الدائمة الاحتراق والتجدد. مرتبط بذلك العطش لتحقیق المطلقومعانقة الكونی والانصهار فی بوتقة الكل. حلم الوحدة هو حلم الحیاة المتعشقة للموتالذی به تتحقق حیاتها." فسلبیة الموت هی وحدها تعطی حیاة للحیاة ". حلم الوحدة لیسهنا سوى ذلك الزواج بین الحیاة والموت. الحیاة فی طموحها لتحقیق الكمال والمطلقتؤاخی الموت.
1.1 الجنــون الــدوری
یبدو من الصعوبة بمكان الحدیث عن خط سیر الأنا الرومانسیة وعنالكیفیة التی تم بها اكتشاف هاته الأنا، والأسباب المؤدیة إلى هذا الإكتشاف،وتبلورها ونموها وتبلور الإحساس بها، وبقوة ثقلها وأهمیتها، هی المسؤولة عن الوعیبالعالم وبتعدده وشساعته والضرورة لاكتشافه، لتأمله، وحبه، والالتحام به.
یقوم الوعی بالأنا الرومانسیة على التأمل المیتافیزیقی والإحتكاكالحمیمی بالطبیعة. نفر الرومانسیون من مجتمع زمانهم، مجمتع المجاملات والكذب،والنفاق، فاحتموا بالعزلة، فكانت الطبیعة هی الملاذ الذی یحمیهم من ضجیج وزیف الناسوالمدنیة. إن العزلة والهروب إلى الغاب، أتاحا للرومانسی فی لحظات الهدوء والسكینةالانصات العمیق لأصوات ذاته البعیدة التی لم تكن تفعل المدینة والناس سوى طمسهاودفنها بعیدا حتى لا یطالها الفرد فی زحمة وضجیج القطیع المتكتل. بین أحضان العزلةتعاطی الرومانسی للتأمل الفردی للطبیعة، فأدرك هذا النداء المزدوج للحساسیة والروحالنقدیة. وجد نفسه وجها لوجه مع ذاته، فانفجر الاكتشاف الأول والحاسم لأناه. یتحدثالشاعر الألمانی جان بول JEAN PAUL عن هذا الاكتشاف :
" فی إحدى الصباحات، وأنا مازلت طفلا، كنت أقعد على عتبة، أنظر یساراإلى المحطبة، عندما حطت من السماء كالبرق هذه الفكرة، أنا أناً، التی لم تفارقنیمنذ لحظاتها، أنای نظرت إلى نفسها، للمرة الأولى وإلى الأبد " .
یصعب تحدید ما هیة الأنا الرومانسیة، ولقد عانی الرومانسی كثیرا وهوفی مواجهة أناه قصد فهمها وإدراك ماهیتها وحدودها، وذلك راجع إلى ذلك التداخل بینهاوبین العالم الخارجی، وإلى قلقها وسرعة تحولها وتبذلها متأثرة بعوامل خفیة ومدركةتعمل على تولید الأفعال اللامتوقعة والمتضادة.
إن التعقد والقوة الطافحة والفیاضة من سمات هاته الأنا التی تتمیزبالتعدد والتحول. فحساسیة الرومانسی كبیرة حیال الأشیاء، تجعل الأنا منفتحة علیهاوفی تفاعل وتداخل كبیرین مع العالم، مما یجعلها تتبدل وتغیر أشكالها وفق تأثروإحساس الروح بأشیاء العالم. إنه نوع من الضعف یحس به الرومانسی حیال العالموأشیائه. ویمكن اعتبار الرومانسی رجل الإحساس، ینقاد له. كثیرا ما تبدل الأشیاءحالاته الداخلیة. فالشیء لا یمس فقط حواسه بل یبسط سلطانه علیه ویسحره، یقول جانجاك روسو :
" منقادا لحواسی، مهما أفعل فإننی لا أستطیع أن أقاوم انطباعاتی،وكلما أثر الشیء علیها، فإننی أجد قلبی مصابا بعدواها، لكن هذه الانفعالات العابرةلا تستمر إلا بمقدار وجود الإحساس الذی یسببها "
ویقول فی مكان آخر :
" أترك لدمی أن یشتعل أمام كل إصابة، وللغضب والسخط أن یستولیا علىحواسی، أترك للطبیعة هذا الانفجار الأول الذی لا تستطیع قوای أن توقفه أوتقطعه(…) العیون مشتعلة، نار الوجه، ارتعاش الاعضاء، الاختلاجات الخانقة، كل هذایعود إلى ما هو مادی فقط، ولا یفید الاستدلال علیه، ولكن عندما نترك للطبیعیالانفجار الأول، هذا فیمكننا أن نصبح سیدی أنفسنا باستعادة حواسنا تدریجیا، هذا ماحاولت فعله مند مدة وفشلت، ولكننی نجحت فی الأخیر "
یظهر هنا بجلاء عجز الأنا عن المقاومة أمام جمال العالم الخارجی ( الطبیعة مثلا…).
فأمام الغبطة القویة التی یبعثها فیها منظر جمیل، نجدها تتخلى عنإنیتها فی انفجار ناری یوحدها بالخارج ویجعلها تذوب وتنصهر فیه. فهو لا یعرف أن یرىإلا عندما یكون مندهشا ومنبهرا . أمام تجربة (الإنفجار الأول ) تدرك الذات أنها لنتعود من هذدا الإكتشاف كما كانت من قبل. لأن ما حصل بأعماقها مسها وغیر فیهاالكثیر. جنون دوری یصیبها، وحین تصل إلى التحكـم فیه، تـدرك الـغنى والخـصوبةاللانهـائیـة للعالم فی أعماقهـا. هو المـد والجزر إحدى سمات الذات الرومانسیة مدُّتكتشف فیه تجربة الانصهاری فی العال.م وتحقق فیه حلم توحدها به ؛ وجزر تعود فیه إلىقوقعتها وقد وسمتها التجربة السابقة بإمضائها باكتشافها تجربة تحولها إلى آخر. هذاالآخر الذی لیس سوى الأنا فی حركتها من الداخل نحو الخارج، ومن الخارج نحو الداخل. الأنا فی جنونها الدوری.
تأتی صعوبة تعریف الأنا من كوننا لا نستطیع التخلی عن ذواتنا من أجلرؤیتها. فالعین تعجز عن رؤیة نفسها، وأن تكون فی نفس الأن ذات وموضوع الرؤیة. وهیلا تستطیع أن تقصی العالم من رؤیتها لتراه ولترى نفسها فیه، الذات والموضوعمرتبطان، نحن نرى العالم من خلال إحساساتنا الداخلیة، نقوم بتذویته مثل ما یقوم هوبموضعتنا.
إن قدر الأنا الرومانسیة هو التحرر من إنیتها، لأن هناك إحساسهابالعالم، الذی یخونها لیجعلها منفتحة على المحیط الكونی الذی یحتویها. "بالعینالباطنیة ترى الذات إلى غیرها، وبها تتهجى أبجدیتها. ولذلك فإن الوعی الرومانسییفید من روحانیة الشرق عامة عندما یرى إلى الكون متمثلا فی وحدة الوجود، وإلى الذاتكملتقى وتناغم لعوالم متنافرة فی خارجها، فیكون الحضور كلیا، وفی الذات وفی العالمدفعة واحدة، ولحظة انبثاق الشعور بهذه الوحدة بین المركز والمحیط، أو لحظة النشوة،هو ما تعانیه الذات الرومانسیة من قلق حیوی فی تجربة انتظارهـا. "
یأتی التحول والتعدد والتعقید، الذی یسم الأنا، من تجربة الانفتاحعلى الكون، ومن طبیعتها الحساسة التی تجعلها فی انصهار مع المحیط ا لكونی. هاتهالتجربة التی تخصبها وتجعل من الصعب القبض علیها، أو تأطیرها فی قالب. هذا ما نقرأهفی اعترافات جان جاك روسو، ف " الطبیعة قد كسرت القالب ".
تكمن خصوبة الذات الرومانسیة فی كون الرومانسیین وعوا أن ذواتهم مرآةتعكس العالم فی داخلها. فالإنسان هذا الكائن الأرضی المحدود یحمل فی أعماقه الكونبتعدد عوالمه وشساعتها وغناها ؛ یكفی الذات أن تعی هذا الغنى الداخلی لتدرك خصوبتهااللانهائیة. عن طریق التأمل الذی هو المحفة التی تحمل الرومانسی إلى ما وراء عالمالمظاهر حیث یكتشف أن الكون فی أعماقه یقیم، یكفی أن یتعرف المرء على أعماقه. یقولمیخائیل نعیمة فی " زاد المعاد " :
" فالوهم الذی تتفرع منه كل أوهام الإنسان هو اعتقاده أن له ذاتامنفصلة عن كل ذات، وحیاة مستقلة عن كل حیاة، ولو سأل الإنسان نفسه یوما : " من أنا " لما تمكن من إقامة حد بینه وبین شیء
"أو لستم ترون أنكم إذا ما شربتم قطرة من الماء فكأنكم شربتم البحاركلها ؟
لأن لكل قطرة فی كل بحر صلة بالقطرة التی تشربون.
وإذا ما أكلتم تمرة فكأنكم أدخلتم إلى جوفكم الحیاة بأسرها، لأن كلما فی الحیاة قد تعاون فی تكوین تلك الثمرة.
وإذا ما أبصرتم مذنبا هائما فی الهواء فكأنكم أبصرتم كل ما فیالفضاء، لأن الفضاء هو كف الله القابضة على كل شیء وأقصى ما فیها ملتصق بأدنى مافیها (…) وهكذا فكیفما تقلبتم تنـاولتم من الحیاة مـا یستحیل علیكم فصـله عـنسـواه وعنكـم، ووجـدتم أنكـم فی كـل شیء، وأن كـل شیء فیكم، وأنكم لا یحصركم مكانولا یحدكم زمان، فإذا كنتم، وأنتم مقیثدون بحواسكم، یتعذر علیكم أن تقیموا فاصلابین محسوس ومحسوس، فكیف بكم لوا انطلقتم من عالم الحس إلى عالم الروح ؟
فی ذلك العالم - عالم الروح - یستحیل علی وعلیكم أن نقیم حدوداوفواصل إذ لیس هنالك شیء له شكل أو وزن أو قیاس، ولیس هناك " أنا وأنتم " بل هنالككلیة شاملة لا تتجزأ ولا تتقسم… "
عن طریق المعرفة القلبیة تلتغی الحدود التی تفصل الذات عن العالمویضحى كل انفصال بین الأنا والكون ضربا من الجهل أو الوهم الذی یعیق تجربة التوحدوالفناء، فالكون كما یشیر نص " میخائیل نعیمة" یقیم فی أعماق الإنسان لكن محدودیةرؤیة الإنسان وتحكم عقله فی تفسیر شتى الظواهر هو الحاجز.
لتتحقق تجربة التوحد والفناء یجب إماتة الأنا التی هی العائق أمامالرومانسی لخوض تجربة الانصهار والتوحد. الأنا وما تحمله من أثقال تتجلى فیالقوانین والنوامیس والمواضعات والقیم، كلها تكبل الذات وتجعلها إلى الأبد لصیقةالحدود الأرضیة الفقیرة.
هو الموت والفناء شهوة مجیدة تتلبس الأنا فی حنینها السعید للمطلقوتحقیق الوحدة والكون، فكل انشداد للأعلى یشكل فی عمقه تجربة موت تعمل فیها الأناعلى محو ونسیان بل إماتة كل العلائق والعوائق الأرضیة التی تشدها إلى تحت، وتمنعهامن التحلیق نحو حلمها المبتغى.
لن یكون الموت سوى الوجه الآخر للأنا وقد أفنت فیها الأوهام الأرضیة،محققة الإتحاد والكون والمطلق. وهی تجربة قریبة من تجربة المتصوقة والبوذیین الذینیرون أن الأنا هی مركز الأوهام والعوائق والتشویشات. وبمحوها، بإفنائها وإماتها،یتمكن الإنسان من معانقة المطلق والكونی. فالنرفانا عند البوذیة تعنی : " إفناءوإطفاء، كما تعنی التحرر من الرغبات، وهذا الإسم أیضا له دلالة الموت بما هو إطفاءلكل القدرات النفسیة "
فتجربة الانخطاف والفناء هی تجربة أساسیة فیها یتحقق الالتحام بالكونعن طریق الموت الذی هو " انتصار النشوة ونشوة الانتصار" التی هی بالأساس انتصار علىالأنا، انتصار على الجسد، هی قرار بالتخلص من "الموت عن طریق إماتة الأنا، بمعنىمواراه الموت بإخفاء الحیاة الإنسانیة الخاصة، لهذا السبب فإن كل طرائق الزهد، كلطرائق الیوغا، هی بوضوح طرق للصراع ضد "الأنا" یجب إدماج وصهر كل فردیة فی الكون،بمعنى إدماجها فی الموت، لاحتوائه".
إن وهم الأوهام عند میخائیل نعیمة هو الاعتقاد أن الذات مستقلة عنالعالم. فكل ما نراه من حیاة فی الكون یتجسد فی الإنسان، والإنسان بدوره متجسد فیالكون. فمن الخطأ عند الرومانیسین الفصل بین الانسان والكون، لأن الإنسان موجود فیكل شیء. كما أن كل شیء فیه. فإذا تحرر الانسان من تشویش الحواس تخلص من الزمانوالمكان، وشكل مع الموت وحدة غیر مجزأة أو منقسمة یقول نعیمة فی نفس المقال " ینابیع الألم " الموجود فی كتاب " زاد المعاد " :
" لعمری إن كل ما نلجأ إلیه من الحیل للخلاص من الألم لیس إلا ضربامن التحذیر، فنحن ما زلنا هاربین من أنفسنا، سنبقى هاربین من الألم إلى الألم ومنالموت إلى الموت.
من تعلق بذاته المائتة أضاع ذاته الحیة، ومن وجد ذاته التی لا تموتوجد الحیاة كلها فیها، فنكران الذات هذا إنما هو تثبیت الذات، لأنه لا یعنی نكرانشیء فی الوجود بل تمدید الذات إلى أن لا یبقى فی الوجود ما هو خارج عنها. وهو لایعنی كره الذات بل محبة الذات الكائنة فی كل شیء" .
تشكل الذات الأرضیة، ذات النوامیس والمواضعات وقیم الخیر والشر، ذاتالإكراهات الیومیة، وذات الرغبات التی لا تنتهی أذرعها الأخطبوطیة والتی تتبث المرءلصق رغباته المادیة والحیوانیة، تشویشات تعـوق الـذات عـن اكتشاف وجـودهـا الحیالحقیقـی المشـدود إلى مـا وراء الوجود الأرضی المحدود. فذات العمى تقف كحاجز أمامذات البصیرة التی أفنت فیها وأماتت أثقال العالم المادی باحثة وناشدة الالتحام والكون.
إن تجربة تحقیق الوحدة تحقیق الوحدة والكون هی تجربة موت إماتة. ننفیفیها الموت بالموت لنحصل على الحیاة الحقیقیة النی هی وراء الوجود المادی، فنكرانالذات كما یقول میخائیل نعیمة هو ثثبیت لها وإمكانیة لتحقیق كونیتها وهو " لا یعنیكره الذات بل محبة الذات الكائنة فی كل شیء "
إن حلم الوحدة هو حلم یجسد عناق الحیاة والموت فلا یمكن أن تكون حیاةجدیرة باسمها إلا بالموت الذی یخلصها من كثیر من الأوهام التی تدعى عیشا وتقف أبداأمام إمكانیة إیجاد حیاة حقیقیة. هذه الأخیرة التی هی رهینة بقتل وإماتة كل ما یشكلموتا لمعانقة الحیاة فی الطرف الآخر.
تجربة تحقیق الوحدة مع الكون هی تجربة موت وإماتةو ننفی فیها الموتبالموت لنحصل على الحیاة الحقیقیة التی هی وراء هذا الوجود الظاهر المیت. فنكرانالذات كما یقول نعیمة، إنما هو تثبیت للذات ؛ وإمكانیة لتحقیق كونیتها وهو " لایعنی كره الذات بل محبة الذات الكائنة فی كل شیء".
1-3 إلـى المــوت :
یصبح الموت فی قصیدة أبو القاسم الشابی " إلى الموت" بوابة الخلاص منحیاة محدودة تسبب الألم لروح الشاعر التی أضناها طلب التحرر ومعانقة الحیاةالحقیقیة التی هی وراء الموت. لیست هذه الحیاة حسب الشابی سوى الضلال البعید والسجنلمن ینشد صوت الحیاة الرخیم یقول :
صـبیَّ الحیـاة، الشقی العنیـــد ألا قد ضللت الضلال البعیــد؟أتنشـد صـوت الحیـاة الرخیــموأنت سجین بهذا الوجــــود ؟ وتـطلب ورد الصبــاحالمخضَّب مــن كــف حقــلٍ، جـدیـب، حصیــد ؟
إلى الموت إن شئـت هــون الحیــاة، فخلـف ظـلام الــردى مــاتــریــد…
تشكل قصیدة إلى الموت نشیدا یتغنى فیه الشاعر بجمال الموت. فإذا كانتالحیاة تمثل الوجه الأسود ومایخفیه من آلام ومعاناة وضنى وضلال وقسوة ؛ فالموت هوالوجه الآخر المشرق، هو الحضن الحنون الذی سوف یضم شقاءنا، وسوف یشجینا بصوت الحیاةالرخیم.
والموت نبع فیاض یسقی عذب الشراب لمن سمته صحراء الحیاة. وهو حضنالراحة التی سوف یستقبل تعبنا یقول :
إلى المـــوت فالمــوت جــامٌ روی لمـن أظمـــأتــه سمــومالفــــلاة.
ولست بـراو - إذا مـا ظمئـت - مـن المنبـع العـذب قبــل الممـــاة.
فمـا الدمـع إلا شـراب الدهــور، ومــا الحــزن إلا غــداء الحیــاة.
إلى المــوت ! فالمــوت مهــد وثــیر، تنــام بأحضــانهالكـائنـــات. وهو یخبئ طفولة الحیاة ووجهها المشرق الذی أظلمته سحابات الأسىوأقنعة الظلام.تخفی أعماق الموت فیها نستعید الفردوس المفقود، وننعم برغد كالغیش،یشفی الأرواح من جرح الزوال الذی طالما بعث الإضطراب والهلع فی النفوس.
إلى المــوت ! لا تخـش أعماقــه ففیهـا ضیـــاء السمـــاءالودیــــع.
وفیهــا تمیـس عـذارى السمـاء، عـواری، ینشــدن لحنــا بـدیـع…
وفی راحهــــن غصــــون النـخیــل یحـركنهـا فی فضــاء یضــوع…
تـضیء بـه بسمـات الـقـلـوب، ویخبـــو بـــه حســـرات الدمـــوع.* * * هـو الموت طیـف الخلـود الجمیـل، ونصـف الحیـاة الـذی لا ینــوح
هنـالك .. خلـف الفضـاء البعیــد، یعیـش المنــون القــوی الصبــوح
یـضـم القـلــوب إلى صــدره، لیــأســـو مــامـضهـــا مـــن جـــروح
ویبعـث فیهــا ربیــع الحیـــاة، ویـبـهجـهـــا بالصبـــاحالفـــروح.
1 -4 : الأبـد الصغیــر
فی قصیدة " الأبد الصغیر " لأبی القاسم الشابی، یعطی الشاعر صورةأخرى للقلب البشری، حیث أن هذا القلب یجسد دنیا وحیاة خفیة. فیه تتقد شموس الكون. وفیه عاشت أمم، تجلت فیه كواكب وانعدمت، تتعاقب فیه الحیاة والموت. إنه القلبالإنسانی، یضم بین حنایاه حیاة ضاجة وصاخبة، فیه الكون یتجلى ویحیر البشر فیآفاقهیقول :
"یاقـلب ! كم فیك من دنیا محجَّبــة كأنها إن یسأل النـاس عن آفاقـه
یا قلب كم فیك من كون، قد اتقدت فیه الشموس وعاشت فوقه القمـم
یاقـلب ! إنك كــون مــدهش عجب إن یسـأل النـاس عن آفاقـه یَجِمُـوا
كأنك الأبد المجهول …، قد عجزت عنك النهى، واكفهرت حولك الظلم"
یشكل القلب الأنسانی كونا وحده حسب الشابی. ضاج بحیوات عدیدة، عصَّرالكیان فیها واحتسى كأسها حتى آخر قطرة دون أن یصیبه الرواء. شهوته للإقبال علىالحیاة عظیمة، خبر بحرا هائجا من المشاعر المتقلبة، مزقته الآلام والحزن والندم،توالت علیه الحیاة فی أشد صورها اتقادا وتوهجا، كما عرف الموت والعدم. خبر الفرحالكبیر كما عرف الخیبات، نسج الأحلام وأبلتها الأیام :
یاقـلب ! كم من مســرات وأخیلــة ولـذة، یتحـامى ظلهــا الألــــــــم
غنت لفجرك صوتـا حالمـا، فــرحـانشـوان ثم تـوارث، وانـقضى النغـم
رفــرف الألم الـــدامی، بـأجنحــة من اللهیب، وأنَّ الحــزنوالنـــدم
وكـم مشت فــوقك الـدنیا بأجمعهـاحتى تـوارت، وسار الموت والعــدم
تمضی الحیاة بماضیها، وحاضرهــاوتذهب الشمـس والشطــآن والقمــم
وأنت، أنت الخضم الرحب، لافرحٌ یبقى على سطحك الطاغی، ولا ألم"
هی التجربة الإنسانیة، منجم یضم أغلى الثروات وأثمنها، تضفی علىالقلب الإنسانی نضجا وغنى وامتلاء ؛ یضم فی رحابة الشاسعة الكون وسماه و ینطوی علىأسرارهما حیث تلمع فی لحظات التوحد الفریدة شموس ثراه وغناه الفیاض. تضفی التجربةالإنسانیة على القلب نضجا وشفافیة وحسن إنصات، رهافة وحساسیة تجعل الكیان یتوحدوالكون، ویضم
الحیاة فی عناق یرتعش عشقا وولعا. وحده قلب خبر أفراح وآلام الحیاة،خبر التمزق، وانكوى بلسعات الجوع الروحی والجسدی ؛ شبع وارتوى، ترنَّح وانتشى، بكىوصرخ یدرك ما معنى هذا العناق الكونی فی ساعات یشف ویرهف الكیان فتعكس مرآتهالعالم، كما ینعكس الكون فی مرآته، یقول الشابی :
تبلــو الحیــاة فتبلیهــا وتخلعهــا وتستـجـدُّ حیــاة، مـالهــاقــدموأنـت أنـت شبــاب خالــد نضــرمثـل الطبیعـة، لاشیـب ولا هـرم
كل ما یتوالى على الكیان من تجارب وضربات یقوی تلك "العین الباطنیة" ویجهزها لاختبار واكتشاف الجمال المتخفی والمحجوب وراء غشاء وغشاوة الظاهر. وحدهاالنفوس التی خبرت الآلام ونضجت فی أحشائها ثمار الحیاة تمتلك هاته القدرة العجیبةعلى الالتحام والتوحد مع الكون فی عناق یلغی الحدود ویذیب الحواجز. تدرك أن الكونیقیم فی أعماقها وأن لا حاجة لها للسفر عبر العالم. یقول نوفالیس : " إننا نحلم بأننسافر عبر العالم ؟ ألا یوجد الكون بداخلنا ؟ مجهولة هی أعماق أرواحنا بالنسبة لنا. الطریق الخفی یسیر نحو الداخل، توجد الأبدیة وعوالمها بداخلنا، ولیس فی أی مكانآخر، یوجد أیضا الماضی والمستقبل، العالم الخارجی هو عالم الأشباح إنه یرمی بظلهعلى مملكة الضوء، الآن حقا كل شیء یبدو بداخلنا ظلمة، فوضى، بدون شكل، عزلة ؛ لكنعندما تنجلی هذه الظلمات، ویضیء الجسد المظلم، كل شیء ساعتها یبدو آخر "
1-5 جمــال المــوت
یتجرد الموت عند جبران خلیل جبران من تلك الهالة السوداء التی أحاطهالناس بها. فیضحى احتفاء بحیاة ثانیة یتحقق فیها للانسان حلمه بحیاة تتعالى عن كلما یشوهها ویعوقها ویجعلها غیر جدیرة باسمها. ففی الموت تنعدم القیود ویحظى الإنسانبتلك الحریة التی طالما نشدها بین ظهرانی الحیاة.
وكانت تمنعه من ملاقاتها القیود والشرائع التی وضعها الإنسانلاستبعاد الإنسان، وإذلاله، وإخضاعه، ومنعه من الطموح لتجاوز ذاته. وتحقیق حلمهبمعانقة المطلق، وتجاوز ذاته، ففی قصیدة " جمال الموت " نلمس عند جبران خلیل جبرانفرحا واستعدادا لملاقاة الموت. لا مأساة، لا فجیعة، وإنما فرح واحتفاء كبیرانبالموت، یقول :
"دعـــونی أنــم، فقــد سكــرت نفســی بالمحبــة
دعــونی أرقــد فقــد شبعـت روحـی مــن الأیــام
أشعلوا الشموع، وأوقدوا المباخر حول مضجعی، وانثروا أوراق الوردوالنرجس على جسدی وعفروا بالمسك المسحوق شعری، واهرقوا الطیوب على قدمی، ثم انظرواما تخطه ید الموت على جبهتی.
خلونی غارقا بین ذارعی الكرى، فقـد تعبت أجفانی مـن هـذه الیقظـة.
اضربوا على القیتارات ودعوا رنات أوتارها الفضیة تتمایل فیمسامعی…"
یتجرد الموت عند جبران خلیل جبران من لبوس الحزن والفجیعة التیألصقها به الناس. فالموت راحة یتم الاستعداد لمعانقته بشتى أنواع الزینة والاحتفال. وإقصاء لكل مظاهر الحزن، إننا أمام قصیدة حب، واشتیاق لملاقاة الحبیب الذی هوالموت. فالموت عند جبران یأتی كتتویج لحیاة فاضت بالمحبة. لذلك تبتهج النفس لملقاهوتحتفی به كأنه العریس المنتظر. فعوض مشاعر الخوف والرهبة التی یلاقی بها المحتضرموته، نجد حفاوة وفرحا، ودعوة لنبذ مشاعر الحزن والفقدان لدى الآخرین. یقول جبران :
امسحوا الدموع یارفاقی، ثم ارفعوا رؤوسكم مثلما ترفع الأزهار تیجانهاعند قدوم الفجر، وانظروا عروسة الموت منتصة كعمود النوربین مضجعی والفضاءیلتحمالإنسان بالأرض، ویعود عند مماته إلى الحیاة الطبیعیة. وإلى رحم الأم الأولى. حیثالالتقاء مجددا بنبض الحیاة المتجدد. ینبذ جبران كل المظاهر الكئیبة التی تلتصقبطقوس تجهیز المیت للدفن. فهو یرید لموته أن یكون نوعا من العری والتحرر من كلالصور الحزینة المرتبطة بالموت. یرید لموته أن یكون لقاء سعیدا بحضن الأرض، یعودفیه جسده إلى الطبیعة،
یعود جسد المیت لیلتحم بعنصره الأرضی الطبیعی. وهذا وحده یجلب الفرحوالغبطة إلى قلب المحتضر. فالموت عند جبران عودة إلى رحم الأم. وهو یقترن بالعری والتحرر من مظاهر الحیاة الزائفة. هو راحة وسكینة وهدوء یغمر المیت وهو ممدد بهدوءعلى صدر الأرض / الأم الأولى. یقول :
لا تحملونی إلى الجبانة، لأن الزحام یزعج راحتی، وقضقضة العظام والجماجم تسلب سكینتی
احملونی إلى غابة السرو واحفروا لی قبرا فی تلك البقعة حیث ینبت البنفسج بجوار الشقیق
احفروا قبرا عمیقا كیلا تجرف السیول عظامی إلى الوادی
احفروا قبرا واسعا لكی تجیء أشباح اللیل وتجلس بجانبی
اخلعوا هذه الأثواب ودلونی عاریا إلى قلب الأرض، مددونی ببطء وهدوءعلى صدر أمی…
+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 13:3  توسط حسین منصور الناصری  | 

الامام الحسین علیه‏السلام فی ادب الاندلس

 

 

 

 

 

الامام الحسین علیه‏السلام فی ادب الاندلس

بقلم الدكتور حسین چوبین
مدیر قسم اللغة العربیة والادب العربی
فی كلیة الالهیات والمعارف الاسلامیة
فی جامعة الشهید شمران فی اهواز

خلاصة البحث :

بعد ان ضفت دولة الامویین فی الاندلس ظهرت دول یحكمها السادة الحسنیون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدین... وظهر بینهم شعراء محبون لاهل البیت(ع) فمدحوهم ورثوا الامام الحسین علیه‏السلام بأشعارهم وهجوا بنى أُمیّة لظلمهم وفسقهم، ومن اولئك الشعراء : علی بن بسام وصفوان بن ادریس ومحمد بن هانی الاندلسی وغیرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهی أشعار دعبل والكمیت والسید الحمیری وكثیر عزةّ، وقد أوردت فی هذا البحث قسماً من اشعار هؤلاء الشعراء الملتزمین بحب اهل البیت وبصورة خاصة بحب الحسین علیه‏السلام .

الكلمات المهمة :

الحسین علیه‏السلام ، الاندلس، بنو أمیّة

مواضیع البحث :

المقدمة

1ـ الاندلس لغةً وتاریخاً وأدباً.

2ـ ادب الشیعة فی الأندلس.

3ـ تقالید أهل الاندلس فی ذكرى استشهاد الامام الحسین علیه‏السلام

4ـ الشعراء الاندلسیون الذین رثوا الامام الحسین علیه‏السلام وهجوا بنی أمیّة.

ـ اولاً: احمد بن درّاج القسطلى.

ـ ثانیاً: أبو البحر صفوان بن ادریس المرسی

ـ ثالثاً: الجراوی.

5ـ قصیدتان فی مدح الامام الحسین علیه‏السلام نظمهما الدكتور حسین چوبین.

المقدمة :

المئات والمئات من الشعراء رثوا الامام الحسین علیه‏السلام وخیر كتاب أُلِّفَ فی هذا المیدان كتاب : (أدب الطف او شعراء الحسین علیه‏السلام ) ومؤلفه: حجة الاسلام والمسلمین السید جواد شبر النجفی وقد طبع هذا الكتاب النفیس فی النجف الاشرف وفی بیروت عدة مرات وذُكِرَت فیه أسماء شعراء أندلسیین رثوا الامام الحسین علیه‏السلام ومنهم : صفوان بن أدریس الذی ذم فی أشعاره بنی أمیّة ومدح أهل البیت والحسین علیه‏السلام بصورة خاصة.

كما جاء فی كتاب: (دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة) للاستاذ حسن الأمین اللبنانی أسماء عدد من الشعراء الشیعة فی الاندلس ومنهم : محمد بن هانی الاندلسی وأبو عبد اللّه‏ الرعسینی وعبادة ابن السماء واحمد القسطلی وعبد الرحمن الأشبونی وأبو البحر المرسی والجراوی، وفی هذا التحقیق نقدم مجموعة من القصائد الحسینیة التی نظمها هؤلاء الشعراء الاندلسیون.

1ـ الأندلس لغةً وتاریخاً وأدباً :

الاندلس (Ansalusia)(1)

مقاطعة تقع فی جنوب اسبانیا، ولها اسم آخر فی بعض الكتب العربیة وهو المغرب(2)، وقد فتحت فی عهد الولید بن عبد الملك، فی أواخر القرن الهجری الأول، وكان فاتحها موسى بن نصیر الذی أهمله الأمویون فمات منسیاً!

فی النصف الاول من القرن الهجری الثانی وبعد سقوط الأمویین فی الشام فرَّ عبد الرحمن بن معاویة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموی إلى الأندلس وأسس هناك الدولة الأمویة المروانیة الثانیة، واستمرت حوالی أربعة قرون، وحكمت دول الطوائف الأندلسَ بعد سقوط الأمویین وتعرف هذه الفترة بفترة الطوائف واستمرت حوالی أربعة قرون أیضاً، وبعد سقوط الأندلس بید الأفرنج فی أواخر القرن التاسع الهجری تَحوَّل الأمویون فیها الى نصارى ویهود(3)، والذی یؤید هذا أننا لم نسمع لهم أی صوت اسلامی بعد سقوطهم، كما أننا لا نرى الیوم أی نسل اسلامی منهم لا فی الأندلس ولا فی شمال افریقیا.

أما الأدب فی الأندلس فقد بقى تقلیدیّاً طیلة أربعة قرون ثم ارتقى مدة قرنین، وبعدئذٍ انحط طیلة قرنین تقریباً، ونشیر هنا الى حقیقة ناصعة وهی أن الأدب الأندلسی لم یكن أمویاً بصورة كلیة، بل اننا نرى أن قسماً من أدب الأندلس كان أدباً اسلامیاً أصیلاً ومنه أدب حسینی، بعیداً عن الخلاعة والمجون، فهناك مدائح فی حق أمیر المؤمنین الامام علی علیه‏السلام وفاطمة الزهراء علیهاالسلام ومراثٍ حسینیة.

2ـ أدب الشیعة فی الأندلس :

أدب الشیعة له تاریخ عریق وخیر شاهد على ما نقول : كتاب «الغدیر» للعلامة الأمینی النجفی رضوان الله علیه وكتاب «أدب الطف» لحجة الاسلام السید جواد شبر النجفی، وقد ظهرت للشیعة دول فی بلدان مختلفة بما فیها الأندلس، كدولتی الأدارسة والمُوحّدین(4)، ومن الشعراء الشیعة فی الأندلس:

1ـ محمد بن هانی بن محمد بن سعدوان الأندلسی

2ـ أبو عبد اللّه‏ الرعسینی

3ـ عبادة بن عبد اللّه‏ الأنصاری المعروف بلقب ابن السماء

4ـ أحمد بن درّاج القسطلی

5ـ عبد الرحمن الأشبونی

6ـ أبو البحر صفوان المرسی

7ـ الجراوی

3ـ تقالید أهل الأندلس فی ذكرى استشهاد الامام الحسین علیه‏السلام :

قبل أن نقدم نماذج من أشعار الشعراء الاندلسیّین نشیر الى مخطوط أثری لكتاب مهم فی هذا المیدان وهو موجود فی جامعة القرویّین، واسمه: (اِعلام الأعلام فیمن بویع بالخلافة) ومؤلّفه: (لسان الدین الخطیب) وذكر فیه عادات الأندلسیین فی ذكرى استشهاد الأمام الحسین علیه‏السلام من التمثیل بأقامة الجنائز وانشاد المراثی، وذكر أنَّ هذه المراثی كانت حسینیة(5)، ونبادر الى نقل وصف المآتم الحسینیة فی الأندلس على لسان ابن الخطیب كما ذكر فی كتابه المخطوط بجامعة القرویین، حیث قال : (لم یزل الحُزن متصلاً على الحسین، والمآتم قائمة فی البلاد یجتمع لها الناس لیلة یوم قتل فیه ـ أی لیلة عاشوراء ـ ولاسیما بشرق الأندلس، یقیمون رسم الجنازة فی شكل من الثیاب ویُحتَفل بالأطعمة والشموع، ویُوقَدُ البخور، ویُجلَب القرّاء ویُتَغنّى بالمراثی الحسینیة، وبقیة من هذا لم تنقطع بعد(6)).

4ـ الشعراء الاندلسیون الذین رثوا الأمام الحسین علیه‏السلام وهجوا بنی أمیّة :

من أبرز وأشهر الاندلسیین الذین رثوا الامام الحسین علیه‏السلام ونظموا أشعاراً فی هجاء بنی أمیّة :

أولاً: احمد بن درّاج القسطلی، وكان من الشعراء الافذاذ فی الأندلس خلال القرن الخامس الهجری، وكان معاصراً لآل «حَمّود» وهم من السادة الأدارسة الحسنیین فی الأندلس، وقد نظم قصیدة أشار فیها الى ما عاناهُ أهل البیت علیهم‏السلام من مصائب ورزایا، وقال الناقد المشهور ابو الحسن علی بن بسام فی كتابه : «الذخیرة» عن تلك القصیدة الغراء : (قصیدة طویلة وهی من الهاشمیّات الغرّ، لو قَرَعت سَمْعَ دعبل بن علی الخزاعی والكمیت بن زید الأسدی لأمسكا عن القول، بل لو رآها السید الحمیری وكثیر ـ عزّة ـ لأقاماها بیّنة على الدعوى، وتبدأ هذه الصیدة ببكاء شجی، بكاء تجهش به قلوب الشیعة فی كُلِّ مكان(7)).

یقول هذا الشاعر الأندلسی فی قصیدته التی تزید على سبعین بیتاً مشیراً الى الحسین والى آل رسول اللّه‏ صلى‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم :
الى الهاشمیّ الى الطالبی الى الفاطمیّ العطوف الوصول
الى ابن الوصیّ الى ابن النبیّ الى ابن الذبیح الى ابن الخلیل
فأنتم هُداةُ حیاة وموت وأنتم أئمة فِعلٍ وقیل
وسادات من حلَّ جناتِ عدنٍ جمیع شبابِهِمُ والكهول
وانتم خلائف دنیا ودین بحكم الكتاب وحكم العقول(8)
ثانیاً: أبو البحر صفوان بن ادریس التجیبی المرسی، وهو من شعراء القرن السادس الهجری، وقد ذكره أحد أعلام الفكر فی القرن الثامن الهجری وهو لسان الدین بن الخطیب، وقال المحقّق المعاصر حجة الاسلام والمسلمین السید جواد شبّر النجفی فی كتابه القیّم : «أدب الطف» : (أفادنا ابن الخطیب وعَرَّفنا بأحد شعراء الشیعة فی الأندلس، الذی اشتهر برثاء سیدنا الحسین علیه‏السلام وهو ابو البحر صفوان بن ادریس التجیبی المرسی (561 ـ 598)، وهذه القصیدة منه كانت مشهورة ینشدها المسلمون وهی : ومنبرُهُ العلویُّ والجذاعُ أعوَلاعلیهِمْ عویلاً بالضمائرِ یُفهَمُ

ولو قَدَّرَتْ تلك الجماداتُ قَدرَهُمْلَدُكَّ حراءٌ واستُطیرَ یُلَمْلِمُ(10)

وما قدرُ ما تبكِی البلادُ وأهلُهالآلِ رسولِ اللّه‏ والرزءُ أعظَمُ

لو أنَّ رسولَ اللّه‏ یحیى بُعَیْدَهُمْرأى ابنَ زیادٍ اُمُّهُ كیفَ تُعقَمُ(11)

وأقبلتِ الزهراءُ قُدّسَ تُربُهاتُنادی أباها والمدامعُ تُسْجَمُ(12) سقوا حسناً بالسمّ كأساً رویةًولم یقرعوا سناً ولم یتندَّمُوا(13) وهم قطعوا رأسَ الحسین بكربلاوكأنَّهم قد أحسنوا حینَ أجْرَمُوا

وأسرُ بنیهِ بعدَهُ واحتمالُهمكأنَّهُمُ من نسلِ كسرى ویُغنَمُوا

ونقُر یزیدٍ فی الثنایا الّتی اغتدَتْثنایاكَ فیها أیُّها النورُ تَلثِمُ(14)

هُمُ القومُ أمّا سعیهم فَمُخَیَّبٌمَضاعٌ وأمّا دارُهم فَجَهنَّمُ

قِفوا ساعدونا بالدموع فأنَّهالَتصغُرُ فی حقِّ الحسینِ ویَعظُمُ

ومهما سمعتم فی الحسین مراثیاًتُعبِّرُ عن محضِ الأسى وتُتَرجِمُ

فمُدّوا أكفّاً مُسعَدینَ بدعوةٍوصَلُّوا على جَدِّ الحسینِ وسَلِّموا(15)

سلام كأزها الربى یتنسَّمُ على منزل منه الهُدَى یتعلَّمُ
على مصرعٍ للفاطمیّین غُیِّبَتْ لأوجهِهِم فیهِ بُدورٌ وأنجُمُ
على مشهدٍ لو كُنتَ حاضرَ أهلِهِ لعایَنتَ أعضاءَ النبیِّ تُقَسَّمُ
على كربلا لا اَخلَفَ الغیثُ كربلا والاّ فأنّ الدمعَ أندى وأكرَمُ
مصارع ضجّت یثربٌ لمصابها وناحَ علیهِنَّ الحطیمُ وزمزمُ
ومكةُ والأستارُ والركنُ والصَّفا وموقفُ جمعٍ والمُقامُ المُعظَّمُ
وبالحَجَرِ الملثومِ عنوانُ حَسرةٍ ألستَ تراهُ وَهْوَ أسودُ أسْحَمُ
وروضةُ مولانا النبیِّ محمدٍ تَبدّى علیها الشكلُ یَومَ تَخَرَّمُ(9)
ثالثاً: الجراوی وهو من شعراء دولة الموحّدین الحسنیة التی تأسَّست فی القرن الخامس الهجری فی المغرب، ثم امتدَّت الى الأندلس، وقال المحقّقُ اللبنانی المعاصر الاستاذ حسن الأمین فی دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة عن الشاعر الجراوی : (ومن قصائده ملحمة فی رثاء الحسین علیه‏السلام وهیء تختلف عن تلك المراثی التى تعرفها الشیعة، تُقرَأُ صبیحةَ یوم عاشوراء(16)) وجاء فیها : ولو غیرُ هذا الرزء راح أو اغتدىلنادیتُهُ قبلَ الوصولِ مُردّدا
أقولُ لحزنٍ فی الحسین تأكّدا تَملَّكْ فؤادی مُتهِماً فیه مُنجِدا(17)

عقرتُ بعیری یا امرأ القیس فانْزِلِ

وركبٌ اذا جاراهُمُ البرقُ یَعثَرُ تذكَّرتُ فیهِمْ كربلا فَتَحیَّروا
وغیداءُ لا تدری الأسى كیف یَخطُرُ بَثثتُ لها ما كنتُ بالطفِّ اَضمرُ

فألهیتُها عن ذی تمائمَ مُحوِلِ(18)

تَهیَّأ لیومِ الحشرِ تَجرَعْ علاقِمَهفما لكَ مَنجىً من خصومةِ فاطِمَه(20)
أیا فاساً قادّر الغُرورُ شكائمَهْ فأوردَ فی صدرِ الحسینِ صوارِمَهْ(19)
وما ان أرى عنك العمایةَ تنجلی

رابعاً : محمد بن هانی الأندلسی الذی تحدث عنه المحقق المعاصر العلامة الشیخ الأمینی فی كتابه الخاص بالشهداء برقم (6)، كما جاء عنه بحث وافٍ فی كتاب (ادب الطف) فی خمس وعشرین صفحة، ومن أشعاره فی هجاء بنی أمیة :

واعذِرْ أمیّةَ إنْ تَغُصّ بریقِهَا فالمهل ما سُقِیَتْهُ والغسلینُ
قدْ قادَ أمرَهُمُ وقلَّدَ ثغرَهُمْ منهُمْ مهینٌ لا یكادُ یبینُ
أبنی لؤی این فضل قدیمكم بل این حلم كالجبال رصینُ
لو تتقون اللّه‏ لم یطمح لها طرف ولم یشمخ لها عرنینُ
لكنكم كنتم كأهل العجل لم یُحفظ لموسى فیهمُ هارونُ
لو تسألون القبرَ یومَ فرحتم لأجاب أنَّ محمداً محزونُ

ویقول العلامة الأمینی رحمه‏الله فی كتابه الخاص بشهداء الفضیلة إنَّ الشاعرَ ابن هانی الاندلسی استشهد بأیدی اعداء اللّه‏ فی 23 رجب سنة 362 رضوان اللّه‏ علیه، وعلى جمیع شهداء الفضیلة وعشاق الحسین علیه‏السلام فی كلّ زمان ومكان.

خامساً : ناهض الوادی الاندلسی وهو من شعراء القرنین السادس والسابع، وقد ورد ذكره فی كتاب (نفح الطیب) لابی العباس المقری الذی یُعَدُ مصدرنا الفرید عنه ـ والمؤلف ـ اكتفى بذكر اسمه ونسبه دون تطویل، وأثبت نصّ قصیدته فی رثاء الحسین علیه‏السلام دون تعلیق كما ذكر سنة وفاته ومكانها ولم یزد شیئاً... ـ وقد ـ توفی رحمه‏الله سنة 615هـ ببلدة وادی آش، وبذلك یكون معاصراً لمجموعة من أدباء عصره الذین عاشوا خلال القرنین السادس والسابع للهجرة، واشتركوا معه فی الموضوع نفسه وهو بكاء سید الشهداء الحسین بن علی شعراً أو رجزاً أو نثراً وتألیفاً وكانوا حلقة وصل بینهم وبین غیرهم... ومنهم على سبیل المثال السلطان النصری الشاعر یوسف الثالث من ملوك بنی الأحمر، فقد ضمَّ دیوانه قصیدتین فی رثاء الحسین والتعبیر عن الولاء لآل البیت علیهم‏السلام والدفاع عن التشیع.

واما ملوك بنی الأحمر الذی نظم أحدهم وهو یوسف الثالث قصیدتین فی رثاء الامام الحسین علیه‏السلام فهم آخر أسرة إسلامیّة حاكمة فی الأندلس حكمت غرناطة من عام 1235م والى عام 1492م مؤسسها محمد الغالب (توفی عام 1273م. هـ) الذی بنى قصر الحمراء فی غرناطة.

واما قصیدة الشاعر ناهض الأندلسی فی رثاء الامام الحسین علیه‏السلام فهی تقع فی ستة عشر بیتاً على وزن الكامل ورویّها الكاف المكسورة ویستهلها الشاعر بتساؤل یتوجه به الى حمامة یتصورها باكیة مولهة مثله على غرار شعراء الوجدانیات مثل أبی فراس الحمدانی وابن شهید الاندلسی وابن خفاجة وغیرهم لیستفسر عن سبب بكائها... وقد وفق الشاعر فی اختیار السیاق العام لصیاغة تجربته مستغلاً ما ترمز الیه الحمامة فی التراث الشعری العربی قبله من حزن وأسى ولوعة، ولكنه یجعل مصابه فوق مصابها لأنَّه یبكی الحسین قتیل الطفِّ، فرع النبوة الزاكی ویتوعد قاتله بمصیرة المظلم فی قعر جهنم... ویبدو الشاعر الاندلسی موفقاً ایَّما توفیق فی اختیار معجمه الشعری وحسن توظیفه لمجموعة من الالفاظ ذات الظلال والایحاءات الخاصة مستعیناً فی تصویر انكساره بایثار الكسرة لحرف الرویّ وبمناجاة الحمامة التی حاول معرفة حزنها الدفین لعلّه یصل الى اكتشاف سببه معظماً من مصابه لانه فوق كُلِّ مصاب وحین تتأزَّم نفسه یصرّح لها بسرّ معاناته فیقول:

لو كنتِ مثلی ما افقتِ من البكا لا تحسبی شكوای من شكواكِ
ایهٍ حمامةُ خبّرینی انّنی أبكى الحسینَ وأنتِ ما أبكاكِ؟

وقد كتب الباحث المغربی علی الغزیوی الذی یدرس الأدب الأندلسی فی جامعة سیدی محمد فى مدینة فاس فی المملكة المغربیة كتب بحثاً مهیا عن هذه القصیدة الغراء فی مجلة النور التی تصدر فی لندن فى عدد جمادى الثانیة سنة 1421هـ.ق وذكر فی بحثه ان هذه القصیدة متنوعة الاسالیب، ما بین الخطاب الذی هیمن على معظم أبیاتها الاولى فی شكل تساؤل، من الحمامة، والبوح الذی یتلو ذلك بما فیه من وصف وتصریح بالصور المفزعة الدامیة لمقتل الشهید الحسین فرع النبوة وكیف تعفّر ومُزّقت اشلاؤه عدواناً وظلماً... ـ ففى القصیدة ـ رقة فی العاطفة وحرارة فی الأحاسیس وصدق فنی وانسیاب وتلقائیة فی العبارة ومتانة فی البناء مع ایمان قوی باحقاق الحقّ والانتصاف من الجُنَاة وهذه متقطفات من تلك القصیدة:

إیهٍ حمامة خبّرینی إنَّنی أبْكی الحسینَ، وأنتِ ما أبكاكِ؟
أبكی قتیلَ الطفّ فرع نبیّنا اكرمْ بفرعٍ للنبوة زاكی
ویلٌ لقومٍ غادروهُ مُضرّجاً بدمائه نضواً صریعَ شكاكِ
متعفِّراً قد مُزّقت أشلاؤهُ فریاً بكل مُهنّدٍ فتّاكِ

ثم یخاطب الشاعر یزید قائلاً:

أیَزیدُ لو راعَیْتَ حُرمَة جَدِّهِ لم تقتنص لیثَ العرینِ الشاكی
اترومُ وَیْكَ شفاعةً من جَدِّهِ هَیْهاتَ! لا، وَمُدَبِّرِ الأفلاكِ
ولسوفَ تُنْبَذُ فی جَهَنّمَ خالداً ما اللّه‏ُ شاءَ ولاتَ حینَ فكاكِ

(مصدر القصیدة: كتاب نفح الطیب ج 5، ص 70 ـ 71)

(2) قصیدة من بحر الرمل المقصور، فی كل مصراع «فاعلاتن فاعلاتن فاعلان» نظمها كاتب المقالة (د. حسین چوبین).

ندبتی طول حیاتی یا حسین والى حینَ مماتی یا حسین
انّنی مذ كنتُ فی صُلب الوجود قلتُ فی روحی وذاتی یا حسین
كنتُ فی الرحم جنیناً واقول هامساً فی حركاتی یا حسین
والى الدنیا اَتیتُ فی صراخ هاتفاً فی صرخاتی یا حسین
ثمَّ اُمی ارضعتنی وتقول دائماً فی رضعاتی یا حسین
صرتُ احبو واقومُ لاسیر قائلاً فی حبواتی یا حسین
ثمَّ أمّی علّمتنی بالكلام كانت أولى كلماتی یا حسین
وأبی علّمنی كیف الصلاة قلت من بعد صلاتی یا حسین
وقد امضیتُ بعمری سنوات نادیاً فی سنواتی یا حسین
واذا معضلةٌ جاءَت اقول أنت حَلُّ المعضلاتِ یا حسین
هكذا كنتُ بلیلٍ ونهار فی صباحی فی سباتی یا حسین
واذا موتی أتى فی الاحتضار قَولی من قبل وفاتی یا حسین
ثم بعد الدفنِ فی لحدٍ مخوف یأتی صوتٌ من رفاتی یا حسین
وبیوم النشر اذا احیى اقول یا غریب الغربات یا حسین

الهوامش :


1. البعلبكی منیر، قاموس المورد، انجلیزی عربی، حرف (A).

2. قصص العرب، طبع مصر، ج4، ص 91 (النص والحاشیة).

3. مجلة آخر ساعة المصریة، فی تحقیق عن مصیر الأمویین ونسلهم فی الأندلس فی أواخر سنة (1960)، ولم یرد شرح عمن بقى من نسل بنی أمیة فی كتاب (صبح الأعشى) للقلقشندی مع أنه جاء شرح عمن بقى من نسل بقیة القبائل.

4. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة، طبع دار التعارف، بیروت، سنة 1393هـ.ق، ج 4، من الصفحة الثالثة حتى الصفحة 32 (عن دولة الأدارسة فی الاندلس) وفی الجزء الثالث، من الصفحة 318 حتى الصفحة 327 (عن دولة الموحدین فی الأندلس).

5. شبر، السید جواد، أدب الطف أو شعراء الحسین علیه‏السلام ، طبع بیروت، ج 4، ص 11.

6. المصدر السابق، نقلاً عن مجلة العرفان اللبنانیة، مجلد 59.

7. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة، ج 4، ص 24.

8. المصدر السابق. 9. تخرم، فی الأصل : تتخرم، بمعنى تتشقّق من شدّة الحزن، المعجم الوسیط، ص 230.

10. یُلَمْلِمُ: یجمع ما تناثر منه، المعجم الوسیط، ص 230.

11. كیف تعقم: كیف یكون نسلها أبتر.

12. تُسجَمُ: تجری.

13. قرع علیه سنه: صكّها ندماً، المعجم الوسیط، ص 728.

14. تَلثِمُ: تُقَبِّلُ.

15. شبّر، السید جواد، أدب الطف أو شعراء الحسین علیه‏السلام ، ج 4، ص 11 وص 12 وص 13 نقلاً عن: اعلام الأعلام، لابن الخطیب، وهو مخطوط فی جامعة القرویین، ص 37 و38.

16. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشعیة، ج 3، ص 324.

17. مُتهِماً: ذاهباً الى منطقة تهامة، مُنجِداً: ذاهباً الى نجد وكلتا المنطقتین فی شبه الجزیرة العربیة، المعجم الوسیط، ص 90 و 92.

18. تمائم: جمع تمیمة، وهی : الكتابة التی تعلق فی العنف لدفع العین، المعجم الوسیط، ص 89، المُحْوِل : هو الذی مضى علیه حول (أی سنة)، المعجم الوسیط، ص 208، ومعنى عجز البیت: لا تنظر الى الشخص الذی فی عنقه تمیمه وقد مضى علیه عام.

+ نوشته شده در  89/09/21ساعت 11:43  توسط حسین منصور الناصری  | 

قصیده ای از نزار قبانی که به گفته خودش بعد از مرگش منتشر شد

قصیده ای از نزار قبانی که به گفته خودش بعد از مرگش منتشر شد

 

من عالمی الجمیل
أرید أن أقول للعرب..
الموت خلف بابكم ..
الموت فی أحضانكم..
الموت یوغل فی دمائكم..
وأنتم تتفرجون ..
وترقصون ..
وتلعبون ..
وتعبدون أبا لهب !!!
والقدس یحرقها الغزاة ..
وأنتم تتفرجون ..
وفی أحسن الأحوال..
تلقون الخطب !!!
لا تُقلقوا موتی ..
بآلاف الخطب !!!
أمضیت عمری أستثیر سیوفكم ..
واخـــجــلـتاه
سیوفكم صارت من خشب !!!
من ها هنا ..
أرید أن أقول للعرب ..
یا إخوتی..
لا
لم تكونوا إخوة !!
فأنا ما زلت فی البئر العمیقة .،
أشتكی من غدركم ..
وأبی ینام على الأسى ..
وأنتم تتآمرون ..
وعلى قمیصی جئتم بدم كذب !!!!!
واخــــجـلـتاه
من ها هنا أرید أن أقول للعرب ..
ما زلت أسمع آخر الأنباء ..
ما زلت أسمع أمریكا تنام ..
طوبى لكم.. طوبى لكم ..
یا أیها العرب الكرام !!!
كم قلت ما صدقتم قولی ..
ما عاد فیكم نخوة ..
غیر الكلام !!!
لا تُقلقوا موتی ..
فلقد تعبت ..
حتى أتعبت التعب ..
من ها هنا ..
أرید أن أقول للعرب ..
ما زلت أسمع أن مونیكا تدافع عن فضائحها ..
وتغسل عارها بدمائكم ..
ودماء أطفال العراق ..
وأنتم تتراقصون ..
فوق خازوق السلام !!!
یا لیتـكم كـنـتم كمونیكا ..
فالعار یغسلكم ..
من رأسكم حتى الحذاء !!!
كل ما قمتم به هو أنكم ..
أشهرتم إعلامكم ..
ضد الهجوم .،
وجلستم فی شرفة القصرتناجون النجوم !!!!!!
واخـــجــلـتاه
ماذا أقول إذا سئلت هناك ..
عن نسبی ؟؟!
ماذا أقول ؟؟؟
سأقول للتاریخ ..
أمی لم تكن من نسلكم
وأنا ..
ما عدت أفتخر بالنسبِ !!!!!
لا لیس لی من إخوةٍ ..
فأنا برئ ..
فأنا برئ منكم ..
وأنا الذی أعلنت ..
من قلب الدماء ..
ولسوف أعلن مرة أخرى هنا ..
موت العربِ !!!!!
نزار قبانی
من العالم الآخر
17/12/1998 الساعة الثانیة فجرا
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 13:58  توسط حسین منصور الناصری  | 

جمیل صدقی الزهاوی شاعر وفیلسوف وثائر

 

 

جمیل صدقی الزهاوی شاعر وفیلسوف وثائر

    

كتب الزهاوی وهو على اعتاب السبعین من العمر

ملحمة شعریة من 435 بیتا على وزن وقافیة واحدة

بعنوان ثورة الجحیم

وهی ملحمة خیالیة فلسفیة واجتماعیة یعرض فیها

رؤیتة وفلسفتة ونظرتة للحیاة وادبها وللناس

ومعتقداتهم على طریقة الشاعر ابو العلاء المعری

فی رسالة الغفران او الشاعر دانتی فی

الكومیدیا الالهیة او الزوابع والتوابع

لابی شهید الاندلسی

وهذة الملحمة عبارة عن حرب بین اهل النار الثائرین

على اهل النور او ملائكة الجنة

وبعد نشر هذة الملحمة الشعریة رفع الناقمون

الامر الى الملك فیصل الاول ملك العراق

مما اضطرة الى استدعاء الزهاوی ولامة على فعلتة

وطلب منة الاعتذار رسمیا

فصاح الزهاوی قائلا

ماذا افعل عجزت عن اضرام الثورة فی الارض

فاضرمتها فی السماء

جمیل صدقی الزهاوی ثورة ثقافیة تنویریة على القمع والاستبداد

والظلم الاجتماعی

انة ثورة العصر على تحجر التراث واصنامة من

رجال الدین وغباء العادات وعقم التقالید

انة ثورة الحریة الفكریة التی لا تعرف لا لغة

الرصاص او القنابل ولا الانقلابات الدمویة ولا

الاحزمة الناسفة ولا قرقعة السلاح

انة ثورة الجوهر على الادب المزخرف

وقشور الفكر المزور

انة الشاعر الذی لا یساوم ولا یهادن

صاحب الرؤیا البصیرة الثاقبة التی اخترقت حاجز الزمن

بما لدیة من افكار متجددة مضیئة لتنیر الدرب للاخرین

الزهاوی عبقریة عظیمة استمدت عظمتها من جذور عظمة بغداد

التی اغنت ابداعة الفكری فتمرد على العادات الاجتماعیة المتخلفة

وحاول اصلاحها بما جاد على الاجیال من شعر عبقری وكانة تدفق ماء

دجلة والفرات

وكما انجبت الكوفة شاعرا فذا وفارسا هماما هو او الطیب المتنبی

فقد انجبت بغداد بعد الف عام شاعرا جریئا مفكرا حرا فیلسوفا

اسمة الزهاوی

لم یكن الزهاوی ظاهرة شعریة فی متون الثقافة العربیة بل كان

ثورة اصلاحیة وثقافة عارمة ومنارة فكریة وادبیة

جریئة وهادفة

ولا نشك فی صدق مرامیة حین یقول

هل یخرق العادات فیما جاءها           الا جرئ لا یخاف ملاما

من یحسب الاوهام منة حقائقا          یجد الحقائق كلها اوهاما

 

وهو اذ یستفز الناس لكی یتحرروا من القیود الفكریة والخرافات

فانما یحاول ان یوقظهم من رقدتهم ویخلصهم من نسیج

العنكبوت الذی نسج على عقولهم فیقول

ثوروا على العادات ثورة حانق         وتمردوا حتى على الاقدار

كونوا جمیعا سادة لنفوسكم           فالعصر هذا سید الاعصار

ان الیقین لفی الشهود جمیعة          والشك كل الشك فی الاخبار

وتخلصوا من نیر كل خرافة          خرقاء تلقی الریب فی الافكار

 

كان الزهاوی نصیرا للمراة ولحقوقها فی الوقت الذی كانت تكابد

فیة من ضیم وجور عادات المجتمع المتخلف والتقالید البالیة

وكان الحجاب بالنسبة لة سببا من اسباب هذا التخلف الذی اعتبرة

حجابا للعقل والفكر

وهو یخاطب المراة

مزقی یا ابنة العراق الحجابا         واسفری فالحیاة تبغی انقلابا

مزقیة واحرقیة بلا ریث         فقد كان حارسا كذابا

وردا على مقولة المراة ناقصة عقل ودین یقول

وكل جنس لة نقص بمفردة           اما الحیاة فبالجنسین تكتمل

احدثت رسالة الزهاوی التی كانت بعنوان

المراة والدفاع عنها

ضجة كبرى فی العالم العری والاسلامی فهاج الناس واحتجوا عند

الوالی ناظم باشا والی بغداد عام 1908 مما اضطر الى عزل

الزهاوی ومكث فی دارة تجنبا للمخاطر التی باتت صریحة

من رجال الدین واهل الفكر المتخلف ومنهم الشیخ النقشبندی

الذی احل هدر دم الزهاوی عندما قال

السیف البارق فی عنق المارق

یقول الزهاوی عن نفسة

كنت فی صبای اسمی المجنون لحركاتی غیر المالوفة

وفی شبابی الطائش لنزعتی الى الطرب وفی كهولتی الجرئ لافكاری

وفی شیخوتی الزندیق لمجاهرتی بارائی الفلسفیة

 

لقد كان الزهاوی شاعرا هماما وانسانا عظیما ومثقفا ناقدا وادیبا

كبیرا وفارسا شجاعا ممتطیا صهوة الشعر العربی ببراعة

وعقلانیة وكان احد زعماء الحركة التنویریة مثلة مثل ابن رشد

والحلاج وطة حسین وجبران وغیرهم الكثیرین

وهو یقول

انی امرؤ لا اجهر الا بما اشعر

 

احب الزهاوی وطنة العراق وكان كلما ابتعد عنة حن الیة

وطنی الذی فیة ولدت         هو الذی فیة ابید

عند على شغفی بة         اناى وترجعنی العهود

ابعدت عن وطنی وها         انا ذا الى وطنی اعود

فشهقت فی احضانة            ابكی كما یبكی الولید

 

تنبا الزهاوی بالماساة الرهیبة التی حلت بالعراق حین قال

یا قومنا لا نفع فی احلامكم          فخذوا الحقائق وانبذوا الاحلاما

اخشى علیكم فی الحیاة تدهورا          فیة الرؤوس تقبل الاقداما

 

وكما هو الحال عند الكثیر من الفلاسفة اضطرب الایمان الموروث

عند الزهاوی لیتحول الى شك وبحث عن الحقیقة ادى بة الى

الالحاد التام معبرا فی ذلك عن ثورة ضد الفكر الدینی التقلیدی الاستبدادی

واتضح ذلك جلیا فی ملحمتة الشعریة التی اطلق علیها

ثورة اهل الجحیم

جمع الزهاوی بین الاحساس المرهف والتامل الفكری العمیق

فكان بذلك شاعرا اصیلا وعالما فطنا

لقد تمیز منهجة الفلسفی بالاستناد الى علم الطبیعة والظواهر وخاصة

نسبیة انشتاین ونظریة دارون والجاذبیة والكون

فهو یقول فی احد قصائدة

لا تقبل الاجرام عدا          كلا ولا الابعاد حدا

ان المجرة لم تكن           الا عوالم فقن عدا

والسحب فیها انجم           هن شموس بعدن حدا

والارض بنت الشمس            تلزم امها جریا وتحدى

وتدور فی اطرافها            مشدودة بالجذب شدا

ویدور محورها توجة           نحو نور الشمس خدا

وعن حیاة الزهاوی واصولة الاجتماعیة والثقافیة نقف عند هذة المحطات

 

  زهاو مدینة كردیة قدیمة ذكرها یاقوت الحموی فی كتاب المجسطی

وهی تقع فی المنطقة الغربیة من كردستان الشرقیة التابعة لایران

بین مدینتی قصر شیرین وكرمنشاة بالقرب من الحدود العراقیة وسمیت

ایضا زهاب وسماها العرب المسلمون خلال الفتوحات حلوان وذاع

ذكرها بهذا الاسم فی المصادر الاسلامیة

وجمیل صدقی الزهاوی هو جمیل بن صدقی بن محمد فیضی بن الملا

احمد بابان الزهاوی الذی ینتسب الى قبیلة بابان الكردیة فی جنوب

كردستان ولهذة القبیلة شان كبیر فی التاریخ الكردی الحدیث

واشتهرت اسرة الشاعر جمیل صدقی بلقب الزهاوی نسبة الى

مدینة زهاو

اما والد الشاعر جمیل فهو العلامة محمد فیضی مفتی العراق وامة

اسمها فیروزوكان جدة لابیة قد هاجر الى مدینة زهاو وتزوج

سیدة زهاویة ولدت لة محمد فیضی والد الشاعر الزهاوی

ولد جمیل فی بغداد سنة 1893 وتلقى العلم فی الكتاتیب ثم تعلم من

والدة مبادئ الصرف والنحو والمنطق والبلاغة اضافة الى

دیوان المتنبی وتفسیر البیضاوی

وكان والدة یتقن الفارسیة ویحب شعر عمر الخیام والفردوسی

واتقن الشاعر الزهاوی الى جانب اللغة الام الكوردیة اتقن اللغة

العربیة والتركیة والفارسیة قراءة وكتابة

استكمل الزهاوی دراستة فی مدارس بغداد وتركیا ولا سیما العلوم

العصریة واعجب بالروایات المترجمة الى العربیة والتركیة

وتوسع فی دراسة الفلسفة كما انة درس القانون

وعندما عینتة الحكومة عضوا فی محكمة الاستئناف قال

لم امل فی حیاتی كلها الا الى الادب والفلسفة

تزوج وهو فی الخامسة والعشرین من عمرة من فتاة اسمها

زكیة هانم وهی تركیة الاصل فكانت حیاتة سعیدة معها

لما تملكة من جمال ورجاحة عقل وحسن خلق

 

اتصف الزهاوی بذكاء لماح فبرع فی مجال الشعر والفكر

وذاع شانة فی العراق وكبر ذلك الشان بعد سفرة الى الاستانة

فی تركیة بدعوة من السلطان

وفی طریق سفرة مر بمصر وتعرف على نخبة من مشاهیر العلماء

والادباء فیها

كان الزهاوی ضعیفا تجاة جمال المراة وقد خفق قلبة للحب

اكثر من مرة وكان فی شبابة قوی البنیة سریع العدو یحب ركوب الخیل

ولة قدرة على الغوص تحت الماء والبقاء فترة طویلة

وصفة طة الراوی

كان الزهاوی عصبی المزاج سریع الغضب بعیدا عن الحقد والكراهیة

وكان شغوفا بالحریة الى ابعد الحدود ویطالب باطلاقها بشكل لا محدود

ولشدة ولعة بالحریة فقد ناضل كثیرا فی سبیل تحریر المراة من مفاهیم

العبودیة وقیود المجتمع المتخلف

كان الزهاوی شغوفا بالطالعة والكتابة لة نتاج كبیر

لم یعرف معنى الخوف فی حیاتة وتحدى الحكام والسلاطین ومنهم

السلطان عبد الحمید الثانی فی العدید من قصائدة

مواقفة وطنیة وهو مخلص للعراق بعیدا عن التحزب والفكر الشوفینی

وقد وقف مع ثوار ثورة العشرین ضد الانكلیز

رفض طلب الملك فیصل الاول ملك العراق بان یكون شاعر البلاط

بعد اعلان الحكم الملكی عام 1921

كان الزهاوی مولعا بالتدخین الذی كان یسرف فیة بقد زهدة

بالطعام

اصیب الزهاوی وهو فی الخامسة والعشرین من عمرة

بمرض عضال ولكنة شی منة الا ان اصابع رجلة الیسرى

اصیبت بالشلل كما انة اصیب اثناء حیاتة بمرض تصلب الشرایین

والفالج وامراض اخرى وفی اواخر عمرة لم یكن یستطیع

السیر طویلا

سار الزهاوی مرة اخرى الى الاستانة وعین سنة 1906 استاذا

للفلسفة الاسلامیة فی اكبر مدارسها ومدرسا للاداب العربیة فی جامعة

دار الفنون التركیة

مرض الزهاوی وهو فی الاستانة فعاد الى العراق وعین فی مدرسة الحقوق

وكان انذاك مستمرا فی الكتابة والشعر

انتخب الزهاوی نائبا عن لواء المنتفك الناصریة وبعدها انتخب نائبا عن بغداد

ودافع فی البرلمان عن حقوق العرب

بعدها عین عضوا فی مجلس الاعیان العراقی وكانت اراءة الجریئة مثا سخط

مما سبب فی عزلة عن المجلس

توفی الزهاوی عام 1936

من اثارة الشعریة

الكلم المنظوم نشر عام 1911

رباعیات الزهاوی عام 1924

دیوان الزهاوی 1924

ثورة اهل الجحیم وهی ملحمة شعریة عام 1931

بالاضافة الى ذلك فقد خلف الزهاوی وراءة صرحا  ادبیا الا وهو

مقهى الزهاوی فی شارع السرای فی بغداد الذی كان ملتقى

للادباء واصحاب الفكر والمثقفین حتى بعد وفاة الزهاوی

ولفترة طویلة وكان من بینهم نوری ثابت صاحب مجلة حبزبوز

وعادل عونی صاحب جریدة الحوادث وتوفیق السمعانی

صاحب جریدة الزمان والشاعر الشعبی الملا عبود الكرخی

كما زار هذا المقهى الكثیر من الشخصیات الاجنبیة

ومنهم شاعر الهند الكبیر طاغور

وقد رحب الزهاوی بطاغور قائلا

اهلا بشاعر الهند الملهم وحكیمها العظیم

فرد علیة طاغور

واهلا بشاعر العرب الفرید وفیلسوفهم العظیم

وكان من بین رواد هذا المقهى الدائمین الشاعر

محمد مهدی الجواهری والمكر العراقی علی الوردی

ومحمد بهجت الاثری وعلی الشرقی وبدر شاكر السیاب
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 13:56  توسط حسین منصور الناصری  | 

الحماسة فی شعر المتنبی

 

          

الحماسة فی شعر المتنبی

   

 

إذا كان مفهوم الحماسة یثیر فی الذهن من أول وهلة المعانی الحافّة بالحرب والقتال فإن الاقتصار على ذلك یغلق منافذ أخرى ذات أهمیّة یمكن أن توضّح أبعادا أكثر اتساعا تشمل مفاهیم الشدّة والشجاعة والقوّة بما قد لا یتصل إطلاقا بجوّ المعارك والقتال. وهذا من شأنه أن یجعل من المسألة قضیّة واسعة تتطلب من الدارس للشعر العربی أن یستقرىء أكثر من توجّه فی هذا النطاق.

وقد یتوهّم البعض منّا أن الغرض البارز فی موضوع الحماسة إنما هو شعر الفخر بالأساس وربّما یتعدّاه إلى شعر المدّح. غیر أن المنطق المتأنی یمكّن من تبیّن أنّ الحماسة قد تكمن حتى فی شعر الغزل بماهو استعراض من بعض الجوانب لحال العاشق الذی یفرض على نفسه الجهاد والصبر والمكابرة ومواجهة الصعاب للوصول الى متطلبات رحلته الوجدانیّة. ویكفی أن نذكّر فی هذا السیّاق بتقدیم عنتره نفسه فی صورة البطل الأرقى الذی یفرض على المرأة الإعجاب به والاحترام.

وتبعا لهذه الملاحظات یتطلب منّا العمل أن نتجاوز دراسة محور الحماسة عند المتنبی أو أبی تمام أو ابن هانىء أو سواهم بعیدا عن النمطیّة الجاهزة والتبویب الاعتباطی الحاضر نتیجة أحكام استباقیّة تتحكم فیها مواقف ما قبلیّة.

فأین تجلّیات الحماسة عند المتنبی؟ وماهی الدواعی التی عزّزت إبرازها وغلوّهاأحیانا فی شعره؟

إن من أهمّ المظاهر التی تتجلّى من خلالها حماسة أبی الطیب سمة التمرّد والتغنّی والتسامی والتعشق للقوّة فی كلّ مظاهر الكون بما یجعل من الإنسان یستمدّ كل معانی وجوده من هذه السّمات.

وقد تجسّدت هذه الرؤیة المتسامیة فی تحمیس الذّات وتحمیس الآخر. لذلك نرى أنّ شعر المتنبی الحماسی یكشف عن موقف الشاعر من نفسه وما یحمّلها إیّاه من متاعب جمّة وعن موقفه من العالم الخارجی وما یشترطه فیه وجوبا من ضرورات حتى یستطیع التناغم معه والتعایش. وهذا الآخر قد یكون ذاك الذی عاصره المتنبی أو حتى القارىء فی كل زمان ومكان.

إنّ أبا الطیب یتعامل مع ما حوله بكثیر من الرفض والثورة. فلیس من الهیّن علیه أن یتقبّل أمرا لم یتوافق مع أفكاره ومبادئه ونظرته الى الحیاة. فلقد رسم لنفسه حدّا لا أقل منه، ویظهر ذلك فی أكثر من مقام وأكثر من غرض وفی جلّ مراحل عمره: فی بدایة تجربة الحیاة، وبعد أن ضرب فی الأرض وخبر البلاد والعباد.

فالحمیّة اخترقت خلایاه وتخلّلت عقله وتغلغلت فی وجدانه حتى بدا الصبی أبو الطیب قد قفز على عمره وكسّر النمطیّة الجاهزة عن معالم الطفولة. فقد توطّنت فیه كبریاء العظماء وقوّة الرجال وصلابة الفحول وهو ما یزال فی سنّ الصبى بعیدا جدّا عن التبكیر تجاه أفكار الكبار:
أیّ محلّ أرتقی * أی عظیم أتّقی

وكلّ ما قد خلق * الله وما لم یخلق

محتقر فی همّتی * كشعرة فی مفرقی

تبدو قعقعة القاف مدوّیة، وهو الصوت الحلقی المزدوج الشدّة والحرف الحلقیّة الأخرى مزیجا من الأنین (الهمزة مرّتین) (ثم مرّة) فی البیت 1 ومزیجا من الاختناق (العین والخاء والحاء..) حتى بدا الكون مبعث اشمئزاز یستفزّ مجرّد العیش فیه أنفة المتنبی ویتوّقه فی تحمّس باد صوت الأعلى والأعظم والأمثل والنظر فی شعر الصبی یوضّح بجلاء أنها لیست مسألة عرضیة تلك التی تشغل المتنبی، ففی باطنه ما یدفع الى الحلم المنشود تلبیة لما یرومه «الطفل الكبیر» حتى كأنّ أبا الطیب ولد أصلا كبیرا وسیظلّ یحدّد لنفسه عبر مراحل حیاتها علامات السیر وأهداف الرحلة:
إن أكن معجبا فعجب عجیب * لم یجد فوق نفسه من مزید

وهذا الطفل الأعجوبة هو الذی سیلزم أبا الطیب بأن «یفترش» «صهوة الحصان» ویغامر الى عالم قدسی خارق للموجود صوب النجوم

مفرشی صهوة الحصان ولكنّ * قمیص مسرودة من حدید

ولیس إلا بهذا النهج الحركی یتمكّن المتنبی من إدراك الهدف:

إذا غامرت فی شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

وهو یعلم أنّ مثل هذه الرحلة لیست بالهیّنة، ولكن لا اختیار لمن ارتأى لنفسه طریقا مخصوصة به:

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت فی مرادها الأجسام

فالمتنبی یقسو على نفسه یحمّلها من المشاق ما لا طاقة للإنسان العادی به وكأنّه یروّضها على ماهو من مشمولاتها أو من المقتضیات التی یحب أن تصبح جزءا من مكتسباتها، مرغما لها على أن تكسّر الموروث.
وبهذا المنطق المتشدّد مع الذات، كأنّ المتنبی یعلم كل ذی نفس مهزوزة أو ضعیفة أنّ السبیل الى الانسانیة فی الإنسان لا تستوجب تردّدا أو تحتمل تشكیكا:
إذا اعتاد الفتى خوض المنایا * فأهون ما یمرّ به الوحول

یهون علینا أن تصاب جسومنا * وتسلم أعراض لنا وعقول
فالتضحیة بالجسد/ بالمادّة مهما عظمت هی السبیل الرئیسی لنیل الشرف الأخلاقی والعلمی.

إنّ المتنبی الإنسان والمتنبی الشاعر یتقابسان نار السیّادة ولذة الشموخ. وبذلك یتحوّل المتنبی رائد یحمّس النفوس الخائرة والمستخفین بالمنزلة العلیا على أن یراجعوا مفاهیمهم للكون. فالحماسة هنا تبدو أكثر من مجرّد حالة وإنما هی موقف وقرار ومسؤولیة وهی لیست أمرا اختیاریّا أو عرضیّا ظرفیا، بل هی سمة قارّة أساسیّة، إذ انتفت انتفى معها كنه الوجود وسرّ الحیاة.

لذلك حمّل المتنبی نفسه أعباء الحركة وحرّم علیها الركون الى الراحة لأن الراحة أصلا هی التعب السلبی، والتعب هو الراحة الایجابیّة.

یقول لی الطیب: أكلت شیئا؟ * وداؤك فی شرابك والطعام!

وما فی طبّه أنّی جواد * أضرّ بجسمه طول الجمام

فإن أمرض، فما مرض اصطباری * وإن أحمم فما حّم اعتزامی

فحتى لحظة المرض تصبح من المحرّمات لأنها العدّوة للحماسة والشدّة، تعوّد على الاسترخاء وتعلّم اللیونة، إنها باختصار عدوّة الرجولة.

ومن نفس المنطلق اعتبر الخمرة والمرأة عدوّتین لدودتین لأنهما مثل المرض:
ضعف ووهن للبدن والعقل وشدّ الى الاستقرار والجلوس:

ولا تحسبن المجد زقا وقینة * فما المجد إلا السیّف والفتكة البكر

وهذا ما یفسّر تمازج لغة العشق النسائی بعشق السلاح:
وغیر فؤادی للغوانی رمیّة * وغیر بنانی للزجاج ركاب

تركنا لأطراف القنا كل شهوة* فلیس لنا إلا بهنّ لعاب

وهذا ما یفسّر كذلك شبه خلوّ دیوان المتنبی من الغزل وهو الشاعر الذی ملأ الدنیا وشغل الناس.

إنّ فی هذا دلیلا جلیّا على أنّ ما یرنو إلیه یوجد فوق الأرض، هناك حیث المجد والأنا الأرقى بعیدا عن جاذبیّة النساء والخمّارات والجنس.

ولم یكن المتنبی مجرّد منظر للحماسة ومبدإ الشدّة، بل كان یعیش ذلك شاعرا وإنسانا. فقد تحمّس للكلمة الصادقة النابضة بأصالة العرب بعیدا عن كل عجمة ورطانة ودخیل، فلغة الأجداد لیست فی حاجة الى ردیف یشدّ أزرها بل هی قادرة بذاتها شموخا وصمودا فما حذقه المتنبی من بداوتها جعله مقتنعا بأنّه قادر على أن یسمع الأصمّ ویرى الأكمة الأعمى:

أنا الذی نظر الأعمى إلى أدبی * وأسمعت كلماتی من به صمم

ولهذا حقّر كل من قصّر عن القصیدة العربیة ولم یرق الى مستوى فصاحتها وبیانها:

بأیّ لفظ تقول الشعر زعنفة * تجوز عندك، لا عرب ولا عجم

ولعلّ هذا من الأسباب القویّة التی دفعت المتنبی للتعریف «بالمتنبی شاعرا» بین الآفاق وترتفع بشعره عن مدح من لم یكن فی مستوى الرجولة. مثل ذلك مثل ابن كیغلغ الذی ألحّ على المتنبی لیمدحه فما كان منه إلاّ أن هجاه.

فلشعر المتنبی تحفز نحو المغامرة وایصال صوت البیان وصداح البلاغة فی عصر كثر فیه العجم والعبید.

فلا بدّ أن یتوفر شعره على القدر الأعلى فی تحمّل الرسالة خدمة لقضیة العرب: اللّغة بوصفها الهویّة والانتماء والمستقبل.

وقد تحمّل أبو الطیب أعباء تلك الرسالة فحبّب الى النفس كل المعانی العربیّة الشامخة الضاربة بجذورها فی عمق الصحراء وشدّة البداوة وقساوة الحرارة.

حبّب الحریة ونفرّ من العبودیّة، وتغنى بالقوة وتأنّف من الجبن.

وأنشد أناشید الحرب وأغرى بساحات الوغى ولذائد النصر حتى بدت من الصور أغربها ومن الأبعاد أطرفها.

فالمتنبی رسم لنفسه هدفا فوق المعقول:

أرید من زمنی ذا أن یبلّغنی * ما لیس یبلغه من نفسه الزمن

فعزّة الشموخ قد التصقت بأبی الطیب حتى أصبحت ضربا من الغنائیّة العجیبة أحیانا مثلما تجلوه الأبیات التالیة:

لا افتخار إلاّ لمن لا یُضام * مدرك أو محارب لا ینام

لیس عزما ما مرّض المرء فیه *لیس هما ما عاق عنه الظلام

واحتمال الأذى ورؤیة جانیـ * ـه غذاء تضوى به الأجسام

ذّل من یغبط الذلیل بعیش * ربّ عیش أضفّ منه الحمام

ولم یكتف بذلك بل انعكس هذا التحمّس على علاقاته بالآخر.

حماسة المتنبی فی علاقتها بالاخر:

قد یكون هذا الآخر فی جانب منه أبا الطیّب نفسه فهو مهما یكن الأمر إنسان، وقد تأخذه بین الفینة والأخرى لحظات ضعف وانكسار إلاّ أنه ینتفض ویتقاوى ویتعاظم محمّسا نفسه ولائما أحیانا أو حتى مقرّعا:

صحب الناس قبلنا ذا الزّّمانا * وعناهم من شأنه ما عنانا

وتولّوا بغصّة كلهم منـ * ـه وإن سرّ بعضهم أحیانا

.. ولو أن الحیاة تبقى لحیّ * لعددنا أضلّنا الشجعانا

وإذا لم یكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تموت جبانا

صحیح أن النفس العام تطعن علیه غنائیة المنهار المستضعف ولكن القسوة الذاتیة من عمق الشخصیة تأبى التسلیم والرضوخ وتتوجه الى كل من یتربّص به الفناء كی یرفض الموت ویتمرّد علیه. إنّ الحلّ للخلود فی رفض الجبن أمام القضاء وأمام الزمان.

إنّه درس فی وجوب التمرّد وسبیل البقاء.

إنّ المتنبی ینتفض من بین أنقاض الهزیمة والاحباط لیجمع ما تشتّت من قواه الخائرة فی صراع بین القدرة والإمكان والممكن والمستحیل والكائن وما یجب أن یكون.

أبو الطیب یروّض النفوس على اختراق المستحیل وبدون ذلك لا یكون المرء جدیر بإنسانیته، فمقیاس الإنسان الحق أن یتعفّف ویترفّع فی صبر ضدّ قانون الطبیعة ذاته:

وأصدى فلا أبدی الى الماء حاجة * وللشمس فوق الیعملات لعاب

وإنّ المطّلع على مدحیّات المتنبی یلاحظ اصرارا عنیدا على جملة من القیم استهوته وأحبّها فی من مدح صادقا أو طبقا لمقتضیات طبیعة المدحیّة القاضیة بوجوب تمجید الممدوح.

فالقاموس الحماسی ینهل من مبادىء عربیّة ترّسخ للرجولة فی أعمق معانیها سواء أتعلق الأمر بما هو مجرّد طبع فی الانسان أو ماهو ضرورة من ضرورات الدفاع عن النفس والعرض والوطن.

فقد أفاض من عالمه الاسقاطی على من مدح من العظماء فحبّب للمتلقی الرجل الكریم الشجاع الفاعل.

ویتجلّى هذا بالخصوص فی استقرار أبی الطیب تسع سنوات مع سیف الدولة رغم كونه یأبى الاستقرار ویدعو جاهدا الى الحركة. ففی سیف الدولة ممیّزات رجولة وصلف وكبریاء. یضاف الى ذلك صفات المروءة التی تصبح علامة استفزاز ایجابیّة للجمیع، خاصة أنّ سیف الدولة تحولت المبادىء النظریة معه واقعا ملموسا یمارس للدفاع عن العروبة والاسلام.

یكلّف سیف الدولة الجیش همّه * وقد عجزت عنه الجیوش الخضارم

فلم تعد البطولة مجرّد قول فی معجمیّة الممدوح، وفی هذا تماه مع الماح:

أقلّ فعالی بلّه أكثر مجد * وذا الجدّ فیه نلت أم لم أنل جدّ

ومن نفس المنطلق تتحول القصیدة الهجائیة تجسیما لوهن قوى المهجو وخور عزیمته وكثرة نواقصه الرّجولیة وفی هجاء كافور مثلا ما یحمّس النفس والعقل معا أفرادا وجماعات للاستنكاف من كلّ ماهو انهیار قیمی كالخسّة والنذالة:

أمینا وإخلافا وغدرا وخسّة * وجبنا، أشخصا لحت لی أم مخازیا؟

فلا یتوقّف مفهوم الحماسة على غرض بعینه أو شخص أو زمان، فحتى عندما رثى جدّته، عوض أن یضعف المتنبی نراه یعلم الناس كیف تقلب.

ساعة الانحناء استقامة، ولحظة الیأس اندفاعا ووثوبا

كذا أنا یا دنیا إذا شئت فاذهبی * ویا نفس زیدی فی كرائهها قدما

فلا عبرت بی ساعة لا تعزّنی * ولا صحبتنی مهجة تقبل الظلما

إنّ معانی الحماسة فی قاموس المتنبی قد بلغت من الغرابة أحیانا أن تطال حالات یكون فیها الانسان مجبولا على القبول والتلطّف واللّین

فحتى المرأة الحبیبة إذا ما علقها الرجل، یجب أن تتحوّل عنصرا محفّزا لا مثبّطا، وعنصر تعال لا تدنّ.

لذلك استمالته المرأة البدویة لما هی علیه من طباع وسلوك تساهم فی إشعار الرجل برجولة مزدوجة، فارتباطه بها إنّما هو تقویة للصدق والجمال وكذلك الصلابة والإباء:

حسن الحضارة مجلوب بتطریة * وفی البداوة حسن غیر مجلوب

فالمتنبی ینفر من الرّیاء والكذب حتى بأصباغ الزینة والكلام. فللمرأة قدر من «الرجولة» لا بدّ أن یتوفر فیها لتكون جذّابة محترمة یخفق لها الوجدان والعقل معا. وفی هذا انتماء واضح الى أصالته المعهودة:

سوائر ربّما سارت هوادجها *منیعة بین مطعون ومضروب

وربّما وخدت أیدی المطیّ بها *على نجیع من الفرسان مصبوب

فاللغة والصورة غریبتان على غرض مثل الغزل: (الطعن والضرب والمناعة والنجیع والفرسان..) وكأنّنا فی ساحة وغى وقتال. إنها ملحمة الحبّ وهیجان الرجولة حتى فی الوقت الذی من المفروض أن تهدأ. فإذا كانت المرأة العادیة عنوان اضعاف للرجل فإنّ امرأة أبی الطیب تتحوّل عنصر تقویة لبثّ المزید من الشدّة. وقد تفاعل الشاعر مع هذا النمط من التفكیر والشعور، فاستهواه وتجلّت ملامحه فی غرض المدح.

فصورة النصر الباهر الذی توفرت مظاهره العدیدة على یدی سیف الدولة انتقل انبهارها الى قریحة أبی الطیب فهیّجت فیه شجون حبّ وهیام الى حدّ یشبه العشق والانتشاء الساحر. إنه یتملّى الجثث المتناثرة فوق جبل الأحیدب وقد أثخن القائد العربی فی صفوف الروح فبدّد شملهم وأنهك قواهم، فإذا المشهد مشهد زفاف وعروس ومدعوّین:

نثرتهم فوق الأحیدب كلّه * كما نثرت فوق العروس الدراهم

.. ولست ملیكا هازما لنظیره * ولكنّك التوحید للشرك هازم

تتداخل ملحمة القلب بملحمة الروح بملحمة الصورة العقلیّة الایحائیة.. ولا غرابة من منطق المتنبی: فقلبه یخفق حبّا وارتیاحا، وروحه تسبح لنصر الله فی شخص الممدوح، وعقله متفتّقة قریحته على صور إبداعیة ایحائیة تبحث عن الجدید غیر المسبوق.

فعین المتنبی متحمسة فی كل مقام ومع كل غرض وكل شیء، لأنها بكلّ بساطة لیست مستعدّة لغیر ذلك كی تراه وتتعشقه.

ولعلّ هذا ما یفسّر من بعض الوجوه، غیاب المقدّمات الطللیّة النسائیة العاطفیّة فی عدد من المدحیّات أو إیجازها أحیانا أخرى.

فالمتنبی لیس مستعدّا للوقوف أصلا، فما بالك إذا كان الوقوف للبكاء والضعف والتوّع.

لذا عوّض العقل القلب فی كثیر من مقدّمات المدحیّات، فحضرت الحكم والتأمّلا:

لكل امرىء من دهره ما تعوّدا * وعادات سیف الدولة الطعن فی العدى

أو قوله:
على قدر أهل العزم تأتی العزائم** وتأتی على قدر الكرام المكارم

وتعظم فی عین الصغیر صغارها** وتصغر فی عین العظیم العظائم


أبیات تدور على بعضها بعضا لتصنع فنّ التعشق للعظمة والبطولة والإباء، فیصبح منه بطل القصیدة عروبة تقارع عجمة، وإسلاما یناجز كفرا:

تشرّف عدنان به لا ربیعة * وتفتخر الدنیا به لا العواصم

فهذا البیت ورد فی آخر القصیدة لیفصّل القول فی ما تنبّأت به المقدّمة الحكمیّة، فالبطل الأسطوری یشده الرجال إلیه ویمنع الفراق ویعسّره:

یا من یعزّ علینا أن نفارقهم * وجداننا كل شیء بعدكم عدم

ورغم أنّ عصر المتنبی (القرن 4هـ) تباعدت فیه المسافة عن العصر الجاهلی وقیمه فإن عقل المتنبی ظل لصیقا به حتى كأنه غریب عن عصره ممّا عسّر العلاقة مع الآخر ـ فكافور ـ مثلا ـ كان نموذجا للرجل الذی كوّن نفسه بنفسه فقد قال فیه خیر الدین الزركلی فی «الأعلام»: «مازالت همّته تصعد به حتى ملك مصر سنة 355 هـ. وكان فطنا ذكیّا حسن السیاسة.. قام بتدبیر المملكة. قال الذهبی: كان عجبا فی العقل والشجاعة» ورغم كل هذه الشهادة الصارخة، فإنّ قراءة المتنبی لشخصیّة كافور أفسدت علیه رؤیة تلك الخصال، فأبو الطیب مأخوذ بعقلیّة عصبیّة عنصریة تحتقر المرء لمجرّد لونه الأسود، فكان ذلك وحده كفیلا بأن یطمس ما طبع بلاط الملك بأرقى أنواع المعرفة والمناظرات والمساجلات الفكریّة والأدبیّة فلم یبق من الرجل إلا جلدة زیتیة وشفران غلیظان ورجلان مضخمتان حتى كأنه السلیخة التی یُرمى بها فی سلة القمامة: نتونة وخصی ینفی كلاهما كلّ رجولة وكل سیادة.

من علّم الأسود المخصیّ مكرمة * أقومه البض أم أباؤه الصید

أم أذنه فی بد النخّاس دامیة * أم قدره وهو بالفلسین مردود؟

موقف واضح من الأعاجم كان من المفروض أن تغلیه عقلیّة الإسلام السمحة.

وهكذا نفهم كیف انتقى أبو الطیب أبطال أشعاره رمزا للبهاء فعلا، ورمزا للبهاء أصلا.

إنّ فكر الانتصار یجعل من الرجل قادرا حتى لو كان منفردا فی عصر الهزائم والانقسامات. وبهذا الاستثناء الخارج عن وعلى القاعدة جسّم بطله سیف الدولة:

وقفت وما فی الموت شك لواقف * كأنّك فی جفن الرّدى وهو نائم

وهذا ما یفسّر كذلك إعجاب الشاعر ببدر بن عمار وتصرّفه مع الأسد، فكان الرجل الأسطورة التی لا تحدث دائما:

أمعفّر اللیث الهزبر بسوطه * لمن إدّخرت الصارم المصقولا

.. سبق التقاءكه بثوبة هاجم * لو ل تصادمه لجازك میلا

خذلته قوّته وقد كافحته * فاستنصر التسلیم والتجدیلا

.. ما كلّ من طلب المعالی نافذا * فیها ولا كلّ الرجال فحولا

ومن یتبع جزءا من أولى مدحیّات المتنبی فی سیف الدولة یزداد تأكدا من تغلغل الحسّ الحماسی الملحمی الذی امتلك جوارح الشاعر فتواثبت لدیه الصور تدور على نفسها فی تناغم داخلی یحاكی دوران الجیش على الجیش والتحام الأبطال بالأبطال حتى تخترقك الكلمة بإیحاءاتها تفعل فعل الساحر فی جلبه لأمجاد الأجداد عروبة وإباء واصرارا. طبیعة متحرّكة صبحا لیلا وسیوفا وقنا، تتآزر لتصنع المجد والسؤدد جناس وطباق ومقابلات واطناب وتكرار
صور تولّد صورا فی لغة لا تعترف بخدیل، فی قدرة عجیبة على الإخصاب الذاتی:

فقد ملّ ضوء الصبح ممّا تغیره * وملّ سواد اللیل ممّا تزاحمه

وملّ القنا ممّا تدق صدوره * وملّ حدید الهند ممّا تلاطمه

سحاب من العقبان یزحف تحتها * سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه

بهذا المستوى من الرؤى الشعریة تفرّد المتنبی فاغترب، وعاش حیاة أبعد ما كون عن الهدوء والقرار. وتلك ضریبة الرجولة عندما تفرض على أصحابها ممّا عجزوا عن أن یتنكّروا للهویّة والانتماء، الانتماء الى اللّه إسلاما والى الإنسان عروبة وفی تكامل أفقی عمودی بینهما نقطة التقادح والخلود: فالإنسان قبس من روح اللّه.
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 13:50  توسط حسین منصور الناصری  | 

ابن علقمي

ابن علقمي
 
نام هاي ديگر: محمدبن احمدبن محمد،مؤيّدالدين بن علقمي ،
موطن: بغداد
نام پدر : احمد
تاريخ وفات: 656قمري
-----------------------------------------------------------------------------

«سياستمدار فرهيخته»

ابوالحسن رباني

 


مقدمه
محمدبن(1) احمدبن محمد(2) معروف به «ابن علقمي» دانشمند بزرگ شيعي قرن هفتم هجري و وزير آخرين خليفه عباسي بود که خدمات شاياني به مکتب شيعه کرد.

لقب او مؤيّدالدين(3) و کنيه اش ابوطالب(4) معروف به ابن علقمي(5)/(6) بود و در سال 593 ه.ق ديده به جهان گشود.

ابن علقمي، وزير با کفايت شيعه، اهل بغداد بود و در آن شهر رشد يافته سرانجام به وزارت رسيد. به همين دليل محدث قمي(7) و محقق مصري که کتاب نهج البلاغه ابن ابي الحديد را تحقيق و بررسي کرده است، هر دو با عنوان. ابن علقمي بغدادي(8) از وي ياد کرده اند. همچنين تا آنجا که نويسنده مقاله تتبّع کرده است در بيشتر کتابها او را به بغداد نسبت داده اند و کسي با عنوان قمي و «ايراني الاصل» از وي ياد نکرده است.

البته مرحوم شهيد قاضي نوراللّه، مؤلف کتاب «مجالس المؤمنين» مي نويسد:

«چون وزير قمّي الاصل بود، در مذهب تشيع و محبّت اهل بيت (ع) و شيعه ايشان غلوّ مي کرد(9).»

ولي به نظر مي رسد اين ديدگاه، با حقايق تاريخي موافق نباشد و شايد مرحوم قاضي به اندازه کافي دقّت نکرده است. آري! ممکن است وجود وزير ديگر به نام «مؤيدالدين محمدبن محمدبن عبدالکريم قمّي» (وزير مستنصَر عباسي)(10) و «شرف الدين ابوطاهربن سعدالقمي» (وزير ملکشاه سلجوقي) که هر دو شيعه بودند(11)، موجب اين اشتباه شده باشد.

مورّخ معروف اهل سنت «محمد شاکر کتبي» مي نويسد: ...«علي مؤيدالدين» از دنيا رفت، و او يکي از استادان «دارالخلافه» بغداد بود(12).

لذا نويسنده بر اين باور است، چون لقب ابن علقمي همانند لقب محمدبن معروف به مؤيدالدين وزير مستنصر بود، چنين اشتباهي روي داده است.

اعتقاد مذهبي
اين وزير باکفايت و مدبّر به مذهب مبارک اهل بيت و مذهب شيعه اماميّه اعتقاد راسخ و محکم داشت. «ابن کثير شامي»، از مورخان بزرگان اهل سنت، مي نويسد: «او از رافضيان بوده»(13) صاحب کتاب: «النجوم الزاهره»(14). معتقد است: تمام اين کارها (کشته شدن خليفه عباسي و فتح بغداد بدست سپاه مغول) از کارهاي وزير، ابن علقمي رافضي بود(15).

ابن عماد حنبلي در «شذرات الذهب» تصريح مي کند: ابن علقمي مرد بسيار فاضل، اما در عقيده و مرام تشيع خود بسيار متعصّب و تندرو بود(16).

در ميان علماي شيعه نيز مرحوم قاضي شهيد، شيعه بودن او را مسلّم دانسته است و محدث قمي از وي با عبارت «ابن علقمي وزير بغدادي و شيعه»(17)/(18) ياد مي کند.

مورخ معروف صاحب کتاب «النجوم الزاهره» نيز ابن علقمي را حريص به ساقط کردن دولت بني عباس مي دانست و معتقد بود که ابن علقمي مي خواهد حکومت را به دست علويّين بسپارد.


شخصيّت ادبي وزير
با اينکه ابن علقمي از رجال سياسي و دولتي بود در عين حال يکي از چهره هاي فرهيخته و فرهنگ دوست نيز شمرده شده. او به دانش و اعتلاي آن، اهميت فراوان مي داد به همين دليل تمام مورخين شخصيت فرهنگي و علمي او را قبول دارند، حتي بعضي از علماي عامّه که عبارات تندي بر ضد وي به کار برده اند نتوانسته اند اين بُعد مهمّ از شخصيت او را انکار کنند. ابن کثير شامي که نويسنده اي متعصّب و مخالف سرسخت ابن علقمي است، درباره اثرش مي نويسد: «او در امر انشاء و نويسندگي و شعر و ادب، از افراد بسيار فاضل بود(19).»

مؤلّف «الوافي» نيز درباره اش مي گويد:

«در نزد ابن علقمي فضائل زيادي بود(20) در زمينه نويسندگي و ادب و فرهنگ ولي او يک شيعه انقلابي پرشور و رافضي بود(21).»


مملکت داري
اداره کشور در حدّ وزارت نيازمند تجربه و کفايت و سياستمداري است که اين صفت در ابن علقمي به طرز بارزي ظهور يافته بود. «محمّدبن شاکر کتبي» صريحا اعلام مي کند که اين وزير مستعصم، وزيري با کفايت، مطّلع و آشنا به امور مملکت داري بود(22). مرحوم محدّث قمي نيز همين نظر را در کتاب «الکني و الالقاب» بازگو مي کند(23).


احترام به علما و دانشمندان
وزير کاردان شيعي در برابر دانشمندان و اهل فرهنگ و ادب مراتب احترام را به جا مي آورد و با مردمان دانش پژوه و افراد صاحب زهد و تقوي رفتار کريمانه داشت و براي رُشد دانش و علم در جامعه اسلامي آنان را تشويق مي کرد، لذا نوشته اند: وزير به علماء و افراد با تقوي بسيار علاقه مند بود(24). او کارهاي عامّ المنفعه زيادي انجام داد، از جمله به ساختن مساجد، مدارس ديني، بيمارستان، آب انبار و پلها رو مي آورد. ابن ابي الحديد معتزلي، کتاب «شرح نهج البلاغه» را که از مهمترين شرح هاي اين کتاب مبارک است، به تشويق و تأييد اين وزير علم دوست نوشته و در مقدمه کتابش از ابن علقمي بسيار ستايش کرده است و تعابيري درباره او به کار برده که گوياي بزرگي مقام اين وزير بافرهنگ است(25).

ابن علقمي در برابر اين خدمت بزرگ «ابن ابي الحديد» هزار دينار زر سرخ و خلعت ها به او هديه کرد(26).(27)

يکي ديگر از عالمان بزرگ اهل سنّت به نام «صنعاني» کتاب «عُباب زاخر و لُباب فاخر» را به نام او نوشت و مدح و ثناي فراواني از اين وزير شيعه کرد(28).(29)


سياست و ابن علقمي
مدّت وزارت و دولت اين شخص با کفايت چهارده سال به طول کشيد(30). در اين زمان طولاني وي وزير آخرين خليفه عباسي به نام «مستعصم» بود، چون اين خليفه در سال 640ق به خلافت رسيد و در سال 655ق کشته شد(31).

آغاز و فرجام حکومت عباسيان
دوران حکومت و خلافت سلسله بني عباس از طولاني ترين و سخت ترين دوره هاي حکومت است سلطنت آنها در قالب خلافت اسلامي (متأسفانه آنچه وجود نداشت خلافت اسلامي بود). آنها خود را جانشينان پيامبر اکرم (ص) و خلفاء راشدين مي دانستند ولي در عمل تنها به فکر سلطنت و قدرت طلبي بودند به مصلحت و سرنوشت امّت اسلامي نمي انديشيدند.در عهد حکومت اين سلسله چندين تن از امامان معصوم، بزرگان و دانشمندان بزرگ مکتب شيعه شهيد شده يا در زندان با غربت و تنهايي و شکنجه جان دادند آغاز حکومت اين خاندان از سال 132 ه.ق شروع و تا سال 655 ه.ق طول کشيد که حدودا 523 سال سلطنت کردند(32).

سقوط حکومت بني عباس
هلاکوخان با سپاه انبوه و جنايتکار خود از همدان به قصد بغداد حرکت کرد، خبر حمله ور شدن او به وزير ابن علقمي رسيد. در مرحله اوّل وزير به خليفه عباسي پيشنهاد کرد هدايايي گرانبها به رسم پيشکش به او اهداء کند تا هلاکو از تصرّف بغداد، پايتخت عباسيان منصرف شود، اما بعضي از اطرافيان خليفه را از اين کار باز داشتند و چنين وانمود کردند که وزير مي خواهد هدايا را خود بردارد.

خليفه هداياي کم ارزشي را روانه کرد. هلاکوخان آنها را کوچک شمرد و دستور داد آنها را به خود خليفه برگردانند و آنگاه دستور حمله به بغداد را صادر کرد. سپاه مغول اين شهر را از طرف شرق و غرب محاصره کرد و به گفته مورخان، لشکر مغول حدود دويست هزار نفر بودند(33). قبل از اينکه سپاه مهاجم شهر را تصرّف کند، وزير باتفاق اهل و خاندان و حَشَم خود به اردوگاه سپاه مغول آمد و با هلاکو گفتگو نمود. بعد از مذاکرات به بغداد برگشت و با خليفه ملاقات کرد و به او گفت: نزد هلاکوخان برو، تا شايد مصالحه و سازشي شود و نصف خراج عراق از مغول و نصف ديگر از آن تو شود.

خليفه با هفتصد نفر از بزرگان پيش سلطان مغول آمد. هلاکو دستور داد جز خليفه و شش نفر ديگر همه را کشتند.

آنگاه مستعصم عباسي را به همراه خواجه نصيرالدين طوسي و ابن علقمي به بغداد آوردند و آنجا به دستور هلاکوخان آخرين خليفه عباسي را هم کشتند. ابن کثير که براي خليفه عباسي خيلي متأثّر و ناراحت است، مي نويسد: تعداد سربازان خليفه از مرز بيست هزار نفر تجاوز نمي کردند. همين تعداد هم در نهايت سختي و ذلّت به سر مي بردند به طوري که در خيابانها و درهاي مساجد از مردم گدايي مي کردند. در حالي که به گفته مورخان هنگامي که قوم غارتگر مغول در دروازه هاي شهر بغداد بودند، خليفه در کاخ خود با کنيزکان و زنهاي آوازه خوان مشغول خوش گذراني بود(34).(35)

بعضي از مورخان گفته اند که براندازي حکومت خاندان بني عباس به دستور جناب خواجه طوسي و ابن علقمي وزير بود(36). اما اين سخن دور از حقيقت است و دليل و مستدلّي که اين را اثبات نمايد در دست نيست، بلکه بايد عامل اضمحلال بني عباس را در فساد داخلي و شهوت راني خليفه و درباريان، ظلم و ستم به رعيّت و مخالفت با مکتب اهل بيت عصمت و طهارت دانست. البته وزير ابن علقمي تلاش مي کرد تا حکومت به دست شايستگان از اُمّت و پيروان آل علي (ع) برسد گرچه متأسفانه اين هدف خير جامه عمل نپوشيد، اما هرگز تماميت جامعه اسلامي را در مقابل کفار را فدا نمي کرد.

رحلت ابن علقمي
بنا بر نظريه مشهور ابن علقمي در سال 656 و در اواسط قرن هفتم هجري در بغداد و در 63 سالگي در آنجا وفات يافت. البته در آخر عمر زندگي بر او سخت شد و با شدّت و اندوه از اين جهان رخت بربست و به سوي معبود متعال پرکشيد.


فرزندان و محل دفن او
دو پسر داشت(37) که گويا آنان هم مانند پدر خود اهل دانش و سياست بودند و يکي از آنها به مرتبه وزارت رسيد(38). امّا محل دفن او دقيقا معلوم نيست که در کجا واقع است، با اين حال برخي گفته اند او را در گورستان شيعيان دفن کرده اند(39). تصور مي شود که مقصود از گورستان شيعيان مقابر قريش باشد که همان «کاظميّه» فعلي است و مرقد مطهر و منوّر حضرت امام موسي بن جعفر و امام جواد (ع) در آنجا است.


«پي نوشتها»
1 - الوافي بالوفيات، ج 3، ص 255.

2 - الکني والالقاب، ج 1، ص 350.

3 - البدايه والنهايه، ج 13 - 14، ص 225.

4 - الکني و الالقاب، ص 9.

5 - شرح نهج البلاغه، ابن ابي الحديد، ج 1، ص 4.

6 - مجالس المؤمنين، ج 2، ص 11ح.

7 - همان، ص 9.

8 - شرح نهج البلاغه ابن ابي الحديد، ج 1، ص 4.

9 - مجالس المؤمنين، ج 2، ص 411.

10 - همان، ص 439.

11 - همان، ص 461 و منتخب التواريخ، ص 510.

12 - الوافي بالوفيات، ج 3، ص 252.

13 - رافضي در ميان علماء اهل سنت اصطلاحي است وقتي امام يکي از اصحاب ائمه و يا بعضي از علماي شيعه را در کتب خود مي آورند و مي خواهند مذهب و اعتقاد او را بيان کنند مي گويند: او رافضي است.

14 - البدايه والنهايه، ج 14 - 13، ص 227.

15 - النجوم الزاهرة، ج 4.

16 - شذرات الذهب، ج 3، ص 272.

17 - الکني والالقاب، ج 1، ص 350.

18 - النجوم الزاهرة، ج 2.

19 - البدايه والنهايه، ج 14 - 13، ص 224.

20 - الوافي، ج 3، ص 254.

21 - وکان عنده فضيله، في الاشاء کان شيعيا جلدا رافضيا.

22 - الوافي، ج 3، ص 254.

23 - الکني و الالقاب، ج 1، ص 250.

24 - همان، کان محبا للعلماء والزّهاد و...

25 - شرح نهج البلاغه، ابن ابي الحديد، ج 1، ص 4.

26 - منتخب التواريخ، ج 3، ص 512.

27 - مجالس المؤمنين، ج 2، ص 460.

28 - همان.

29 - شرح نهج البلاغه ابن ابي الحديد، ج 1، ص 4.

30 - الوافي بالوفيات، ج 3، ص 253.

31 - حيوةالحيوان؛ دميري، ج 1، ص 139.

32 - البدايه والنهايه، ج 14 - 13، ص 225.

33 - همان.

34 - همان.

35 - حيوةالحيوان، ج 1، ص 139.

36 - البدايه والنهايه، ج 14 - 13، ص 226.

37 - دائرةالمعارف شيعه، ج 4، ص 326 والبدايه والنهايه، ص 225.

38 - همان.

39 - انه دفن في صبورالروافض ابن کثير در البدايه والنهايه و ساير کتب

+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 13:45  توسط حسین منصور الناصری  | 

لواقعی والتخیلی فی ألف لیلة ولیلة

لواقعی والتخیلی فی ألف لیلة ولیلة

 

 

ما من عمل أدبیّ شعبیّ نال شهرة واسعة فی آداب المجتمعات الإنسانیّة أكثر من ألف لیلة ولیلة. وكثیرة هی الدراسات التی تناولت هذا العمل فی جوانبه المتعدّدة، بوصفه نتاجاً معرفیّاً وحضاریّاً لكثیر من الأمم والشعوب. ویمكن القول: إنّ حكایات ألف لیلة ولیلة تعبّر عن مخزون الذاكرة المعرفیّة الجمعیّة للمجموع الإنسانیّ عبر رحلته التاریخیّة والحضاریّة، هذه الذاكرة التی عایشت تاریخ المجتمعات، وعاداتها وأحوالها، والتحولات الفكریّة والسیاسیّة لهذه المجتمعات فی تطوّرها الحضاریّ. ومن هنا فإنّ السرد الحكائیّ فی لیالی ألف لیلة ولیلة لیس سرداً بعیداً عن الإیدیولوجیا الّتی تشكّل خلفیّة معرفیّة، یؤسّس علیها الرّواة مقولات أبطالهم الفكریّة، وحركة هؤلاء الأبطال، وما یقومون به من أفعال، ولیس هذا السرد بعیداً عن التاریخ والسیاسة. وكل محاولة لدراسة حكایات ألف لیلة ولیلة بعیداً عن بنیة المجتمعات التی تتحدّث عنها اللّیالی ستفرض علینا اعتبارها عملاً تخیلیّاً صِرْفاً، وبالتالی ستفقدنا المتعة الكامنة فی السرد الحكائیّ المرتحل فی مدن هذه المجتمعات، وفضاءاتها المتعددة، وعلاقاتها الإنسانیّة والطبقیّة الّتی یمكن أن تكون علاقات قد قامت فعلاً، فی زمان تاریخیّ معیّن، وفی فضاء مكانیّ معروف.

وإذا كانت ‎حكایات ألف لیلة ولیلة تنهل من كثیر من الأبعاد الأسطوریّة والخرافیّة، والأحلام البشریّة الجمعیّة الجامحة للطبقات الوسطى والفقیرة، فإنّ ذلك لا ینفی أن تكون هذه الحكایات قد نهلت من بنیة الواقع بعلاقاته وعاداته، ومكوّناته الفكریّة والرؤیویّة، ولا ینفی أن تكون هذه الحكایات رصداً أنثروبولوجیاً لحضارة الجماعات البشریّة بأزمنتها وأمكنتها، لأنّ هذه الأزمنة والأمكنة ـ وإن كان من المحتمل أن تكون تخیّلیّة ـ متشكّلة بفعل الخبرات المعرفیّة للرّواة الذین قرأوا كثیراً من معارف عصورهم والعصور التی سبقتهم أو حفظوها بعد أن سمعوها شفاهیاً ـ قد تكون حقیقیّة، بل هی أقرب إلى الحقیقة منها إلى التخیّل.

إنّ وضع اللمسات على الحدود الفاصلة بین ما هو واقعیّ وبین ما هو تخیّلیّ وحلمی فی ألف لیلة ولیلة من الصعوبة بمكان، إذ لا یمكننا أن نحدد بدقّة متى ینتهی الواقعیّ ومتى یبدأ التخیّلی، لأنّ الواقعیّ فی مدن ألف لیلة ولیلة یبدو أحیاناً أغرب من التخیّلی نفسه، من حیث سحریّته وعجائبیّته.

وكذلك نجد أنّ السّرد التاریخی فی حكایات ألف لیلة ولیلة، وفی بعض الأحیان، لا یعنی مجرد ذكر الحادثة التاریخیّة بشخوصها و أفعال هذه الشخوص، وعلاقاتهم فی الزمان والمكان، بل هو یخرج عن إطار الحدث ومحدودیّته ومصداقیّته، لیصبح سرداً مؤسطراً یتجاوز ما هو تاریخیّ إلى ما هو تخیّلی وحلمی. فعلى سبیل المثال یُلاحظ ـ أحیاناً ـ أن السّرد الذی یذكر الخلیفة العباسیّ هرون الرشید یتخطّى حدود التاریخ، لیُدخل هذا الخلیفة فی دائرة العجائبیّ الأسطوریّة، إذ یبدو مستهتراً ماجناً، وعاشقاً مغتلماً، لا همّ له إلاّ إشباع لذائذه الجنسیّة، وباطشاً مستبدّاً بأقرب المقرّبین إلیه، وزیره جعفر البرمكی، وقادراً على إخضاع الجان لمشیئته.

ویبدو أنّ الراوی سبق له وأن رأى كثیراً من أخطاء الدولة العباسیّة، وتجاوزات خلفائها وسلطاتها لما هو شرعی ودینیّ وأخلاقی، فعمد إلى تبنّی إیدیولوجیا مضادة لإیدیولوجیا هذه الدّولة، ومن خلال هذه الإیدیولوجیا المضادة أضفى على تاریخ خلفاء هذه الدولة ـ ومنهم الخلیفة هرون الرشید ـ سرداً نأى عن الحدث التاریخیّ بواقعیّته، وحقیقة أبطاله، ومسیرتهم التاریخیّة، على أنّ أیدیولوجیا الرّاوی فی نهایة المطاف لیست فردیة، ولا یمكن أن تكون كذلك، لأنّها تمثّل رغبة الجماعات المستضعَفَة ـ بفتح العین ـ والفقیرة، والمحرومة، فی الدولة العباسیّة وتطلّعاتها. ومن هنا یبدو طبیعیاً أن تشكّل نصوص ألف لیلة ولیلة حقلاً مرجعیّاً، ووثیقة تاریخیّة واجتماعیّة، یمكننا من خلالهما أن نفهم طبیعة الإنسان والمجتمع، والحضارات الإنسانیّة، وقیمها وأعرافها، وأنظمتها الفكریّة والسیاسیّة، إذ لا یمنع التخیّلیّ الخارق فی ألف لیلة ولیلة هذه اللیالی من أن تكون هذا الحقل المرجعی، لأنّ التخیّلی ـ ومهما كان خارقاً وعجائبیّاً ـ فإنّه فی نهایة المطاف یستمدّ كثیراً من عناصره التخیّلیّة من الواقع وإشكالیاته، وحركته، وقبحه وجماله، وأحلام جماعاته، وهو بهذا یعمل على تخطی هذا الواقع، لیؤسّس مكوّناته التخیّلیة الجمالیة المتجاوزة لهذا الواقع، والقادرة على الدخول بالذات الإنسانیّة إلى عوالم سحریّة أخّاذة ملیئة بالدهشة والغرابة.

وإذا كانت بعض العلاقات الاجتماعیّة والسیاسیّة التی ظهرت مدن ألف لیلة ولیلة علاقات عجائبیّة سحریّة لا تتحقق إلاّ فی الحلم والتخیّل، وأوهام الذاكرة، و وفقاً لنسق میثولوجی وسحریّ، فإنّ كثیراً من مدن ألف لیلة ولیلة كانت مدناً واقعیّة معروفة بتاریخها وحكّامها، وطبیعة الحیاة فیها بمختلف أشكالها، فلقد قامت هذه المدن منذ القدیم، وعُرِفت، ولا تزال معروفة حتى الآن، ومن هذه المدن: بغداد والبصرة والكوفة، و دمشق، وحلب، وصنعاء، والقاهرة والإسكندریّة، وفاس و مكناس، وغیرها من المدن الكثیرة التی ذكرتها نصوص اللیالی، فی حین أنّ مدناً وجزراً أخرى ذكرتها اللیالی، كانت غایة فی العمران والهندسة المعماریّة الفائقة فنّاً وإبداعاً، وتخطیطاً جمالیاً مدهشاً، غیر أنّ هذه المدن، إذا حاولنا أن نتتبّع معالمها على الخریطة الجغرافیّة الحدیثة ـ بعد أن تشكل العالم الحدیث تشكُّلاً جغرافیاً جدیداً ومعروفاً من حیث معالمه وحدوده وبحاره ومحیطاته، وعواصمه ودوله ـ فإنّنا لن نجد أسماء لهذه المدن. فإمّا أن تكون قد اندثرت بفعل عوامل الطبیعة من زلازل وبراكین، وسیول وأنهار، وإمّا أن تكون قد تغیّرت أسماؤها، بفعل التحولات التاریخیّة والجغرافیّة التی تعرّضت لها قارات العالم وفق تشكّلاتها الجدیدة، وإمّا أن تكون مدناً قد تشكّلت مورفولوجیّاً وجمالیاً وفق رؤیة الرّواة الجمالیّة الخاصّة، ومن خلال عملیات التخیّل والحلم، أو من خلال المثاقفة الفكریّة والحضاریّة بین ثقافة رواة ألف لیلة ولیلة وبقیّة الثقافات الأخرى، هذا إذا أخذنا بعین الاعتبار أنّ هؤلاء الرّواة كانوا على قدر كبیر من العلم والمعرفة، إذا اطّلعوا على ثقافات الشعوب وعاداتها وتاریخها وأدبها، وعادات مدنها. وإمّا أن تكون هذه المدن قد خُرّبت وتهدّمت بفعل صیرورة التاریخ نفسه، وحركات الاضطراب والفتن والثورات المعارضة والحروب، وبالتالی تأسّست مدن جدیدة بدلاً منها، وبأسماء جدیدة، وإمّا أنّها انتهت بزوال سلطتها السیاسیّة وقوّة ملكها، لأنّ » الأمصار التی تكون كراسی للملك تخرب بخراب الدولة وانتقاضها (…)، [و] الدولة إذا اختلّت وانتقضت فإنّ المصر الذی یكون كرسیّاً لسلطانها ینتقض عمرانه وربّما ینتهی فی انتقاضه إلى الخراب .. «(1).

ومن هذه المدن التی ذكرتها حكایات ألف لیلة ولیلة، والتی تبدو مجهولة، أو التی لم تعد محتفظة بأسمائها فی خارطة التسمیات الجغرافیة المعاصرة: مدینة النحاس(2)، ومدینة اختیان الختن(3)، والطیران،(4) وجوهر تكنی(5)، وواق الواق(6)، والمدن والجزر الكثیرة التی كان یصل إلیها السندباد البحری، كمدینة الملك المهرجان(7)، ومدینة القرود(8)، وإقلیم الملوك(9)، وجزیرة السلاهطة(10)، وتلك التی لا تأخذ اسماً، وهی معظم الجزر التی وصل إلیها فی رحلاته السبع، ومدینة أخرى، یبدو أنّ الرّاوی لا یعرف اسماً لها، إذ یقول عنها:

» والله لا أعرف للمدینة (…) اسماً ولا طریقاً «(11). یُضاف إلى ذلك مجموعة كبیرة أخرى من المدن المتخیّلة التی تتوزّع على حكایات ألف لیلة ولیلة، والتی شكّلها الرّواة من خلال قراءاتهم الكثیرة فی الأساطیر والخرافات والحكایات الشعبیّة، ویبدو أنّ جمیع مدن ألف لیلة ولیلة الواقعیّة والمتخیّلة غیر المعروفة، باختلاف تشكیلاتها الاجتماعیّة وتوجهاتها الدینیّة، هی مدن موشّاة بالسحر والأسطورة والغرابة، وقلّما نجد مدینة فی ألف لیلة ولیلة إلاّ ولها سحرتها الخاصّون، ومنجّموّها الذین یستشعرون الخطر قبل قدومه، ونساؤها الخبیرات فی جمیع فنون المكاید والحیل والمكر، ورجالها السلطویّون الذین أفنوا أعمارهم فی مجالس الشراب والطرب، والتمتع بأجساد الجواری، والحروب الطاحنة، رغبة فی تعزیز بطشهم وسلطاتهم، بعیداً عن أیّة قوانین أو شرائع إنسانیّة أو أخلاقیّة، من شأنها أن تحمی مواطنیهم البسطاء من شرورهم واستبدادهم.

إنّ قسماً من مدن ألف لیلة ولیلة مدن واقعیّة معروفة عبر منها رجال التاریخ السلطویون فارضین رؤیتهم وقسوتهم، واستبدادهم المطلق بشعوبهم، والقسم الآخر مدن متخیّلیة شكّلها عدة رواة متشعّبو الثقافات، وینتمون إلى حضارات متعددة، متعاقبة، ومتجاورة زمنیّاً وتاریخیّاً.

و تعدّ حكایات ألف لیلة و لیلة من بین أكثر النصوص الأدبیة الإسلامیة والعربیة تأثّراً بالمجتمعات العربیة و الإسلامیة، و بخاصة فی عهد الدولتین الأمویة و العباسیة، بعلاقاتها السیاسیة و الاجتماعیة، فقد صوّرت هذه الحكایات عادات المجتمعات العربیة و الإسلامیة، و أنماط معیشتها، و عرّجت على تركیبتها الطبقیة و السیاسیة، و وقفت طویلاً عند مظاهر الترف و اللهو و الفجور التی انغمس بها كبار رجال السلطة ونساؤهم و أبناؤهم، و عرّجت على هموم الفقراء و المهمشین و مآسیهم فی هذه المجتمعات، و أشارت بشكل جریء إلى فساد الرجال والنساء فی هذه المجتمعات المنفتحة حضاریاً و معرفیاً على ثقافات الحضارات الأخرى المجاورة.
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 12:52  توسط حسین منصور الناصری  | 

قراءة فى شعر محمد الماغوط

 

قراءة فى شعر محمد الماغوط

  

 

یتداخل النص الشعرى اعتماداً على تداولیة ما یجرى فى الفضاء المحیط، والدواخل الغائرة لمنتج النص.. ولا یُنتَج النص كتداولیة حرفیة تفتقد الحمیمیة وتنأى - فى عدید الأحیان - عن الصدق الروحی، إنّما كحاجة یتطلبها السؤال السرمدى للإنسان: لماذا أنا هنا ؟! ... ومن هذا السؤال تنبرى جموع الأستفهامات المتلاحقة بحثاً وتفصیلاً، وقوفاً وتعللاً لأنَّ النص تمخِّضٌ روحى یُنتج روحاً لها قابلیة الإرهاص والتأجج، وفیها حتمیة الاستمرار ورهزة البقاء.

وإذا كان شعرنا العمودى القدیم والمتقدِّم عبر الحقب جاء بمعظمهِ انثیالاً، وتدفَّقَ سیلاً من صور وتعابیر یقولها مَن أراد القول، ویبوح بمفرادته مَن هوى البوح، ورأینا إلى شعراءَ یتجیَّشون - نقلت الذاكرة الجمعیة أسماءهم ونصوصهم فیما اندثر الكثیر منهم ومن إفاضاتهم - فإنَّ شعر الیوم لیس كذلك. لیسَ من الیُسر قوله، ولا من البساطة الكتابة بكلمات سیُقال عنها شعراً.. إنّهُ أقسى من ذلك وأعقد. دروبه أكثر مطبّات، والتواءاتُه أكثر شراكاً. یدخلها المستسهل فیتعثّر فى أول الخطی، ویلجّها المُستهین فینكفیء مطعوناً بالتلكؤ والخیبة، فقد أصبح الشعر صراعاً لا هوادة فیه مع الكلمات والمعانی، كما أصبح جهاداً وتعذیباً للقوى العقلیة من أجل الوصول إلى مرحلة الإدراك. كما یشیر لذلك جیمس مكفارلن (ہ)، هذا إذا تناولنا شعرنا المتوارَث الذى بنى صروحه على هیكلیة الوزن والقافیة، وراكم وجوده قروناً متعاقبة، فما بالك بالوافد الجدید الذى لا یتجاوز أكثر من نصف قرن وأقصد به الشعر المنثور، مَن تجمعت الأصوات واقتربت من التوافق على تسمیته بقصیدة النثر وهو بحاجة إلى ذائقة خاصة. ذائقة تخرج عن إطار المتوارث بقصدیة التعلّم الذى هو حاجة. حتّى لو كان ذلك صعباً بدعوى أنَّ الذائقة مجبولة على متوارَث مهیمن له رنینه وموسیقاه الغائران فى أعماق طبقات التذوّق. والمتلقى فى مسعاه لارتشاف واغتراف ما یشیع الرغبة ویحقّق فعل الشغف لا بدَّ أن یهیئ ذائقته لتحویل المشهد النثرى إلى صرح قصیدى شعرى یتساوق وتكیّف الذائقة، یتماهى وغرض النص، إذْ ینبغى أن یكون فى داخل كل قارئ شعر، قاریء نثر. والجهد المبذول فى جعل نص شعرى قصیدة یتطلّب زیادة فى الطاقة تفیض عن إفشال التأویلات النثریة. وإذا لم یجهد القارئ نفسه فى مشهد نثرى فلن تحضر القراءة الشعریة. والمهارة التى یتطلبها التأویل الشعرى تتضمن اهتماماً قویّاً بالمعنى النثرى مقروناً بالاستعداد للاندفاع وراء المعنى الشعرى لتولید معانٍ جدیدة. (ہہ) وفهم توجّهات خالق النص الشعرى فى التعبیر حیث القراءة لا تنظر للشاعر مُرتّب مفردات وبانى آجرات فحسب، إنّما هو عارض كیان، ومُلهِم أفكار، ووسیط أزمان عبر نصّه الذى یمكن أن نطلق علیه "المیتاوسیط".

وحین یقف الشاعر لیمسك بعنف اللحظة كى تمنحه التأمل تتهاوى كل سدود القوافی، وتهرب من إزاءه البحور والتفاعیل.. یتوارى الجَلَد فیلجأ إلى المفردة یستحثّها لجلب قریناتها من المفردات بحالةٍ أشبه بالدمع الدفیق، أو النحیب الصارخ، فتتجلّى - أى المفردات - مدّاً أبدیاً من بوحٍ وسواقٍ جرّارة من صور حُسِبَ لها حساب الرفض، وخُشیَ منها خشیة الارتداد هروباً من تهمة التساهل التى قد یوصمها المتلقّى القارئ به، ذلك أنَّ أعظم خیانة یرتكبها الكاتب هى أن یصوغ الحقیقة الصعبة فى عبارة رخیصة كما یقول راندل جاریل. فالتساهل هو ما ولّدَ الهباء الذى نلمسه فى كثیر من النثریات سواء على مستوى الصحف والمجلات أو على نواصى الكتب التى یُعلن عن إصدارها، فتتدفّق هشّةً خاویة مُبتلاة بالفراغ وإنْ جاهرت بامتلائها. یلاحقها التقزّم وإنْ أظهرت اعتداداً بارتفاع القوام. إذْ ما یبقى هو ما یهز دواخل القارئ ویهشّم لدیه استقراریة البحیرة الراكدة فى فضاء روحة المتشوّقة، المنتظرة لحجر الرجرجة والانتباه. إنَّ الشعر ممارسة وجدانیة لا یبقى أثر فعلها وتأثیر حفریاتها إلاّ عندما تكون فاعلة وذات تأثیر جاءت من منهل الأعماق المتلظیة بشواظ العنف الذاتى المتوالد إمّا من سادیة محتدمة أو مازوشیة مؤثرة تدفع بالذات إلى الهتاف صراخاً لیخرج صداها متسللاًّ من منعطفات الأعماق إلى فضاءات الذوات المتصالبة عیونها تطالع الآتى بما یحمله على أكتافه من افضاءات.. هكذا یترك الناص أثره ویطبع مؤثراته، فیأتى النص محملاً بالدلالات. هكذا نرافق الماغوط فى تصرفه مع المفردات، ومحاكاته مع جملة الطروحات :

الذین ملأوا قلبى بالرعب/ورأسى بالشیب المُبكّر/وقدحى بالدموع/وصدرى بالسعال/وأرصفتى بالحفاة/وجدرانى بالنعوات/ولیلى بالأرق/وأحلامى بالكوابیس. وحرمونى براءتى كطفل ٍ/ووقارى كعجوز/وبلاغتى كمتحدّث/وصبرى كمستمع/وأطیافى كأمیر/وزاویتى كمتسوّل/وفراستى كبدوی/ودهشتى كمسافر/وحنینى كعائد. ثم أخذوا سیفى كمحارب/وقلمى كشاعر/وقیثارتى كغجری/وأعادوا لى كلَّ شیء وأنا فى الطریق إلى المقبرة/ماذا أقول لهم أكثر ممّا یقوله الكمان للعاصفة؟ .
هذا السؤال المحمّل بالاستطالة، المتمخّض أسئلةً حُبلى بالهتاف، والمثقل بعبیر الآه الشفیف لا بدَّ إلاّ أن یزرع فى أرض إبحار المتلقّى متعة الألم اللذیذ لیحصد مرارة النشوة الباكیة.
من السؤال تأتى الصورة لترسم بریشة الكلمات جِرار الحسرات ملیئة بكافات التشبیه. التشبیه الذى یخلق هوَساً عُذریّاً لمعنى الكلمة ومفهوم العبارة. تشبیه العذوبة التى تشبه الرغاوى المتأجج فى صناعة الخیال المتناسل. تشبیه یتوالی، وصورٌ تتتالی، وتماوجٌ روحى یتظام ودفقةُ الشقاء. وسؤالٌ یُدرك جوابه المُرسل. فكل ما أفضى به وعرضه بألوان فائرة وفاقعة، ساخنة وناریّة، أو باردة وخامدة، جامدة ومحایدة لا تعدو أن تكون عرضاً لا غیر، لأنَّ الإجابة تنبثق من رحم السؤال فیتمخّض صریحاً وواضحاً رغم أنّه یتلفّع بنداء علامة الاستفهام التى هى خاتمةٌ للرد، لأنَّ صراخه لا یغدو سوى هباءً یضیع فى خضمٍ أهوج، أو عزف كمان یبعث ألماً یضیع فى جنون عاصفة لا تأبه: ماذا أقول لهم أكثر ممّا یقوله الكمان للعاصفة؟ ..
لقد قدّمَ بودلیر قصائدَ نثره بنفَسٍ سردی، رأى فیها قدرةً على تقبّل الابتغاء، وحاضنةً حنونةً تُشبع الفضول.. سرد یُنتج حكایة نثریة بإكسسوارات شعریة، عطر رومانسى یقاتل المألوف، ویخرج عن نطاق التقبّل المعهود. حتّى أنَّ أغلب نصوصه صُفِعت بقرارات الرفض، ووجِهت بشتائم الاحتجاجات.. انطلق من رغبة استقلال الخیال دون ترك الواقع والتنكّر له. دون احتساب الواقع مرفوضاً لا وجود له فى ذات الشاعر. أى أنّه مزج الداخلى المتألم الجریح بالخارج الرمادى المُرهق، التعیس. ورأى أنَّ نتاج الخیال یتأتّى عن نوع حقیقى من الألم، وهو لیس ألم الحیاة الیومیة المؤقّت العابر، الناتج عن فقدان الطمأنینة، أو الحرب والحب بقدر ما هو العذاب الداخلى العمیق الدائم الذى نكبته عادةً ونخفیه تحت ستار النسیان المقصود. (ہہہ). وإذْ نُعرّج على نصوص محمد الماغوط نستشف عدم انفصالها عن هذا التوصیف. تقدّم ترجمةً المعاناة والإرهاصات، والتأجج الجوّانى المحتدم الدفین بسردٍ أقرب إلى الحكایة، رفقة أبجدیة الواقع المتجسّد باقیانوساته التى تشى ببارقة أو بصیص من لهب سیطلق ضوء البهجة وإشعاع انشراح النفس.. إزاء هذه التهالكات ینكفئ الشاعر صوب العودة إلى مناشئ البراءة، لكنّها براءة مریضة علیلة یرهقها اصفرار الحال، وبُعد الأمل، وسدود الیأس التى تمنع أیّة موجة للفرح من الوصول إلى بیت البراءة.

كان بیتنا غایةً فى الاصفرار/یموت فیه المساء/ینام على أنین القطارات البعیدة/وفى وسطه/تنوح أشجار الرمان المظلمة العاریة/تتكسّر ولا تُنتج أزهاراً فى الربیع/حتى العصافیر الحنونة/لا تغرّد على شبابیكنا/ولا تقفز فى باحة الدار. .
مقتطع من نص "اللیل والأزهار" لا یكتمل إلاّ بتجسید ماهیّته كحلٍّ لأحجیة الحال، ولغز الموقف.. مقتطع یُحسب فى القراءة التأویلیة كخطاب موجّه إلى المتلقی، أو إلى الذات. إنّه یلمُّ فحوى الروح لیعطى معنى للبوح، ویمنح تغریدةً لحنجرةِ غرّید، لكنها مبحوحة بفعل الألم وتأثیر الفحوی. یتوجّه بعد منتصف النص نحو "لیلی" فنكتشف أننّا خُدعنا بحسباننا أنّه یهمس لنا بافضاءاته، وإنَّ "لیلی" هى المتلقیة الوحیدة الذى یقرع لها طبول نثر أسراره:
وكنتُ أحبّكِ یا لیلی/أكثر من... والشوارع الطویلة/وأتمنى أن أغمس شفتیك بالنبیذ/وألتهمك كتفاحة حمراء على منضدة/ولكننى لا أستطیع أن أتنهد بحریة/أن أرفرف بكِ/فوق الظلام والحریر.. إنّهم یكرهوننى یا حبیبة/ویتسربون إلى قلبى كالأظافر/عندما أرید أن أسهر مع قصائدى فى الحانة.. .

إنَّ بوح الشاعر یعرض الحصار الذى یحسّه. فهو محاصر بكل المعیقات والمعرقلات، وأرضه ملغّمة بالمطبّات وشعور بأنَّ مَن یضادِدونه یكرهونه لیس بدافع المنافسة والمواجهة الحرفیة، بل بدافع البغض المبرمج. فهم یدخلون إلى قلبه متسللین، بأظفار غیظهم ومخالب الاضرار به حتى وإنْ آثر الاختلاء بنفسه، وابتغى الاستحمام بقصائده فى حانة التماهى مع رضاء ونقاء الروح. حتى وهو یلج نص "تبغ وشوارع" ففیه بقایا شكوی، وتقدیم لوم وخطاب من عتاب لا ینقطع.

إنَّ النص الذى یسفح كلماته على رخامة تتبّع القارئ لا بدَّ من أن یبث بخور القلق فى مسارات التلقّی، ویثیر فى فضاء المتلقّى تخلخلاً وإرباكاً یهز الجدران، ویدفع أرض الرخاء إلى الإمادة، وعندها یؤدى هذا النص فعلته فى استقرار القارئ.. القارئ الذى یحس إنّه إزاء شیفرات سحریة إنْ وضعَ أصابعه على مجسّاتها قادته أصابع السحر إلى مدلولات ستزعزع لدیه قناعة كانت متكرّسة، وسیقوده النص إلى حتمیة بناء قناعة جدیدة. أى أنَّ نصّه الذى قرأه وأجرى مقارباته المتداخلة معه آلَ إلى نصٍّ آخر سیتمخّض كنتاج للقراءة وفعل للتداول. إنَّ نص البوح والشكوى والعتاب یبقى مُكرَّساً لـ "لیلی" الأنثى التى قد نجدها شیفرة للمفردة أو القصیدة أو الروح، أو هالة الوهم ودوائر الحزن، وقد تكون فم احتجاج على الذات المبتلاة بالمازوشیة والجلد المتواصل.. ولنقر افتراضاً كما هو الزبَد الراغى على السطح إنَّ النص موجّه لأنثى اقترن اسمها بِـ "لیلی" - لیلى قیس بن الملوَّح ، أو قیس بن ذریح، أو قیس الرقیات - جاءت لتأخذ حیّزاً فى جسد النص، فیتقابل فى مضمار النص وجهان أحدهما یطلق الصوت بالكلمات، والآخر یغترف الكلمات بالصمت. وإذا كان الوجه الأول ظاهراً یمثله الشاعر/الباث فإنَّ الثانى لا وجود له إلاّ فى مخیلتنا. وكل قارئ یخلق قسمات ذلك الوجه، ویمنحه صفة الحیاة لیتلقى سمعاً ونظراً:

شعرُكِ الذى ینبض على وسادتی/كشلال من العصافیر/یلهو على وسادات غریبة/یخوننى یا لیلی/فلن أشترى له الأمشاط المذهّبة، بعد الآن .
إنَّ الخیانة فى عتاب الباث لیست فى ضمیر لیلى ودواخلها إنّما فى ظاهرها، وهو الشعر الذى كان یتباهى بانسیابیته كشلال من عصافیر، ینتفض علیها فلا یخضع لإرادتها . وبجرّاء المؤثرات الخارجیة یمارس اللهو والعبث على وسادات غیره. هذا ما أنجزه المرسل ویغمر سهوب أعماقه بالأسى فیرثى زمن العَفاف والحب العذری، سیما وأنَّ المُخاطَب هو "لیلی" مَعلَم الحب العذرى وبیرق النزاهة.. والشاعر یُقدّر رُغم الألم المحفّزات والأسباب التى حدت بالشعر "شلال العصافیر" إلى اختیار غیره:

سامحینى أنا فقیر یا جمیلة/حیاتى حبرٌ ومُعلّقات ولیل بلا نجوم/شبابى باردٌ كالوحل/عتیق كالطفولة/طفولتى یا لیلی.. إلا تذكرینها ؟ كنتُ مهرّجاً/أبیع البطالة والتثاؤب أمام الدكاكین/ألعب الدحل/وآكل الخبز فى الطریق/وكان أبى لا یحبنى كثیراً/یضربنى على قفاى كالجاریة/ویشتمنى فى السوق/وبین المنازل المتسلخة كأیدى الفقراء/ككل طفولتی/ضائعاً.. ضائعاً/أشتهى منضدة وسفینة.. لأستریح/لأبعثر قلبى طعاماً على الورق .
إذاً هذا هو الفقر الذى ولّدَ عدم التكافؤ فأنتجَ انحراف شَعر لیلى لغیر وسادته الراقصة على أدیم جفافها أشباح الفقر وضعف الحال واستحالة تحقیق المُراد.. إنَّ الشاعر فقیر، فهو لا یملك غیر الحبر الذى یثیر امتعاض مَن یمتلك عین التطلّع لاغتراف ملذّات المحیط وحیازة البذخ والأبّهة والمظهر المثیر والأناقة الباعثة على تصالب العیون اندهاشاً وإعجاباً له ولحاشیته.. نعم ماذا تجنى الذات الراعشة باتجاه كسب الضوء والإشعاع من لیل بلا نجوم، وشباب معتم وبارد كالوحل. ناهیكَ عن طفولةٍ خرساء عتیقة هربت من دروبها حوریات الانطلاق وبنات الحبور وملائكة الفرح.. وفى الشباب كانت البطالة والتثاؤب من لا عمل، ولا إنتاج، ولا أبواب تنده بكفِّ الحنان، فى عائلة نشأ ربُّها على أبجدیة الوصف الذى یستعرضه الابن.. أب مقموع ومُعاقب بالفقر والتهمیش، ملیء بالغضب،؛ أین یصب الجام المحتشد... مرةً كتبتُ قصة ولم تُنشر، ثم ضاعت بین محطّات الترحال عن أبٍ تضطهده الأیام فى مجتمع یقسو علیه بسیاط البطالة والفقر وعار عهر ورثه عن أمٍّ ارتكبت الفواحش فكانَ أنْ اشترى فأساً وجذوع أشجار یابسة، رماها فى الفناء الخلفى لبیته. وحین یعود متألماً، وتثیر غضبه الزوجة البائسة أو الأولاد المقموعون، ومن أجل ألاّ یرتكب جریمة بحقّهم لحظة الغضب یتّجه إلى حیث الجذوع الیابسة. یمسك بالفأس ویروح یبدد حنقه وانفعالاته الجامحة بتكسیرها حتى یسقط منهكاً ولكن مرتاحاً. فیعود للزوجة والأولاد ببساطة رب الأسرة الحنون.

ویمكننا تخیل الماغوط - بل نحسبه - أبَ الكلمات یضاجعها كما یشتهی، ویجلدها بسیاط حزنه كما یروم.. كلماته بیده وموهبته لا تقبل التحجیم.. إنها تبغى الانفجار، وهى دوماً فى إرهاص، لذلك وفى كثیر من المواقف النصیّة تتمرّد علیه وتنتثر فتتبعثر نصوصاً لا قدرة له على كبحها أو إیقافها، أو حتى تأخیر اندفاعها. ومن هنا نرى نصوصه كما لو كانت لا تمت لشخصه: بسلوكه وعلائقه والتزاماته.. هكذا یغدو الحال فى عدید التجارب الإبداعیة لخلاّقین دخلوا حومة الإبداع باعتزاز وجودهم كماسكى صولجانه، ثم خرجوا من حلبته وهم كما لو كانوا غرباء عنه. ألم یقل ماتیس رائد تیار الوحشیة فى الفن التشكیلی: نحنُ لا نستطیع أن نكون أسیاد إبداعنا. إنَّ الإبداع هو الذى یوجّهنا. .
ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ـــــــ
(ہ) جیمس مكفارلن، الحداثة، مالكولم برادبرى وجیمس مكفارلن، ج1، ص76.
(ہہ) روبرت شولتز، السیمیاء والتأویل، ترجمة سعید الغانمی، ص82.
(ہہہ) والس فاولی، عصر السریالیة، ترجمة خالدة سعید، ص22.
(ہہہہ) نصوص الماغوط مأخوذة ممّا هو منشور فى "كتاب فى جریدة" بعنوان "حطاب الأشجار العالیة"
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 12:51  توسط حسین منصور الناصری  | 

المرأة بین الرومانسیة والمادیة فی قصائد الشاعر إبراهیم ناجی والشاعر نزار قبانی

                        

 

المرأة بین الرومانسیة والمادیة فی قصائد الشاعر إبراهیم ناجی والشاعر نزار قبانی

 

فی عصر الفیدیوكلیب ، وذاك المجون الخطیر ، والذی تجاوز جمیع الخطوط الممكنة وغیر الممكنة ، الحمراء والزرقاء وجمیع الألوان ، بحیث أصبح أمرا مألوفا ، ولا شك أن تلك الألفة أفقدت الإحساس بحجم الجریمة التی یتم إرتكابها فی حق المجتمع والأخلاق ، والأمر شبیها بمن یقیم فی أجواء روائح منفرة ، لكنه یأتلف معها بعد قلیل ولا یكاد یشعر أن هناك أمرا غریبا ، ولا یكتشف الأمر سوی القادم الجدید ،

ولنبحر بأسلوب فانتازی ونتصور أن واحدا من القدماء ( منذ عشرین سنة فقط أو أقل ) قد عاد للحیاة لیری ، كیف أزیلت أستار العفة شیئا فشیئا یسیرا ( تدریحیا ) ، حتى وصل الأمر لهذا الحد الشنیع دون أن نشعر ، وأضرب مثلا واحدا طریفا جدا ، واعتقد اننا عندما نقرأه نستغرق فی الضحك ، لكن یجب أن یكون ضحكا ممرورا مشحونا بالأسی والألم ،

والطرفة العجیبة : أن المخرج محمد كریم دخل علی المطرب محمد عبد الوهاب
وقال له : اسمع دی .. فكرة جدیدة ( نوفی ( …

أرید أن نعمل اتجاها جدیدا فی تصویر الأغنیة .. كفایة جلسات علی كراسی والعود فی یدك أو وقوفا فی حدیقة .. لقد مللت كل ذلك .. قال له عبد الوهاب .. قول یا أستاذ .. قال محمد كریم العبقری المجنون !! .. ستقلع هدومك وتجلس فی البانیو .. تستحم وتغنی " المیه تروی العطشان " ، وانزعج عبد الوهاب بشدة : أقلع هدومی ؟! ، معقولة یا محمد ، ویثور محمد كریم .. ویشد فی شعره یرید إقناع عبد الوهاب ... وأخیرا فعلها عبد الوهاب ( تتذكرون الأغنیة ) فانظروا ماذا حدث ؟!

هاجت الصحافة وتدافعت الأقلام .. وكتب أحمد الصاوی محمد یقول : من هذا الخلیع الجالس فی البانیو عاریا .. یاعبد الوهاب ثب إلی رشدك .. أنت صدیق أحمد شوقی تصل بك الخلاعة والمجون إلی هذه الدرجة !!

فماذا لو رأی الأستاذ الصاوی ما وصل إلیه الحال الآن ؟!!!!!!!

هذا المدخل یبدو بعیدا عن موضوعنا لكن آثرت البدایة به فی معرض المقارنة بین الشاعر الرقیق صاحب العاطفة الفیاضة / إبراهیم ناجی ، وشاعر كبیر آخر تناوبت أعماله بین قصائد غزل مكشوف یتغنی فیه بمفاتن الجسد بصورة صریحة صدمت المشاعر ، وقصائد ناریة ملتهبة تخط فی صحف الجمال والروعة ، والأمر یحتاج إلی تفصیل :

الشاعر إبراهیم ناجی ( 1898 : 1953) م
مثل فی أدبه قمة الرومانسیة والحب العذری الصادق ، الشاعر كامل الشناوی تحدث عنه بأن قلبه كان یتعلق بأی إمرأة ، وأری العكس فناجی ارتبط عاطفیا بفتاة من قریباته بحب طاهر عذری لكنها تزوجت من آخر وهو یدرس بمدرسة الطب ، ثم ألتقی بها ثانیة بعد ان أصبحا عجوزین
فكتب قصیدته الشهیرة ( الأطلال ) ،
ومصدر آخر لقولی بصدقه الفنی أنه كان أصلا إنسانا رقیقا عاطفیا یتمتع بروح فكاهة حتی إدرج ضمن ظرفاء القرن الماضی وقد تتاح لی فرصة بعون الله تعالی إدراج شیء من نوادره لاحقا بالمنتدیات ، واشتهر عنه أنه كان یعالج المرضی الفقراء بلا أجر ، ویشارك فی تشییع الجنازات ، ویتأثر عاطفیا من أدنی أمر ، لدرجة أنه كان یقتنی الحزن النبیل فی أعماقه وأدائه الشعری ،
بالتالی مثل ناجی فی شعره الحب الرقیق المثالی الذی ینشد أشواق الروح وجلال القیمة ، فمن منا لم تهتز أعطافه لهذا المعنی الذی یجسد معنی الحب العذری العذب

أنظری ضحكی ورقصی فرحا
وأنا احمل قلبا ذبحا
ویرانی الناس روحا طائرا
والجوی یطحننی طحن الرحی
أین من عینی حبیب ساحر
فیه نبل وجلال وحیاء
.......
یاحبیبا زرت یوما أیكه
طائر الشوق أغنی ألمی
وحنینی لك یكوی أضلعی

وهنا نجد وصف الحبیب بالحیاء والجلال ، لیقدم لنا قیمة فنیة ومعنویة كبیرة
وناجی أیضا كشأن الشعراء الذین یقتنون الإحساس الذهبی ینتقلون بهاجسهم الجمالی عبر أفنان الأشواق فنجد أنه عبر أیضا عن جوانب موضوعیة فی شعره وخاصة قضایا الوطنیة ، فله قصائد وطنیة رائعة ، یقول :

یا أمة نبتت فیها البطولات
لا مصر هانت ولا الأبطال

وكتب القصائد فی الإحتفاء بالشهادة عند استشهاد : عبد الحكیم الجراحی ، وعبد المجید مرسی فی مظاهرات 1935م ، وكتب قصائد مثل " أعاصیر مصریة " ، و " تحیة لمصر "
وأثبت بالفعل أنه لا یمكن أبدا الإقتناع بالقول النقدی القائل بفصل حیاة الأدیب عن أعماله الأدیب ، فالفنان العظیم لابد أن یكون إنسانا عظیما >

******************

وننتقل الآن إلی الجانب الآخر من المقابلة ، بالحدیث عن شاعر كبیر له شاعریته المتدفقه ( حتى فی نثره ) ، ولا یستطیع أحد أن ینكر ان الشاعر نزار قبانی أسس مدرسة شعریة كاملة ، وصاغ تعبیرات معاصرة لم یسبق إلیها ، وأقترب بشعره من الجملة السهلة الشائعة ( لكنها ممتنعة سوی علی موهبة بحجم موهبة نزار ) ، لیعبر عن وجهة نظره فی الشعر عندما قدمه كما قال ( خبزا طازجا ) ، ولرؤیته فی نظرته للشعر مقال أرجو إضافتها قریبا ( بعون الله تعالی ( ، وبالطبع لا نقر له تجاوزات خطیرة وعبارات شطحت بعیدا ، لكن هنا أتحدث عما یعجبنی من شعره ونثره ولیس مثل تلك التجاوزات والتی یجب أن نطرحها جانبا

والحق أنی أمیل هنا للحكم المنصف فلست ممن یقیمون المشانق ویصدرون الأحكام النهائیة ، بل أری أن النقد هو الأخذ بجوانب الجمال قبل التنقیب عن مواطن القبح ، صحیح أن الشاعر نزار قبانی ( ورغم قدرته الفذة علی الصیاغة الشعریة ) قد كتب شعرا فی المرأة یتغنی فیه بمفاتنها ، ویصف فی أوصاف شدیدة الجرأة والتطرف لها ، ویری أن العلاقة بین الرجل والمراة إنما فی قسما كبیرا منها لا تخرج عن تلك الرؤیة المادیة الفظة ، والحق أنه أخفض بذلك من شأن المرأة قبل أن یلثم قواعدا وأعرافا عامة فی الأداء الأدبی الملتزم ،

لذلك وكما ذكر احد الناقدین : " بل خرجت علینا ( یقصد المرأة ) فی جلّ قصائده بالوجه الذی عهدناه فی قصائد امرئ القیس و ابن أبی ربیعة و غیرهما و فضل قبانی كمن لا فضل له هنا حیث جاءت قصائده تنویعا على قصائد الغزل السابقة " ،
ویقول أیضا وبتصرف منی نفس الناقد ( الأستاذ / فوزی الدیماسی ) : " یدعی الشاعر نزار قبانی أنه مؤسس جمهوریة المرأة ، وأنه هو من أخرجها من ظلمة المقاصیر إلى نور الحریة ، و أنه المدافع عنها ككیان له هویته .... بامتیاز ، و المتتبع لشعره فی العدید من منعطفاته یكتشف عكس ذلك ، فبئس الجمهوریة التی عمقت هامشیة المرأة . والصورة صورة عرجاء تلك التی صدرها الشاعر لقرائه ، صورة تؤسس لسیطرة الخطاب الذكوری و احتوائه لفعل القول لحظة تصویره للمرأة لا كذات لها ما یمیزها عن الذات الذكوریة بل كجسد / سلعة ، كما أن الصورة القبانیة لا تزید المرأة إلا تجذرا فی تربة الضعف والإرتكاس و التبعیة ، و ینزل قوله بها إلى قیعان أرض الشبق و اللذة و الرغبة "

لكن وكما ذكرنا قبلا الحكم یكون عاما ، نزار قبانی كتب قصائد سیاسیة ووطنیة ، وكتب نثرا راقیا یتفجر بالشاعریة والروعة ( ولولا قصائده تلك التی أشرن لها حول المراة ، وتجاوزات اخری ، لكان من القلب من شعراء العروبة ، فمن قرأ قصیدته ( بلقیس ) تلمس داخل قلبه وترا شجیا حزینا فی الوقت ذاته ، وهو نفسه الذی قال فی قصیدته التی أثارت انتقادا واسعا ( الرسم بالكلمات ) :

الجنس كان مخدراً جربته
لم ینه أحزانی ولا أزماتی
والحب أصبح كله متشابهاً
كتشابه الأوراق فی الغابات
فمك المطیب لا یحل قضیتی
فقضیتی فی دفتری ودواتی
كل الدروب أمامنا مسدودة
وخلاصنا ، فی الرسم بالكلمات .

د . منی العرب تقدم رؤیة حول الموضوع فتقول :
كل شاعر بعض شعره جمیل ، وبعضه لا
شعره یعجب الشباب
وهوكان سابقا لعصره
أنا شخصیا أحذف بعض كلمات من شعره
وأجد الباقی جمیل >

ویقول الأستاذ / أحمد إبراهیم :
" لغة نزار مدهشه ومبتكره .. وهذا الشیء الذی جعل نزار مقرؤا.. وكل كاتب للشعر یجب ان یقرأ نزار لیتعلم منه .. فهو صاحب مدرسة شعریه فی اللغه .. لایجاریه فیها أحد وقاموسه اللغوی مدهش ومبتكر
فاللغه هی الإبتكار وقد تأخذ أكثر من نصف الشعر .. لأننا فی النهایه أصحاب حضارة شفهیه إلى الآن ..
والخروج من قاموس التراثیه .. هو الذی أحدث الصدمه الجمیله فی قراءة نزار "

وهكذا یجب ان نحكم بنظرة الشمول ، فنزار شاعرا فرض وجوده ، وله شاعریته وقاموسه الشعری الفرید والقریب من الحیاة ، كما أن له قصائدة القویة والمؤدیة لدروب من الأداء النابه فی وصف حال العروبة وأزمتها القاسیة ، كما له نثره والذی عندی هو أجمل من شعره ویتفجر بآراء واضحة وبلیغة وراقیة

ویبقی دائما الحق لمن یأخذ بنصیب من بساتین الجمال وبما یوافقه طالما لدیه میزانه الخاص القابض علی ضوء الحقیقة ، وقواعد الفن .

ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ــــــــــ ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ـــــــ
من المراجع* : نجوم فی عز الظهر – یوسف معاطی – الهیئة المصریة العامة للكتاب2001 م
* موسوعة رجال ونساء من مصر – لمعی المطیعی – دار الشروق .
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 12:45  توسط حسین منصور الناصری  | 

الأسطورة فی الشعروالفكر

الأسطورة فی الشعروالفكر

  ،

 

توظیف الأسطورة فی النص الشعری العربی المعاصر مسألة فی غایة الأهمیة، فما من شاعر عربی معاصر معروف إلا ووظف الأسطورة فی أعماله. إنها تشكل نظاما خاصا داخل بنیة الخطاب الشعری العربی المعاصر، وقد یبدو هذا النظام عصیاً على الضبط والتحدید، وذلك لضبابیة الرؤیة المراد طرحها، ولكثافة الأسطورة نفسها، غموضا وتداخلا مع ظواهر أخرى وعندما نستحضر الأسطورة، فإننا نستحضر التاریخ متداخلا مع المیثولوجیا والخرافة، ولذا فإنه یصعب علینا تلمس أوجهها كاملة، وذلك لتناصّها مع الحقول المعرفیة الأخرى، التاریخیة والمیثولوجیة والسحریة والخرافیة. فهل الأسطورة هی الخرافة أم هی التاریخ، أم هی الفلكلور، أم هی جزء لا یتجزأ من اثنولوجیا وصفیة، لا تزال بوصفها بنیة معرفیة عمیقة تتعلق بمعتقدات الشعوب وروحانیاتها وأعرافها وتقالیدها، تفعل فعلها فی تاریخنا المعاصر؟ إنها مزیج من هذا وذاك، ومع ذلك تبقى عصیة على الضبط والتحدید، لأنها رؤیة متنامیة متشعبة فی بنیة الزمان التاریخی، والمكان الاثنوجرافی. وقلیلون هم النقاد والباحثون الذین استطاعوا ضبط مصطلح الأسطورة ضبطا دقیقا، ولذا نلاحظ غموض النصوص النقدیة التی تناولت هذا المصطلح، بحیث لا یعادل غموضها إلا غموض النص الإبداعی نفسه.
تصبح الأسطورة أحیانا تاریخا وخرافة، وتداخلها مع الخرافة یزیدها تعمیة وغموضا، والتاریخ نفسه یصبح لدى جیل من الأجیال أسطورة، فشخصیة الحلاج وشخصیة الحسین بن علی، والمسیح بن مریم، شخصیات تاریخیة لكن بعدها الإنسانی، ومدى تأثیرها فی الفكر العربی لا یزال یفعل فعله بشكل أسطوری یفوق حد التخیل.
وبغض النظر عن كون شخصیتی شهر زاد وشهریار من التاریخ أو الأسطورة فإنهما یبقیان فی بنیتهما العامة جزءاً من السحر والأسطورة والخرافة والتاریخ، والمیثولوجیا والفكر والفن فی آن. سیف بن ذی یزن، وضاح الیمن، بلقیس، عمرو بن عامر مزیقا، شخصیات تاریخیة یمنیة أثرت فی تاریخ الیمن لحقبة طویلة، ولا تزال تؤثر فی بنیة الحیاة المعاصرة على مستوى الفن والأدب، فهی تشكل رؤیة جمالیة، وظفها الخطاب الشعری العربی المعاصر، وكذلك القصة والروایة، ولم یقتصر تأثیرها على أدباء الیمن ومثقفیها ، بل تجاوز هذا التأثیر حدود الیمن الجغرافیة لیشمل أدباء آخرین من لبنان وسوریا والعراق والخلیج وتونس والجزائر ومصر، والأمثلة على ذلك كثیرة جداً. وتاریخیاً كانت الأسطورة هی الملاذ الأول للإنسان للانتصار على خیباته ولتخطی فواجعه، وسیاسیا كانت محاولة لخلق بدیل جدید، أكثر إشراقا وجمالا، أنها البؤرة التی یرى منها الإنسان العربی النور والفرح، لأنها تشكل له حالة توازن نفسی مع محیطه ومجتمعه، فبوساطتها تتم عملیة الحلم والتخیل والاستذكار. وبالرغم من التحلیلات الاجتماعیة والفكریة التی تؤكد أن اللجوء إلى الفكر الأسطوری هو هروب من مواجهة الواقع، وهو دعوة لسیادة الظلم، ودعوة إلى إلغاء العقل: "فالفكر الأسطوری القائم على أساس غیبی ـ لا عقلانی.. له منطقه المختلف تماماً عن منطق الفكر الموضوعی. والأسطورة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما إلى إضفاء صفات قدسیة غامضة على مواضیعها وأشیائها، وأشخاصها، ولا مشادة أن الأسطورة لها عملیا مستلزمات غیبیة تستند إلیها فی الواقع، وتنعكس بواسطتها على المجتمع وعلى السلوك السیاسی ـ الطبقی فیه. فالوسائل المتولدة من جراء الأسطورة أو المولدة لبعضها، تتحول فی المجتمع إلى أدوات إضافیة للسیطرة ـ ملكیة طبقة محددة لوسائل الممارسة الأسطوریة، إذا جاز التعبیر والافتراض" وهو تكریس للعبودیة الاجتماعیة التی تعتمد علیها الطبقات السیاسیة ضمانا لاستمرار سلطتها، فـ "الفكر الأسطوری إذ یقدم للإنسان مثالاً عن إرادة القوة الغیبیة، یضعه فی نفس الوقت فی وضع "العبد" المندهش، المرتعب من سلطان هذه القوة، التی یزعم المستبدون إنهم یمثلونها أو ینطقون باسمها. كما یرى بعض النقاد،و
بالرغم من هذه التحلیلات، فإن الأسطورة من حیث كونها فكرا وفنا وتاریخا، فإنها تشكل خطابا یمكن أن یقال عنه إنه أدبی یتناصّ مع التاریخ والمیثولوجیا. وما یجعل الأسطورة خطابا أدبیا قدرتها على توسیع آفاق المخیلة عن طریق الحلم والتخیل، وما الأدب فی بنیته العمیقة إلا نظام رمزی قادر على الإیحاء والتأویل، ومن ثم كشف اللا إنسانی واللا أخلاقی فی رؤیة المجتمعات البشریة ونظام قیمها، وإذا قلنا إنه كلما تراجع المجتمع حضاریا وثقافیا، وبقی مغلفا بالغیبیات والشعوذات والسحر، زادت أساطیره وخرافاته، فإن ذلك لا یعنی التقلیل من شأن الأسطورة لأنها تبقى عنصراً بنائیاً مكونا للفكر الإنسانی. ینمو الفكر الإنسانی ویتحرر، ویزداد عقلانیة مع تطور المعارف والعلوم، لكن ذلك لا یمنع عنه حالة الحلم والتخیل، والأسطورة فی أهم خصائصها إنها رؤیة حلمیّة تخیلیة. وترافق الأسطورة الإنسان فی حله وترحاله باعتبارها رمزاً مضیئاً وأصیلا، وقد تتعدد مستویات هذا الرمز من حیث الإضاءة والعتمة، لكنه یبقى على صلة قویة بصیرورة التاریخ وتشكل طبقاته الاجتماعیة. وتبقى الأسطورة فی المجتمعات المتخلفة حلاً جمالیاً لرفض حالات الاستلاب والخیبة التی یمر بها إنسان هذه المجتمعات، أما فی المجتمعات المتقدمة حضاریا وتكنولوجیا، المتراجعة على مستوى العلاقات الاجتماعیة بشرطها الإنسانی، فأنها "مرض من أمراض اللغة" على حد تعبیر ماكس مولر، وهی فی آن مرض من أمراض لوثات العصر بتعقیداته، وما تفرزه الحضارة المتقدمة صناعیا من استلاب وتشیؤ بمفهوم لوسیان غولدمان وجورج لوكاش. إننا إذ نستحضر الأسطورة فی وقتنا الراهن، حیث الهزائم على المستویات كافة، فإن نزعة نوستالجیة تتأجج فی أعماقنا نحو الماضی، ونحو المجهول، ونحو عوالم بكر لم تستكشف بعد، وتزداد هذه النزعة مع تكاثر خیباتنا المتلاحقة فی ظل أنظمتنا الاجتماعیة والسیاسیة. إن عصر تولید الأساطیر قابل لأن یمتدّ حاضرا ومستقبلا. من منا لم یعجب بأسطورة جلجامش وانكیدو الملحمیة؟. وتوق جلجامش وانكیدو المطلق للدفاع عن قضایا الإنسانیة. ومن منا لم یعجب بتصمیم جلجامش على قطع غابات العالم وبحاره للبحث عن النبتة المقدسة التی تعطیه هو وقومه فی أوروك سر الخلود الأبدی؟. وكم كان محزناً حینما سرقت الأفعى النبتة المقدسة التی حصل علیها. إن اللجوء إلى الأسطورة فی الفكر العربی المعاصر هو استحضار للبطولة الغائبة، وحنین لها، وعندما نستدعی البطل الأسطوری والتاریخی عبر زمن القصیدة وشفافیتها، فإن توقاً شدیداً لیدفعنا إلى تمثّل حالات هذا البطل عله یكون المفدی والمخلص، والشعلة التی تنیر لنا طریقا مظلما. إن تولید الأسطورة وتشكیلها وإعادة صیاغتها عملیة جمالیة تهدف للبحث عن عالم فسیح جمیل، لم تقتله بعد الشعارات الإیدیولوجیة، لكن العصر الذی شكلها ویشكلها لیس عصراً مضیئاً، فهی تولد لتمنع زحف ظلامه على المستوى التخیلی والتأملی. ما من شاعر عربی مبدع إلا ولاقى الظلم والمهانة، مما كسر شموخه الإنسانی وشرده، فلجأ إلى الحلم والتخیل واستخدم الرموز الأسطوریة المضیئة والموحیة. وقبل أن یكون توظیف الأسطورة عودة إلى التاریخ والمیثولوجیا فإنه رؤیة تستمد مكوناتها من الواقع واتجاهات هذا الواقع ورؤاه، فالتاریخ والمیثولوجیا والواقع كلها مكونات للفكر الأسطوری، وما من شاعر عربی مبدع إلا وعانى من اغتیال هذا الواقع لأحلامه وفرحه وكبریاء قصیدته. فكان اللجوء إلى الأسطورة رفضاً لهذا الواقع، وبالتالی كان استخدام الرمز الأسطوری المكثف الدلالة، بعید الإیحاء، هروباً وخوفاً من سلطة هذا الواقع، كان الشاعر العربی یرتحل ویحمل همه وهم قصیدته، ورموزه الأسطوریة، وانّى حل كان ینشد الفرح والحریة عبر دلالات هذه الرموز، فخلیل حاوی ذهب إلى لندن وكتب أجمل قصائده "السندباد فی رحلته الثامنة"، وبدر شاكر السیاب حمل "أدونیسه" المضرج بدمائه منتقلا من مشافی بیروت إلى لندن ثم الكویت، وعبد الوهاب البیاتی حمل "حلاجه" وسیزیفه عبر رحلاته من بغداد إلى بیروت إلى مدرید، وعبد العزیز المقالح أنارت له رموز بلاده: سیف بن ذی یزن، وضاح الیمن، بلقیس، منیة النفوس، طریفة، عاقصة، عروض، لیالیه المظلمة عندما كان غریبا خارج بلاده.

حینما ترافق الأسطورة التكوین البشری منذ الأزل حتى أقرب العصور، فإنّ ثمة وضعاً إنسانیا مستلباً بحاجة إلى تشكیلها وإبداعها، واللوذ بها، وتواتر الأسطورة وتناقلها عبر مثاقفة حضاریة بین الأمم والحضارات قدیماً وحدیثاً، لدلیل حی على قدرتها على النفاذ إلى أعماق الرؤیة المعاصرة، باعتبار هذه الرؤیة نسقاً عصیاً على التحدید الزمانی والمكانی، إنها ممتدة من الماضی إلى الحاضر.
إن بنیة الخطاب الشعری المعاصر لا تعنی الانقطاع عن التراث والأساطیر فقد أثّر التراث فی تشكیل هذه البنیة ولا یزال یؤثر بدرجات متفاوتة من شاعر إلى آخر. وبالرغم من ادعاء البعض على مستوى التنظیر، بأن اللجوء إلى التراث لیس فعلا إبداعیا، إلا أن ذلك لم یمنعه من الرجوع إلى الموروث بشتى توجهاته، ومع ذلك فإن العودة إلى التراث لا تعنی هیمنة الرؤیة التراثیة على الرؤیة المعاصرة، بل لقد استطاع الشاعر أن ینطلق من البنیة التراثیة نفسها لیشكل بدیلاً منها ویتجاوزها، وصارت الحكایة الأسطوریة والخرافیة عند الأدباء المعاصرین "ترد إلى عناصرها وكثیرا ما تضاف إلیها عناصر جدیدة تتواصل مع العناصر التقلیدیة، ثم یعاد تركیبها جمیعا فی شكل یشع ضوءاً جدیداً على الحكایة نفسها، فإذا هی قد تحولت إلى شكل جدید ومغزى جدید، نابعین من الرؤیة الفنیة والفكریة للكاتب، تلك الرؤیة التی تعتمد على ثقافته وعلى قدرته على تحلیل مجتمعه والكشف عما فی هذا المجتمع من مشاكل إنسانیة أو سیاسیة أو اجتماعیة". صار التراث فی القصیدة العربیة المعاصرة جزءا من رؤیة جمالیة، بعد أن تعامل معه الشعراء المعاصرون وفقاً لمنظور إنسانی وحضاری، إذ أن كثیرا من الرموز التراثیة قادرة على الاستمرار فی نسق الواقع المعاصر، وتغییره بفعل بعدها التاریخی ودلالة هذا البعد على المستوى الإنسانی والاجتماعی والسیاسی، ومع ذلك فالشعر المعاصر لیس ولیدا للرؤیة التراثیة، بالرغم من الاستفادة من مكونات هذه الرؤیة، لأن له شرطه التاریخی والحضاری وامتداد هذا الشرط داخل بنیة الحیاة المعاصرة، بتشعبها وتنامیها، وفرحها وفواجعها فی آن. الرؤیة التراثیة خیط شفیف یربطنا بالتاریخی والأسطوری والمعاصر والعقلانی، قد ینقطع الخیط وقد یمتدّ، ولا یعنی انقطاعه فشلاً فی الرؤیة العربیة المعاصرة. الرؤیة التراثیة إضاءة لزمن القصیدة، إنها رؤیة تستنفر بعدا جمالیا، ومع ذلك نستطیع تشكیل رؤیة بدیلة عنها، وهی الرؤیة للعالم MondeViSion Du بتحدیدات لوسیان جولدمان لمفهوم الرؤیة، وتتجلى أهمیة هذه الرؤیة بامتدادها ماضیاً وحاضراً ومستقبلاً، وبقدرتها على التعامل مع مكونات الأجناس الأدبیة كافة.
إن مهمة الرؤیة الحدیثة إحداث الجدید فی الأنظمة القوالبیة الموروثة: فی الشكل الشعری، فی القافیة، فی الوزن، وفی الموسیقى، وبالتالی فی المضمون نفسه، ولها دورها فی تشكیل شعر جدید خصب ومتنام، من أهم میزاته انه لا یخضع للتحقیب التاریخی، والتأطیر الزمنی، باعتباره شعراً منفتحاً على كل أشكال التطور الاقتصادی والثقافی والاجتماعی، وعلى كل الزوایا المضیئة فی كل العصور.
ولذا فالقصیدة العربیة المعاصرة من خلال هذه الرؤیة الحدیثة تعمل على تفكیك بنیات العالم العربی المعاصر وكثیراً من قیمه الزائفة، وتعری بنیاته الهشّة، ومن ثم تعید صیاغته وفق حركیة ترفض الثبات والجمود، وتشید عالماً مفتوحاً على الصیرورة التاریخیة، والسیرورة الزمنیة فی آن، ولا اقصد بذلك تبنی هذه القصیدة لخطابات الایدولوجیا، وفرزها السیاسی، وإشكالیتها المعرفیة فی بنیة المجتمع. الإبداع لأجل الإبداع، والفن لأجل الفن، ظاهرتان أدخلت علیهما الرؤیة المعاصرة مفاهیم جدیدة، فالإبداع وجمالیة الفن مضافا إلیهما حركیة التغییر والهدم تأسیساً للبناء الجدید، ولا قیمة للترف الشكلی والزخرفی والإغراق فی الحلم، والهذیانات السریالیة، إلا إذا كان الهدف من ذلك تأسیس رؤیة إنسانیة قادرة على إدانة المظاهر السلبیة فی بنیة الحیاة العامة، و"قد ساعد فتح الأبواب أمام الإبداع الشعری الجدید على وجود هذه التیارات وتعددها داخل حركة الشعر الجدید، ونشأ عن ذلك اجتهادات وتیارات منحرفة لا تنشر سوى هذیان لا علاقة له بالشعر أو الفن ولا علاقة له بالتجدید أو الابتكار وخطر هذه التیارات المنحرفة إنها تدفع نحو اللامبالاة اللغویة ونحو اللامبالاة العقلیة."
ولم یكن طغیان الهذیان فی الخطاب الشعری العربی المعاصر إلا تعبیراً عن فشل إنسانی عام، مستمد بالدرجة الأولى من بنیات المجتمع القاتمة، وتراجع هذا المجتمع وهزائمه، وبغض النظر عن كون الهذیان ظاهرة مرضیة ـ بفتح المیم والراء ـ فی الشعر العربی المعاصر، إلا انه یستمد كثیراً من مكوناته من بنیة الأسطورة والخرافة والتفكیر المیثولوجی، لأنّ الهذیانات الشعریة كثیرا ما ترتبط بامتداد الأسطورة معرفیا وزمنیا، وحینما یتداخل الهذیان مع الحلم والأسطورة، والإیحاءات السریالیة، تنشأ ظاهرتان شعریتان هما الغموض والإبهام. فالتداخل العشوائی اللامنظم المضطرب والمتوتر یشكل حالة من الإبهام التی یستحیل فك طلاسمها، واكتشاف ما وراء ضبابیة هذه الطلاسم، أمّا التداخل الجمالی الرؤیوی، فإنه یشكل حالة شفیفة من الغموض الموحی والمرمز، وعموماً ترتبط هذه الحالة بالذاتی والموضوعی من حیاة الإنسان داخل حقله الثقافی والمعرفی، ووسطه الاجتماعی والإنسانی. ویشكل الحلم بالنسبة لكثیر من المبدعین مفتاحاً للرؤیة الشعریة، انه أساس الفعل الشعری، وجوهر العملیة الإبداعیة بالنسبة إلیهم، وهنا یشترك الحلم مع الأسطورة فی كونها عملیة تخیلیة تتخطى حدود الواقع الممكن إلى أفق أكثر رحابة فی بنیة الفضاء المكانی والزمانی، یقول الشاعر أنسی الحاج: "خلافا للأكثریة أنا أؤمن بالحلم، من لا یحلم لا یفعل، الحلم یسبق الفعل، كما یسبق الغیم المطر... الحلم جوهر غیر أنه وجود... والحلم هو العقل والروح والخیال. إنه الفردوس الممكن... الحلم أولاً، الحلم فوق الجمیع، الحلم الذی هو محرض الواقع وروحه وعقله وعصبه، الحلم الذی هو المستقبل، الحلم الذی هو... الشاعر"

إن للتجریب الشعری، شكلا ومضمونا أهمیة كبیرة فی إبداع المتمیز المتنامی والمعاصر، وما "من شاعر عظیم أو روائی عظیم إلا وقد أضاف من خلال التجریب بعدا جدیدا إلى الفن الشعری والروائی، وأثبت انه غیر خاضع وغیر مستسلم لكل المواصفات السائدة والمألوفة. التجریب إذا ومحاولة الإضافة نزعة صحیة وضروریة فی كل فنان أصیل وفی كل كاتب موهوب، وفی كل شاعر یرید أن یضیف إلى التراث ولا یكرره أو یقلده".

إنّ استخدام الأسطورة والرمز والتاریخ فی الخطاب الشعری العربی المعاصر نوع من التجریب الجمالی، قبل أن یكون عودة إلى التراث، والتأكید على حضوره، وهذا التجریب فی بنیته العمیقة ینبغی أن یؤكد مكانة الإنسان ودوره الحضاری، ویستحضر أدقّ مشاعره الإنسانیة، "فالأشكال الفنیة لیست أشكالا فارغة، وإنما تقوم بوظیفة خاصة فی تنمیة خبرة الإنسان، وفی تنظیم هذه الخبرة، كما تؤدی دوراً أساسیاً فی بناء عالم الإنسان، وفی تحقیق ما یصبو إلیه الإنسان من معنى لحیاته ولعالمه". وكل تجریب جمالی مبدع ینبغی أن یكون إنسانیا، ولا قیمة لتجریب على مستوى الشكل الشعری ومضمونه إذا اقتصر على الظاهرة الشكلیة والسطحیة. أن التجریب على مستوى بنیة الشكل الجمالی، وإضافة الظواهر الجمالیة والمغایرة إلى هذا الشكل أمر ضروری، لكنه لیس كافیاً لتحقق طرفی العملیة الإبداعیة، فالعملیة الإبداعیة فكر وفن ونزعة إنسانیة وأخلاقیة، تعمل على تأسیس أدب إنسانی یرفع الإنسان رایة وهدفاً.
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 12:44  توسط حسین منصور الناصری  | 

الجاحظ حیاته، أدبه، سخریته

 

الجاحظ حیاته، أدبه، سخریته

    


الفصل الثانی:حیاة الجاحظ
1-اسمه وشكله:
هو "أبوعثمان عمرو بن بحر، بن محبوب،الكنانی الفُقیمی، لُقّب بالجاحظ أو الحدقی لجحوظ عینیه، أی نتوئهما، وكان هذا اللقب لا یُعجبه، على ما یظهر، فیتبرم بمن یدعوه به، ویجهد نفسه لكی یقرر فی أذهان الناس أن اسمه عمرو، وأنه یُحب أن یُدعى بهذا الاسم، وأن اسم ((عمرو)) أرشق الأسماء وأخفها وأظرفها وأسهلها مخرجاً". ونجد أن الجاحظ قد خلع على اسم ((عمرو)) المظلوم لأن الناس قد الصقوا به حرف الواو الذی لا یمت له بصلة أو یصل إلیه بسبب وكان یقول عن اسمه الذی یتوق أن ینادوه الناس به:"إنّ هذا الاسم لم یقع فی الجاهلیة والإسلام إلا على فارس مذكور، أو ملك مشهور، أو سید مطاع، أو رئیس متبوع، أمثال عمرو بن هاشم (جد النبی صلى الله علیه وسلم) وعمرو بن سعید الأكبر، وعمرو بن العاص، وعمرو بن معْدِ یكرِب".
ویرى الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجی أنّ"الجاحظ ینحدر من أصل عربی صریح خالص، ومن بیت كریم المحتد، عظیم المنزلة فی الجاهلیة والإسلام". وفند ترهات الشعوبیین التی زعمت أن الجاحظ مدخول النسب، وموصوم الحسب، ولیس هو من أعیان الفضل وأقطاب الفخر. وأنه مولى لأن جده فزارة الحالك اللون كان مولى لأبی القلس عمرو بن قلع الكنانی الفقیمی، واستندوا فی ذلك إلی روایة منحولة، تروى عن یموت بن المزرع البصری (ت 204) ، وهی:"كان فزارة جد الجاحظ أسود اللون، وكان جمالاً لعمرو بن قلع". والرأی الراجح أن أبا عثمان لیس من أقذاء الناس وحُثالتهم، أو أنه إنسان رخیص النبعة، خبیث المنبت، لسواد بشرته كما یزعم الشعوبیین فالسود والبیض یرجعان إلی محتد واحد وتربطهم بأبی البشر أواصر رحم ووشائج قربى، بل كان"عربی الدم والنسب، لأنه كرس جهده وحیاته لخدمة العرب والعربیة، وتزعّم أكبر حركة قامت فی وجه الشعوبیة حتى هدمتها أو قضت علیها، فهو رجل یغلی فی عروقه الدم العربی الذكی، وتفور فی نفسه العزة العربیة الصمیمة". ولعل الجاحظ الذی هتك بعقله المتقد أسرار النفس البشریة، وسبر بحصاته أغوار الطبیعة لو لم یكن أثیل المنبت فی أرومة العرب لنزع منزع الشعوبیین ولزم غرسهم، بل لو لم یكن قد درج من مهد السیادة، وتقلد ذروة الشرف كابر عن كابر، لغمز معاصروه قناته ورموه بالرق وخبث العنصر. والذین أیدوا "عروبة الجاحظ أبو زید البلخی(ت322هـ)، وابن حزم (ت456هـ)".
كان الجاحظ"قصیر القامة، صغیر الرأس، دقیق العنق، صغیر الأذنین، أسود اللون، جاحظ العینین، مشوه الخلقة، مما جعل الخلیفة العباسی المتوكل یصرفه عن تأدیب ولده حین رآه وأعطاه عشرة آلاف درهم". كما أجمع كل من أكبّ على دراسة كتب الجاحظ ومحصّها وكشف مزایاها أن الجاحظ كان مفطوراً على خفة الظل وحب الدعابة التی یجود بها فی أحلك الظروف والمواطن، ونكات الجاحظ التی تبسم الثغر الحزین، وتشرق الوجه الشاحب، وتبسط المحیا الكئیب، نبعت من قبحه فالمرء"عندما یجد فی نفسه عیباً یعمد إلی أحد طریقین:إما التستر على هذا العیب وإخفاؤه عن أعین الناس إذا كان ذلك ممكناً، وإما المبادرة إلی تعریة هذا العیب والهزء به لیسبق الناس إلی السخریة ولیقطع علیهم طریقها. وقد آثر الجاحظ الطریق الثانی لأنه یتلائم مع وضعه باعتبار أن عیبه جسمی لا یمكن التستر علیه". وقد تهكم الجاحظ من بشاعة صورته وتندر من قبح خلقته فقال عن نفسه:"ما اخجلنی إلا امرأتان:رأیت احداهما فی العسكر-مكان فی سامرّا وكان مصیفاً للخلفاء العباسین- وكانت طویلة القامة، وكنت على طعام. فاردت أن امازحها، فقلت:انزلی كلی معنا، فقالت:اصعد أنت حتى ترى الدنیا،(معرضة بقصره). وأما الأخرى فإنها أتتنی، وأنا على باب داری، فقالت:لی إلیك حاجة وأنا ارید أن تمشی معی، فقمت معها إلی أن أتت بی صائغ یهودی، فقالت له :مثلُ هذا ثم انصرفت، فسألت الصائغ عن قولها، فقال:انها أتت إلیّ بفصّ وأمرتنی أن أنقش علیه صورة شیطان، فقلت:یا سیدتی ما رأیت الشیطان،فأتت بك".
2-مولده ونشأته:
ولد الأدیب الأریب الذی كانت لا تعزب عنه مادة فی اللغة، ولا قاعدة فی النحو،ولا نكتة فی البلاغة بمدینة البصرة، ونشأ فی كنف الملق، وفناء الفاقة فلقد كان سلیل أسرة من غمار الأسر التی اتسمت برقة الحال، وضیق ذات الید، أحوجتها الخصاصة ، ودعاها الإقتار لأن یبیع فتاهم الغض السمك والخبز بسیحان وهو نهر صغیر بالبصرة حتى تجد الأسرة ما یدفع عنهم غائلة الغرث. وتضاربت الآراء حول سنة مولد الجاحظ فقیل"سنة 150هـ، وقیل سنة 159هـ، وقیل سنة 160هـ وإذا صحّ ما یرویه هو عن نفسه یتعین میلاده أولها، فقد أُثر عنه أنه قال:"أنا أسن من أبی نواس بسنة ولدت فی أول سنة 150هـ وولد فی آخرها، وإن كانت ولادته على وجه التحقیق، فی العقد السادس من القرن الثانی من الهجرة.
أما أبوه:فلا یعرف عنه شئ إلاّ اسمه، وهذا یؤكد أنه لم یكن من عِلّیة القوم، ولا من متوسطیهم ویرجح أنه مات قبل أن ینضج ابنه الجاحظ ویذیع صیته، وإلاّ للحقه شیء من شهرته. وأما أمه:فلا یعرف عنها إلاّ أنها كانت فقیرة رقیقة الحال، وكانت تنفق علیه وهو صغیر، مما اضطره إلی كسب قوته ومواجهة أعباء الحیاة مبكراً فباع الخبز والسمك فی صباه". والجاحظ منذ أن كان یمیس فی معیة الصبا وحداثة السن شغوف بالعلم، ولا یتهاون فی الأخذ بأسبابه وتكلف بوادره، وذلك بمداعبة أغصان أسفاره الغضة، وأوراق كتبه البضة متى ما سنحت له الفرصة، ولعل خیر دلیل نسوقه لصحة هذا الزعم دكاكین الوراقین التی كان یكتریها لیلاً ویبیت فیها للنظر ومطالعة ما حوته من درر وفوائد، وتردده على تلك الحلقات العامرة التی كانت تعقد فی مساجد البصرة التی تدرس فیها العبر، ویتبلور فیها الفكر، تلك المروج التی تغشاها جحافل الفقراء بغیة البعد عن وصمة الجهل واستجلاءً لصور العلم واستنباطاً لمعانیه، كما كان كثیراً "ما یذهب إلی المربد- وهو مكان بظاهر البصرة تفد إلیه الأعراب من البوادی للتجارة وتبادل السلع –یتلقی اللغة والفصاحة مشافهة من الأعراب". ووله الجاحظ بالعلم وتدلهه بتعقب ریاضه وأفنانه كان یثیر امتعاض أم الجاحظ التی كان تشرئب لأن ینصرف ابنها "بكلیته إلی التجارة ولا یضیع علیه وقتاً ثمیناً فی الدراسة، فجاءته یوماً، بطبق كراریس، بدل الغذاء، فقال لها متعجباً:ما هذا؟ قالت:الذی تجیء به، فخرج مغتماً، وجلس فی الجامع وموسى ابن عمران جالس، فلما رآه مغتماً، قال له:ما شأنك؟فحدثه الحدیث،فادخله المنزل، وقرّب إلیه الطعام، وأعطاه خمسین دیناراً، فدخل السوق، واشترى الدقیق وغیره، وحمله الحمالون إلی داره، فأنكرت الأم ذلك، وقالت:من أین لك هذا؟قال:من الكراریس التی قدمتها إلیّ".
3-ثقافة الجاحظ وشیوخه:
التحق الجاحظ فی حداثة سنة بأحد كتاتیب البصرة حیث أجاد القراءة والكتابة، كما كان یتردد على المساجد ویحرص على حضور مجالس العلم حرص العابد المتحنث على أداء صلواته، و"بدافع الرغبة فی العلم، والطموح إلی مستقبل كریم بسببه والتعویض عن الیتم الذی هاض جناحه، أقبل الطفل الصغیر بكل قلبه وجوارحه على العلم والدرس والقراءة، موفور الموهبة، تام الملكة، وأخذ یتردد على حلقات العلم فی مسجد البصرة الجامع، ویتلقى الفصاحة شفاهاً على العرب فی المربد ویستمع من القصاص إلی أحداث الفتوح وسیر الغزاة وأطوار الزهاد والناسكین". لم یكد یشتد عوده وتظهر علیه غلواء الشباب حتى بانت علیه دلائل النبوغ وعلامات الفطنة، ولقد تتلمذ الجاحظ على ید أساتذة أجلاء كانوا غرة دهرهم، وآیة عصرهم على شاكلة"الأصمعی الذی كان یحفظ ثلث اللغة، وأبو عبیدة معمر بن المثنى الذی لم یكن فی الأرض خارجی ولا جمّاعی أعلم بجمیع العلوم منه، وأبو زید الأنصاری الذی قیل عنه وعن سابقیه إن هولاء الثلاثة كانوا-فی عصرهم-أئمة الناس فی اللغة، والشعر، وعلوم العرب، لم یر قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جُلُّ ما فی أیدی الناس من هذا العلم بل كله. كما تتلمذ الجاحظ على ید الأخفش أبو الحسن سعید بن مسعد المجاشی الذی كان أعلم الناس بالنحو والصرف، وصالح بن جناح اللخمی الذی أدرك التابعین وكلامه مستفاد فی الحكمة، وأبو إسحاق إبراهیم بن سیار البلخی ا المشهور ((بالنظام)) أحد أبرز أئمة المعتزلة والذی الذی نهل منه علوم الكلام، وكان فی جملة ما یحفظه الإنجیل والتوراة والزبور وتفسیرها، عدا الشعر والأدب والغریب".
ومن أساتذة الجاحظ أیضاً موسى بن سیار الأسواری الذی قال عنه الجاحظ:"إنه كان من أعاجیب الدنیا، وكانت فصاحته بالفارسیة فی وزن فصاحته بالعربیة وكان یجلس فی مجلسه المشهور به، فییقعد العرب عن یمینه، والفرس عن یساره، فیقرأ الآیة من كتاب الله، ویفسرها للعرب بالعربیة ثمّ یحول وجهه إلی الفرس فیفسرها لهم بالفارسیة، فلا یدری بأی لسان هو أبین، واللغتان إذا التقتا فی اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضیم على صاحبتها إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سیار الاسواری ولم یكن فی هذه الأمة بعد أبی موسى الأشعری أقرا فی محراب من موسى بن سیار". ولم یقتصر الجاحظ على هؤلاء فقط، بل كان یتردد على "ندوات الشعر ومجالس الأدباء، یأخذ عنهم، ویجالسهم، ویناقشهم فی البلاغة والأدب والشعر واللغة وك ضروب المعرفة، تساعده على ذلك موهبته الأصلیة، وحافظته القویة، وذكاؤه المتوقد، وأمده طموحه وفقره بالمثابرة والقوة والتحصیل، كما كان للأحداث فی عصره، وتطور الحیاة والحضارة، ولحركة الترجمة أثر فی ثقافته وعقلیته". كما كان للجاحظ منبع آخر تلمس فیه طریقه إلی العلم الذی بلغ ذروته حتى هتف باسمه كل أدیب، وترنم بحرفه كل فنان، كان الجاحظ راسخ القدم فی القراءة، عالی المنزلة فی الاطلاع الأمر الذی هیأ له أن یقرأ كل كتاب وقع فی یده من أوله إلی آخره، "ومنبع آخر من ثقافته، یستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له فی ذلك نظیراً ممن قبله أو عاصره،ذلك أنه انغمس فی الحیاة الواقعیة، واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه".
4-خصال الجاحظ وأخلاقه:
كان الجاحظ لا یقول إلا عن علم، ولا یفكر إلا على هدى وبصیرة، ولقد تبدى هذا فی ما جرى به قلمه الذی یفتقر الأدباء دائماً إلیه، ویعتمدون مطلقاً علیه، فلقد انتجع جهابذة الأدب واللغة مؤلفاته كما ینتجع البدو منابت الكلأ ومساقط الغیث، لأن فی الإتكاء على جدران تلك المؤلفات تلقیحاً للعقول، وترویحاً للقلب، وتسریحاً للهم، وتنقیحاً للأدب. ولعل مؤلفات الجاحظ وآثاره تكشف عن جلاء عقله المتقد الذی جاءت كتاباته شاهدة علیه فلقد كان الجاحظ حاد الذهن، مُلتهِبُ الذكاء، كما كان قوی الحافظة، صلد الذاكرة، مُفحم الحجة، ساطعة البرهان،كما أن من یقترب من مؤلفات الجاحظ أو یسبر غورها یرى تلك النزعة الفطریة"إلی التهكم والضحك فقد ساعدته هذه النزعة على التغلب على مصاعب كثیرة اعترضته فی الحیاة. فهو ما كان ینظر إلی هذه الحیاة من زاویة سوداء فیرى العبوس سائداً فیها فیجنح إلی التشاؤم بالعیش والتبرم بالناس. بل على العكس كان ینظر إلیها من زاویة وضاءة تشیع التفاؤل حولها فیقدم على عمله والأمل ملء صدره بالنجاح".
كان الجاحظ ضنینا بوقته لا یهدره سدى، ولا یبدده إلا فیما یدر دخله علیه، بعیداً كل البعد عن الفوضى، ویحب النظام فی الجملة، كما كان محمود الشمائل، أریحیُّ الطباع لعترته وخلانه، وقد تأخذه أریحیة الكرم فیعطی عن سخاء المال الذی ادخره لأیام الشدة والعنت حتى تعوزه النفقة، ویلوب على الناض یرتفق به، كما كان یربأ بنفسه عن مواطن الذل، ویتجافى بها عن مطارح الهوان، و"ما كان الجاحظ بالمتزمت ولا بالمتنسك، قام بما فرض الإسلام علیه من الفروض والواجبات، وصرف ساعات عمره فیما یرفع من شأن المسلمین، دعاهم إلی الحیاة الفاضلة، وحبب إلیهم دینهم ودنیاهم، لیستقیموا أمة عزیزة فضلة فی أخلاقها. وكان یرى سعادة أصحاب السلطان وأصحاب الثروة تزول بزوال أربابها، أو بما یعرض لها من أسباب الفناء، وأن العمل الصالح هو الأثر الذی یظل على الأیام، ولذلك كان یتقن عمله، ولا یتوخى منه إلا ما یجدی فی الحیاة والمیعاد".
ومن خصال الجاحظ أیضاً العصامیة التی أهلته لنیل تلك المنزلة الرفیعة من نباهة الذكر، وشیوع الصیت، منزلة جعلت الشریف والوضیع یتمنى أن یجلس إلیه، أو أن یأخذ عنه، أو ینتسب إلیه، فالجاحظ منذ أن كان فتاً غضاً لم یعتمد إلا على نفسه، ولم یكل أمره إلی غیره، الأمر الذی قاده إلی بغض الوساطة وكراهیة المحاباة، وتناوله بالعیب والزرایة كل من یجشمه العناء فی الخوض فی أمر یجعله یمید من الغضب ویتفجر من الغیظ، یقول الجاحظ:"سألنی بعضُهم كتاباً بالوصیة إلی بعض أصحابی، فكتبت له رقعة وختمتها، فلمّا خرج الرجل من عندی فضها، فإذا فیها(كتابی إلیك مع من لا أعرفه ولا أوجب حقه، فإن قضیت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك".
لقد كان الجاحظ رغم الشهرة والمجد متجاف عن مقاعد الكبر، وناء بنفسه عن مذاهب الكبر،و"تراه وهو العربی القح فی جمیع منازعه، لم تستهوه حكمة الیونان والهند وفارس، وما امتلكت قلبه غیر حكمة العرب، وهدایتهم وأدبهم، ومع هذا یأخذ ممن سبق ولحق، وعمن وافق وخالف؛ لا ینبو نظره عن شیء، ولا تُرذل نفسه حقیراً. ولم تورثه شهرته العلمیة زهواً وغروراً، ولا یتكلف التواضع ولا التخاشع، وبغیته الكبرى أن یرفق بالضعاف حتى یقووا، وبالجهلاء حتى یتعلموا؛ یُحاسن الكبراء من دون إسفاف، ویتجنب مخاشنتهم تفادیاً من شرهم وعتوهم، ویحلم عن الأشرار طبعاً وتطبعاً".
5-مرضه ووفاته:
عاش الجاحظ ما یربو على التسعین عاماً، قضاها فی التحصیل وتألیف تلك الجیاد المطهمة العتاق التی تزدان بها المكتبات وحوایا العلم، تلك الدررالتی یتهالك على جمعها طلاب النفائس، ویتنافس فی اقتنائها مهووسی المعرفة، ومما یند عن ذهن ویغیب عن خاطر أنّ حیاة الجاحظ لم تقتصر على الفقر المدقع، والطعام الوخیم، والفراش النابی، بل تغیرت فی نمط العیش ورونق المظهر، فلقد كفل العلم للجاحظ أن ینتقل من التراب إلی السحاب، ویغادر الفقر والفاقة التی نشأ فی مهدها الخشن، ودرج فی فنائها الضیق، وعاش فی مرعاها الجدیب، وأمسى جلیساً للخلفاء الذین یجتمع على سماطهم علیة القوم ووجهاء الدولة، وظل الجاحظ یتنقل بین بسط المروج وأفنان الخمائل، یتسابق الملوك إلی وده، ویتنافس الوزراء فی رضاه، حتى داهمه المرض، واستفحل حتى استیأس منه الطبیب، فقد أصیب أبو عثمان الجاحظ "بالفالج، فاعتزل الناس، إلا أقلّهم، وبرم بحظه. وفی تلك السنین العصیبة، التی قضاها فی البصرة، كان القلم رفیقه الدائم یستعینه على مُصابه وعلى جحود خلانه. وقد تحدث عن عجزه المضنی فی توطئة كتابه ((الحیوان))، معتذراً عن اضطراب بعض فصوله فقال:"وقد صادف هذا الكتاب منی حالات تمنع من بلوغ الإرادة فیه، أولى ذلك العلة الشدیدة، والثانیة قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب". ویروى أن أبو معاذ عبدان الخولی الطبیب قد دخل یوماً (بسر من رأى) على عمرو بن بحر الجاحظ یعوده وقد فلج، فلما أخذ مجلسه أتى رسول المتوكل ینشد الجاحظ فقال:"وما یصنع أمیر المؤمنین بشق مائل ولعاب سائل، ثم أقبل علینا فقال>ك ما تقولون فی رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس والشق الآخر یمر به الذباب فیغوث وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا أبیاتاً من قصیدة عوف بن محلم الخزاعی". التی مطلعها:
یا ابن الذی دان له المشرقان طـرا وقد دان له المغربــان
إن الثمانین وبــلغتهـا وقد أحوجت سمعی إلی ترجمان
كما حدث یموت بن المزرع الذی یمت للجاحظ بقرابة بأن المتوكل قد وجه فی السنة التی قتل فیها أن یحمل إلیه الجاحظ من البصرة فقال لمن أراد حمله:وما یصنع أمیر المؤمنین بامرئ لیس بطائل، ذی شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟ وحدث المبرد تلمیذ الجاحظ بأنه قد دخل على الجاحظ فی آخر أیامه فقلت له:كیف أنت؟ فقال:كیف یكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشیر ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس، لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك ستة وتسعون أنا فیها، ثم أنشدنا
أترجو أن تكون وأنت شیخ كما قد كنت أیام الشباب؟
لقد كذبتك نفسك لیس ثوب دریس كالجدید من الثیاب
وقال لمتطبب یشكو إلیه علته:اصطلحت الأضداد على جسدی، إن أكلت بارداً أخذ برجلی، وإن أكلت حاراً أخذ برأسی". وظل الجاحظ یتحامل على نفسه ویغالب المرض ویفر من جحیمه وویلاته بزمهریر الكتابة التی لم ینقطع عنها طوال مدة وصبه وشكاته، الأمر الذی یدل "على أنه كان على جانب عظیم من قوة البنیة، وشدة الأسر، ومتانة الأعصاب، وحضور الذهن، وقوة العقل". وقضى الجاحظ نحبه فی یوم من أیام شهر محرم سنة 255هـ حینما زحف وحیداً إلی مكتبته المكتظة بالكتب المكدسة فانهالت مجلداتها الضخمة علیه، و"كان من عادته أن یضعها قائمة، كالحائط محیطة به وهو جالس إلیها".
وشیعت البصرة التی استسلمت للعبرة، واسترسلت فی البكاء، جثمان الجاحظ الذی أضمرته أرضها، وبقى ذكره الذی یجری على كل لسان، وأدبه الذی یأسر كل نفس.
الفصل الثالث:أسلوب الجاحظ وسخریته:
1-مؤلفات الجاحظ:
إن قلم الجاحظ الذی عالج كل أمر، وابتغى كل معنى، قد سطر العدید من الرسائل التی زججت حاجبیها، وصفقت شعرها، وفتنت بتفردها، القلوب الوالهة، والنفوس العاشقة، رسائل لم تغوص بشاشة وجهها، ولم یتهضم جانبها رغم كُرور الأیام، وتعاقب الحدثان، ولعل السر فی ذلك یعود إلی الصفات التی اجتمعت فی مبتدعها الجاحظ، تلك الصفات"التی لا تلتقی عند كل إنسان، ولا تجتمع فی صدر كل أحد:بالطبع، والمنشأ، والعلم، والعادة، والعمر، والفراغ، والعشق، والمنافسة، والبلوغ، وهذه مفاتیح قلما یملكها واحد، وسواها مغالق قلما ینفك منها واحد". هذه الصفات برمتها أدت فی نهایة المطاف بالجاحظ "إلی أن یكون إمام كُتاب العربیة بلا منازع، حتى قال فی حقه المسعودی:"ولا یعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه".
ومؤلفات الجاحظ التی اتسقت عباراتها، وانتظمت ألفاظها تكاد تربو على الحصر، لأن صاحبها كان صاحب ساعد جدول، وعضل مفتول، وعقل موسوعی أحكمته التجارب، وهذبته المعرفة، لم یدع باباً إلاّ ولجه، ولا بحثاً، إلا صال وجال فیه، عقل إذا أراد أن یتخصص فی ضرب من ضروب المعرفة لتعذر علیه ذلك، لغزارة المعلومات التی یختزنها فی حافظته، ولاستقرائه الدقیق، وإطلاعه الشامل. ولتفتق قریحة الجاحظ، واتساع عقله الجبار،"كتب فی جمیع الفنون والآداب، قیل لـ ((أبی العیناء)):"لیت شعری، أی شیء كان الجاحظ یحسن؟ فقال:لیت شعری، أی شیء كان الجاحظ لا یحسن؟". ولقد أكثر الجاحظ من التألیف، حتى قیل: إنه بزّ من سبقه، ومن لحقه، ولعل اكثاره من التألیف یعود لامتداد عمره، ولقضائه شطراً من حیاته مریضاً،فاضطر إلی ملازمة بیته، وقطع فراغه بالكتابة والتألیف. وربما كان سوء منظره سبباً فی انصراف الناس عنه، فعنى بصناعة الكتب، لیعرفوا أن وراء هذا الوجه المشوه نفساً جمیلة، وروحاً فكهة، وذهناً وقّاداً.
ومدونات الجاحظ التی ترمقها كل عین، وتشرئب إلیها كل عنق، والتی یعتبرها كل أدیب أریب أغلى من أقبیة الدیباج المخوص بالذهب، هاضتها عوادی الزمان، ومزقتها طوارق الحدثان، فضاع جلها، وبقى النذر القلیل منها، وقد ذكر الدكتور الذی لم تصده عاهتة عن طلب العلوم طه حسین:"أنّ الجاحظ قد خلّف للعلم والأدب العربی أكثر من خمسین ومائتی كتاب، طُبِعَ منها بعض الكتب، وأشهرها البیان والتبیین، والحیوان، وكتاب البخلاء، ومجموع رسائله".
والحقیقة التی لا یغالی فیها أحد أن جهابذة العلماء على شاكلة بن الندیم، ویاقوت الحموی، وغیرهم من الغطاریف قد اختلفوا فی جواهر الجاحظ التی لا تخلق دیباجتها ویخبو بریقها، و"أیاً كان العدد الصحیح لكتب الجاحظ، ومؤلفاته، فإن حصر العدد فی حد ذاته لا یهمنا فی شیء، بقدر ما یهمنا أن الرجل كان غزیر العطاء، عمیق الفكر، محباً للقراءة والإطلاع والكتابة منذ صغره وحداثة سنه، إلا أن هذا اللبس فی حصر كتاباته یرجع إلیه نفسه، إذ كان ینسبها إلی مشاهؤر الكتاب فی عصره، أو فی العصر الذی سبقه. وذلك من أمثال:"ابن المقفع، والخلیل، ومسلم صاحب بیت الحكمة، ویحی بن خالد"، وما ذلك إلاّ لكی تشتهر كتاباته وتنتشر، ویتقبلها القراء لمعرفتهم بمؤلفیها.لأجل ذلك ضاعت معظم مؤلفاته، وانتسب الكثیر منها إلی غیره، ولم یبقى إلا القلیل منها".
2-أسلوب الجاحظ:
الأسلوب الذی انتهجه الجاحظ، أسلوب یزاوج بین الجد والهزل، لأن الجاحظ عالم بمكنون النفس البشریة التی یخامرها السأم والكلال من مطالعة الكتب التی تتسم مادتها بالجد والجفاف أو تسیر وتیرتها على نسق واحد، فكان الجاحظ استجماماً للنفس، ودفعاً لأی شعور بالرتابة یخلط الجد بالفكاهة، وفی ذلك یقول:"أنَّی أوشّح هذا الكتاب وأفصّلُ أبوابه بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحادیث لیخرج قارئُ هذا الكتاب من باب إلی باب، ومن شكل إلی شكل، فإنّی رأیتُ الأسماع تملُّ الأصوات المطربة، والأغانی الحسنة، والأوتار الفصیحة، إذا طال ذلك علیها، وما ذلك إلاّ فی طریق الراحة التی إذا طالت أورثت الغفلة". والجاحظ تمیز أسلوبه أیضاً بوضوح العبارة، وبساطة العرض، فقد تنزهت مؤلفاته عن التعقید والإشكال، كما بعدت عن الحشو، والركاكة، والتعسف، فمصنفاته الموشیة بذكائه اللماح، وعبقریته الفذة، وثقافته الواسعة، یمكن أن یدرك كنهها، ویحیط ببواطنها، البسیط الساذج، ومن استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه، وذلك بالطبع قبل أن تتراجع العقول، وتجهد القرائح، وتقهر العامیة الفصحى، ویتفشى الدخیل فی اللغة التی حوت كتاب الله صوناً وحفظا.
وعلاوة على ذلك كان الجاحظ"یمیل إلی تقطیع العبارة، وجعلها جُملاً قصاراً متعادلة، ویكثر من الجمل المترادفة، إقراراً للمعنى فی النفوس. وهو لیستطرد إلی ما له صلة بالموضوع، من لذیذ الأخبار، وطریف الأحادیث، وومتع النوادر، تنشیطاً للقارئ، وترفیهاً عن نفسه، وذلك أظهر فی كتبه المطولة ((الحیوان))". كما أن أسلوب الجاحظ الذی أطنب فی تحقیر الشعوبیة والزرایة علیها، أسلوب یصور الحیاة بألوان صاخبة من الشعر العذب الذی یؤنس مطالعیه بوجهه المتهلل، والحكمة التی یختلس أسبابها، ویمتهن أربابها، بفضل المقدرة، ورجاحة العقل، وسعة المعرفة، أسلوب"یصور خلجات الروح، وآهات النفس، وأزمات العقل، ویرسم لك المحسوسات كأنك تحسها، ویصف لك المعلوم والمجهول، ویعرض علیك المعقول والمنقول، أسلوب سجّل المفاخر والمعایر، وحمل إلی أبناء القرون اللاحقة أفانین من أدب-كاتبه-جمّلها بروح الحق وسحر الجمال".
ولكن الجاحظ صاحب أنضر المعانی، وأرقّ الألفاظ، والذی لم یزف بعد شخوص مجده، وأفول أدبه، لأن كُتاب العربیة أفرطوا فی لزوم غرسه، وأوغلوا فی ارتقاء جبله الأشم بمناكبهم الهشة، وعزیمتهم الماضیة التی یحدوها الأمل أن تنال النذر القلیل مما ناله أمیر البیان العربی وشیخ النقاد، الجاحظ الذی كلنا له المدح جزافا بسط طلابه الذین هم بأجمعهم عیال علیه، ألسنتهم فی مصنفاته التی منحت الحیاة خصوبة وغنی، وتحدثوا عن عیوبه رغم ما له من جلالة تغشى العیون، وقداسة تملأ الصدور، وأبانوا بأن مآخذ الجاحظ تتمثل فی"الفوضى فی سرد الأفكار أو الاختبارات العلمیة، فلا تنسیق فی كتاباته ولا تصمیم، ولا تسلسل منطقی، وقد تكون أسمى میزات العالم میزة الترتیب والتنسیق والانضباط الأسلوبی، وهذه أمور بعیدة كل البعد عن صاحبنا، وهی إذا أسبغت على القضایا الأدبیة شیئاً من الطرافة، إذ تبدد الملل فی قضائها على الرتابة عن طریق الخلط بین الجد والهزل، فإنها فی مضمار العلم تشوش الذهن، وتقضی على التركیز، حجر الزاویة، فی التحقیق العلمی".
3- الغایة من الضحك فی أدبیات الجاحظ:
الجاحظ رغم حیاة الضنك والشدة التی عاشها فی حیاته، إلا أنه دعا إلی الضحك واقتناص أسبابه، وتكلف بوادره، ومما لا یند عن ذهن أو یلتوی على خاطر أن كتبه التی عضت الدهر بناب مسموم، وصاولته بمخلب قاتل، حتى تبقى على وجه الأدیم، حافلة بالطرائف والقصص التی تضحك من استسلم للعبرة، واستخرط فی البكاء ، والجاحظ لا یرى غضاضة فی الضحك من أجل التسریة عن النفس، وإضفاء جو من التفاؤل والانبساط على وتیرة الحیاة التی یعانی قاطنیها الغلاء المرهق، والفقر المدقع، والمرض المزمن، والهلع الذی تنخلع له القلوب، وتضطرب له الحواس، والحزن الذی لا یبارح شغاف الأفئدة، فقال:"ولو كان الضحك قبیحاً من الضاحك، وقبیحاً من المضحك، لما قیل للزهرة والحبرة والحلى والقصر المبنی:كأنه یضحك ضحكاً، وقد قال الله عزّ وجلّ {وأنه أضحك وأبكى، وأنه أمات وأحیا}النجم:43،44. فوضع الضحك بحذاء الحیاة، ووضع البكاء بحذاء الموت، وأنه لا یضیف الله إلی نفسه القبیح، ولا یمنّ على خلقه بالنقص، وكیف لا یكون موقعه من سرور النفس عظیماً ومن مصلحة الطباع كبیراً، وهو شیء فی أصل الطباع، وی أساس التركیب، لأن الضحك أول شیء یظهر من الصبی، وقد تطیب نفسه، وعلیه ینبت شحمه، ویكثر دمه، الذی هو علة سروره، ومادة قوته، ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمی أولادها بالضحاك وببسام، وبطلق وبطلیق، وقد ضحك النبی صلى الله علیه وسلم وفرح، وضحك الصالحون وفرحوا، وإذا مدحوا قالوا:هو ضحوك السن، وبسّام العشیات، وهش إلی الضیف، وذو اریحیة واهتزاز، وإذا ذموا قالوا:هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتیم المحیا، وهو مكفهر أبداً، وهو كریه، ومقبض الوجه، وكأنما وجهه بالخل منضوح".
ولكن الجاحظ لا یدعو للغلو فی الضحك، والإمعان فیه، الذهاب به كل مذهب، وذلك لأن"یمنع الشهوة ویورث الصدود". بل یدعو للضحك الذی یملأ النفس بالغطبة، والجوارح بالسرور، والجاحظ دیدنه فی الكتابة أن یرفع الملل عن قارئه، ویستدر نشاطه بإیراد تلك النكات والنوادر التی تجعله یذوب فی حمیا اللهو، وینداح مع سكرة القهقهة، فیعاود القراءة بهمة ماضیة، وعزم أكید، یقول الجاحظ فی صدر حدیثه عن الجد والهزل:"خلطت لك جداً بهزل، وقرنتُ لك حجّة بمُلْحة، لتخِفّ مئونة الكتاب على القارئ، ولیزید ذلك فی نشاط المستمع، فجعلت الهزل بعد الجد جماماً، والملحة بعد الحجّة مستراحاً". والجاحظ الذی خلع على الضحك أوسمة التبجیل، وأوصله إلی ذروة السعادة التی تبتغیها كل نفس، ویتلهف لنیلها كل فؤاد، یراه الجاحظ ضروریاً للترویح عن مشاكل الحیاة وهمومها التی لا تنجلی أبداً، لذلك نجده یرى"أن الجِدّ نصب، والمزح جِمام، والجد مبغضة، والمزح محبة، وصاحب الجد فی بلاء ما كان فیه، وصاحب المزح فی رخاء إلی حین یخرج منه، والجد مؤلم، وربما عرّضك لأشد منه، والمزح ملذّ، وربما عرضك لألذّ منه، فقد شاركه فی التعریض للخیر والشر، وباینه بتعجیل الخیر دون الشر. وإنا تشاغل الناس لیفرغوا، وجدوا لیهزلوا، كما تذللوا لیعزوا، وكدوا لستریحوا، وإن كان المزاح إنما صار معیباً، والهزل مذموماً، لأن صاحبه لا یكون إلا معرضاً لمجاوزة الحد، ومخاطراً بمودة الصدیق".
وفنّد الجاحظ أن الإسلام حرّم المزاح، ودعا للكآبة والعبوس، فقال:"من حرّم المزاح، وهو شُعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة، وقد أتانا رسول الله صلى الله علیه وسلم بالحنفیة السمحاء، ولم یأتینا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادی".
4-نماذج من سخریة الجاحظ وتهكمه:
وطرائف الجاحظ وملحه التی تملأ شعاب القلب بالفرح والاستبشار،كثیرة لا تحصى، ولقد وضع فی ذلك الكتب الخالدة خلود النفس البشریة إلی أن یأتی الله على هذه الدنیا الفانیة، كتب تبرهن على أن الجاحظ قائد زمام هذا الجنس من الأدب الذی تفرد فیه، وعلا فیه كعبه، فكتاب البخلاء الذی وضعه یعتبر تحفة فنیة خالصة لأن "البراعة الأدبیة التی صاغ بها الجاحظ كتابه، والمقدرة الفنیة التی ترقرقت فیه، وسرت فی موضوعاته أسلوباً وغایة جعلته المتفرد فی هذا المجال الذی لم یسبق إلیه من قبل". فلقد تصدى الجاحظ لهذا الموضوع الذی كان یأتی نتفاً وبصورة عفویة فی مؤلفات السابقین خالیة من عامل الإبداع والتشویق، ومفتقرة لاستبطان دخائل النفوس، وإبراز خصائص المجتمع. تحدث الجاحظ بإسهاب عن الصور السالبة التی كانت سائدة فی مجتمعه والتی كانت تثیر مكامن نفسه، وتلهب حشاشته، وتجعله یغلی من الغیظ، ویفور من الغضب، ولكن أیاً من هذه المشاعر الهادرة لم تبن فی سفر الجاحظ الذی ظلّ كرصفائه حیاً لم یعتریه الموت، والعلة فی ذلك أن السخریة مؤثلة فی طبع الجاحظ، تسری فی شرایینه، وینبض بها قلبه، وإن كانت سخریته مثال رفیع لسخریة الذهن الدقیق الذی یعكف على تصویر مثالب المجتمع، ویعمل على وأد كل قالةُ سیئة تقلد مجتمعه قلائد الخزی والعار.
إنّ سخریة الجاحظ"متصلة بطبیعته المرحة وفنه، وبموقفه من الحیاة وهو موقف التوجیه والنقد، فالسخریة عنده لم تقم على عاطفة شخصیة عارضة كما تبدو عند من سبقه، ولم تقم على الهجاء الممض، ولا الشتم المقذع، وإنما هی راجعة إلی طبیعته ومزاجه". إذن الجاحظ استمد أیدلوجیته فی السخریة والتهكم من فطرته التی فطره الله علیها، ولعل خیر مثال یؤكد صحة ما ذهبت إلیه، أنّ الجاحظ كان یروی سخریة الناس منه وتندرهم بدمامته، وقبح صورته، دون أن یتنزى صدره من الغضب والحنق، ققد قال عن نفسه"إنه وصف للخلیفة المتوكل لتأدیب أحد أولاده، فلما رأى صورته استبشعها فصرفه. وأنه اشترى له جاریة تركیة جمیلة، رجاء أن یرزق منها ولداً بحسنها وذكائه، فولدت له ولداً جاء بقبحه وجهلها. ومن نوادره أنه سُمع یقول:رایت جاریة فی سوق النخاسین ببغداد یُنادى علیها، فدنوت منها وجعلت أُقلّبها، فقلت لها:ما اسمك؟قالت:مكة.قلت الله أكبر قد قرب الحج، أتأذنین أن أقبل الحجر الأسود.قالت:إلیك عنی، ألم تسمع الله یقول:{لم تكونوا بالغیه إلاّ بشق الأنفس}النحل:7." والجاحظ الذی تشبعت حیاته بعبق الدعابة، وأنفاس المرح، كان یجود بالطرفة فی أریحیة ووداعة، ویسخر ممن یعرفه ومن لا یعرفه، بسبب وبغیر سبب، ثم لا یجد فی نفسه مضّاً ولا غضاضة فی روایة تلك الأجوبة المفحمة التی أذهلوه بها، یقول الجاحظ -أسبغ الله على قبره شآبیب رحمته-:"كنت مجتازاً ببعض الطرقات، فإذا أنا بامرأتین، وكنت راكباً على حمارة، فضرطت الحمارة، فقالت إحداهما للأخرى: وی. حمارة الشیخ تضرط، فغاظنی قولها، فاحتدیت، ثم قلت لها: إنه ما حملتنی أنثى قط إلا وضرطت. فضربت یدها على كتف الأخرى، وقالت: كانت أم هذا منه تسعة أشهر على جهد جهید".
وحدث وأن صنف كتاباً من كتبه التی تلقح الفكر، وتشحذ الخاطر، وبوّب ذلك الكتاب، "وبثه فی الناس، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشیاء وجعله أشلاء، فأحضره وقال له: یاهذا إن المصنف كالمصور، وإنی قد صورت فی تصنیفی صورة كانت لها عینان فعورتهما، أعمى الله عینیك، وكان لها أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنیك، وكان لها یدان فقطعتهما، قطع الله یدیك. حتى عدّ أعضاء الصورة". ولعل قدرته الفائقة فی ترویض القلم فی السخریة من كل من سامه بخسف أو تعرض له بهوان، جعلته صاحب عزة قعساء، لا یتهضم جانبه، ولا یُستباح ذماره، فلسانه الذی كان یناوش الدهر، ویصاول الزمان، أخرس الألسنة الهازلة، والأنفس الهازئة، قیل لأبی هفان"لم لا تهجو الجاحظ، وقد ندد بك، وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلی یخدع عن عقله؟ والله، لو وضع رسالة فی أرنبة أنفی، لما أمست إلاّ بالصین شهرة، ولو قلت فیه ألف بیت، لما طن منها بیت فی ألف سنة".
لقد كان الجاحظ ینذر من یصاوله بأفدح الخطوب، ولقد برهنت رسالته الموسومة بالتربیع والتدویر، أنه لیس بضعیف المغمز، ولا هش الحشاشة، ففی تلك الرسالة التی تعد نموذجاً صارخاً على شدة عارضته، وتمكنه من أن یجهز على كل من تسول له نفسه أن یغمز قناته، أو یوطأ حماه، نجده فی تلك الرسالة التی وضعها فی هجاء أحمد بن عبدالوهاب، قد امتشق یراعه الصارم وضمخه فی ازدراء خصمه الذی جرده من كل مكرمة، وفضح جهله وادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، "فی هذه الرسالة الفریدة التی یتنادر بها أبو عثمان على مهجوّه یطرح علیه قصد تعجیزه ومعایاته مائة مسألة تناولت معظم المعضلات العلمیة التی شغلت مجتمع عصره من تاریخ، إلی فلسفة، إلی كیمیاء، إلی لاهوت، إلی حیوان، إلی نبات... والمعضلات التی یذكرها الجاحظ فی أسئلته المحرجة لا یحلها طبعاً فی هذه الرسالة القصیرة، بل یحیل مُناظره، فی كل مسألة، إلی كتاب معین من كتبه".
خاتمة:
الجاحظ أدیب العربیة الذی لا یجری معه أحد فی عنان، عاش عمره الذی ناهز المائة عاكفاً على الآداب والعلوم التی هیأت لذكره فیما بعد أن یضطرب فی الأرجاء، ولاسمه أن تتداوله الألسنة، كابد الجاحظ غصص الحرمان، وعاش طفولة بائسة أودعت فی بواكیر حیاته قیماً سامیة مكنّت مسیرة حیاته التی اختلفت علیها أحواله قبضاً وبسطاً، وخفضاً ورفعاً، أن تطوی المراحل غیر ظلعاء ولا وانیة، ولعل استقرائه الدقیق، وإطلاعه الشامل، وحرصه على وقته الذی یضاهی حرص الشحیح على ماله، كفل له أن ینداح فی كل علم، ویستفیض فی كل حدیث، ومؤلفاته التی تفوق الإحصاء جسدت لنا بواقعیة وتجرد، الحال التی كان علیها عصره، وربما الشیء الذی یزید من قیمة هذا السجل الحی خلوه من التعقید والمعاظلة ، وبعده عن الحشو والإسفاف، والجاحظ الذی كان لا یبسط لسانه بأذی أو یطوی صدره بضغینة، إلا لمن أوغل فی معاداته، أو أمعن فی التعرض له، وسخریه الجاحظ التی أخذ بخلائقها أدباء العربیة، كانت طبع وجبلة، ساعد من صقلها، ونموها احتكاكه بالناس على اختلاف مشاربهم ودرجاتهم، إضافة لقبح منظره، ودمامة صورته، فأمیر البیان العربی وشیخ النقاد، لم یكن یرمی من وراء هذه السخریة اللاذعة سوی تقویم الأخطاء التی كان یزخر بها مجتمعه، ودفع الكآبة والملال عمن یطالع مجلداته التی استقصت غرائب المسائل، ونوادر الحكایات.
المصادر والمراجع:
1- أبوعلی،محمد بركات،سخریة الجاحظ من بخلائه (عمان:جمعیة عمال المطابع التعاونیة،ط2، 1402هـ/1982م).
2- بوملحم،علی، المناحی الفلسفیة عند الجاحظ (بیروت:دار الطلیعة للطباعة والنشر،ط2، 1988م).
3- التوحیدی،أبوحیان علی بن محمد،الإمتاع والمؤانسة،تحقیق:محمد حسن محمد إسماعیل (بیروت:دار الكتب العلمیة، ط1،1424 هـ/2003م).
4- الجاحظ،أبوعثمان عمرو بن بحر،البخلاء،تحقیق:أحمد العوامری،علی الجارم (بیروت: دار الكتب العلمیة،1422 هـ/2001م).
5- الجاحظ،أبی عثمان عمرو بن بحر،البیان والتبیین،تحقیق:فوزی عطوی (بیروت:دار صعب،ط1، 1968م).
6- الجاحظ،أبو عثمان عمرو بن بحر، الحیوان، تحقیق:عبد السلام هارون (القاهرة:مطبعة مصطفى الحلبی، د.ط، 1938م).
7- جبر،جمیل،الجاحظ فی حیاته وأدبه وفكره (بیروت:الشركة العالمیة للكتاب،د،ط، د،ت).
8- حسین، عبد الحلیم محمد،السخریة فی أدب الجاحظ (طرابلس:الدار الجماهیریة للنشر والتوزیع،ط1، 1397هـ/1988م).
9- خفاجی،محمد عبدالمنعم،أبوعثمان الجاحظ (القاهرة:دار الطباعة المحمدیة، د.ط، د.ت).
10- الخضری،محمد،محاضرات تاریخ الأمم الإسلامیة (القاهرة:مطبعة الاستقامة، ط4، 1987).
11- شلحُت،فیكتور،النزعة الكلامیة فی أسلوب الجاحظ (بیروت:دار المشرق،ط3، 1992م).
12- علی،كرد،عمرو بن بحر الجاحظ (سوسة:دار المعارف التونسیة،د.ط، د.ت).
13- عویضة،كامل محمد،الجاحظ الأدیب الفیلسوف (بیروت:دار الكتب العلمیة،ط1، 1413هـ/1993م).
14-القالی،أبو علی اسماعیل بن القاسم،الأمالی فی لغة العرب (بیروت:دار الكتب العلمیة،د،ط، 1398هـ/1978م).
15- القزاز،محمد سعد،الفكر التربوی فی كتابات الجاحظ (مصر:دار الفكر العربی،ط1، 1415هـ/1995م).
16- مبارك،زكی،النثر الفنی فی القرن الرابع (بیروت:منشورات المكتبة العصریة،د،ط،د،ت).
17- هدّارة، محمد مصطفى،الشعر العربی فی القرن الثانی الهجری (القاهرة:دار المعارف، د.ط، 1978م).
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 11:53  توسط حسین منصور الناصری  | 

سیرة فدوى طوقان وأثرها فی دراسة أشعارها

 

سیرة فدوى طوقان وأثرها فی دراسة أشعارها

 

تقدیم:یدرس الباحث الشاعر رمضان عمر فی كتابه "سیرة فدوى طوقان وأثرها فی دراسة أشعارها" الذی كتبه عام 1998، سیرة حیاة الشاعرة التی كتبتها فی جزأین [1- "رحلة جبلیة... رحلة صعبة" عام 1985م، 2- "الرحلة الأصعب" عام 1993م]، وانعكاس أثر تلك السیرة فی إنتاجها الشعری.وقد قسم دراسته إلى أربعة فصول، یعالج كل قسم منها كما یذكر فی المقدمة: (یعالج الفصل الأول منها حیاة الشاعرة من خلال سیرتها الذاتیة، أما فی الفصل الثانی فقد استخدمت المعطیات المستقاة من حیاة الشاعرة لتطبق ثانیة على أعمالها الشعریة؛ لأفسر بعض الظواهر الشعریة التی لم یستطع الدارسون - فی رأیی - تفسیرها، أما الفصل الثالث فهو دراسة فنیة لسیرة الشاعرة. ثم ختمت هذه الدراسة بفصل رابع قارنت فیه  سیرة الشاعرة بسیر أخرى فی الوطن العربی، وخصوصاً النسویة منها).ودراسة الشخصیة كما یقول الباحث تتطلب من الدارس مناقشة أمور عدیدة: (حقائق الحیاة التی عاشتها هذه الشخصیة، فلا یكتفی بمجرد السرد، بل یعرض ویشرح الشخصیة فی معمله الخاص، مثیراً حولها جملة من التساؤلات، ماذا فعلت فی حیاتها؟ ولماذا فعلت ذلك؟ ما هی أخلاقها؟ نفسیتها؟ صفاتها؟ ثقافتها؟ حیاتها الاجتماعیة أو السیاسیة أو الأسریة؟ كیف كانت طفولتها؟ شقیة أم سعیدة؟ …… إلخ).ومنهج رمضان اعتمد على الناقد أدموند ولسن: (ولعل منهج الناقد " أدموند ولسن" وهو الأنسب فی تبنیه، كی أقیم دراسة حول سیرة الشاعرة فدوى طوقان معرجاً على إنتاجها الشعری، مبیناً أثر تلك السیرة فی هذا الإنتاج الشعری، وهو نفس المنهج الذی اختاره ولسون فی دراسته "لدكنز" حین بدأ بحیاة الأدیب متجهاً نحو آثاره، مفسراً الثانیة بالإشارة الأولى ". (صفحة 27)ومن هنا مشى رمضان مع حیاة الشاعرة: (منذ الولاة، صاعداً مع الخط الزمنی الصاعد عبر الرحلة الصعبة، فالرحلة الأصعب؛ لأدرس هذه الشخصیة منذ طفولتها، متناولاً نفسیتها وعلاقاتها الاجتماعیة وتصوراتها الدینیة والسیاسیة والفكریة). ( ص 31)وسنختار بعضاً من دراسته، والهوامش المذكورة هی للكاتب، ولكن استبدلت أرقامها الأصلیة بأرقام جدیدة، لتناسب التنسیق هنا. موقع فلسطینی       من دراسة الباحث للجزء الأول من سیرتها یستخلص فی الصفحات (54 - 56):( أما الجانب السیاسی فی حیاة فدوى طوقان، كما تبرزه السیرة، فلا نكاد نعثر على ما یمثل دوراً بارزاً، وإذا ما استثنینا بعض المواقف التی صورتها فی الجزء الثانی من سیرتها الذاتیة، كلقاءاتها مع دیان أو عبد الناصر، ووساطتها الشفویة لدى أبی عمار لأجل قبول السلام، فسنجد أن عملها السیاسی رهن الأداء الشعری، ونضالها السیاسی هو نضال الكلمة الشاعرة، هذا من ناحیة ومن ناحیة ثانیة، لا نكاد نلمح وجوداً لهذا الجانب فی كتابها الأول "رحلة جبلیة..... رحلة صعبة" أما ما ورد عن اتصالها بشعراء المقاومة وبعض رموز القوى الوطنیة التقدمیة، فهذا یمثل الجانب الفكری فی حیاتها، ومع ذلك، حتى هذه التجربة الفكریة، بقیت مجرد مشاركات وجدانیة فی معظمها، والشاعرة تعلن عن نفسها: " أحیانا كنت أحاول أن أفلسف وضعیتی وافتقاری إلى الشعور بروح الجماعة، فأمضی فی حواری مع النفس أتساءل: هل من الممكن أن یتجرد الإنسان الشاعر من ذاتیته إلى هذا الحد المطلوب منه فی هذا العصر؟ ثم، لماذا یساق الشعراء جمیعاً بهذه العصا الواحدة، عصا السیاسة فقط؟" (1)وتعترف فدوى أنها لم تعرف الإحساس بالواقع الاجتماعی والالتصاق الوجدانی الملازم بالقضیة الجماعیة إلا بعد حرب حزیران (2)، وهذا الاعتراف مهم جداً فی بیان ضحالة التجربة السیاسیة وافتقارها للجذور الطویلة الممتدة منذ النكبة الأولى 1948، حین كانت الشاعرة فی سن یمكنها من مزاولة الوعی السیاسی، لذا كان الجزء الثانی، بما حوى من كامل تجربة الشاعرة السیاسیة، لا یمثل الحد المطلوب لشخصیة سیاسیة ممیزة. ومع أن الجزء الثانی من سیرة الشاعرة تعرض لقضایا سیاسیة ساخنة، ولسیاسیین كبار لهم مواقفهم المعروفة، إلا أن ذكر هؤلاء جمیعاً لم یصنع من فدوى طوقان شخصیة سیاسیة (3).ولنضرب هذا المثل البسیط، وهو لقاء الشاعرة مع دیان. لم یكن اختیار الشاعرة، فی هذا اللقاء، لأنها تمثل فصیلاً وطنیاً، بل لأنها تمثل وجهاً معروفاً من وجوه المدینة، ومن خلال إمكاناتها الثقافیة قد تقوم بعملیة التفاهم بین السلطة "الیهود" وبین أبناء المدینة الرافضین للاحتلال والمقاومین له، لذا كان موقفها من خلال هذا اللقاء موقف العاجز لا السیاسی المحنك الذی یستطیع أن یتعامل مع الموقف بإدارة ودهاء، فلا تصیبه الدهشة، ولا یخشى من الحرج، بینما أوقعت الشاعرة نفسها فی الحرج وحاولت أن تعتذر عن هذا الموقف بقولها: "مصیبتی الكبرى هی هذه الطبیعة الخجول، وهذا العزوف عن اتخاذ المواقف التی قد توهم الآخرین - ممن لا یعرفنی على حقیقتی - أنها مواقف استعراضیة". (4) الهوامش:1- فدوى طوقان رحلة جبلیة.... رحلة صعبة، صفحة 151.2- انظر فدوى طوقان، رحلة جبلیة.... رحلة أصعب، صفحة 152.3- قد یكون بغض فدوى للسیاسة وقلة إحساسها بالواقع الاجتماعی من العوامل التی قللت من عمق تجربتها السیاسیة.4- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 41.      صورة الیهودی فی السیرة (من الصفحة 78 -81)لا توجد للیهودی صورة واضحة المعالم فی الجزء الأول من سیرة الشاعرة فدوى طوقان، ولم تستطع الأحداث الجسام التی وقعت للشعب الفلسطینی خلال المرحلة الشعریة الأولى للشاعرة - الممتدة من أواخر الثلاثینات إلى أواسط الستینات، وهی مرحلة نضج شعری وفكری - أن تكون صورة واضحة للیهودی المحتل فی إبداعات الشاعرة، ذلك أن الجدران الحدیدیة التی ضربت حولها نطاقاً جعلتها حبیسة الذات بعیدة عن الآخر، وبالذات حین یكون الآخر متعلقاً بالحدث السیاسی، فالسیاسة تجربة لیس لها فیها ناقة ولا بعیر. وهكذا خلت أیام شبابها من أی احتكاكات تذكر مع المحتل الیهودی، وبقیت تستجمع صورته المتناثرة من بین فتات الأخبار التی كانت تسمعها من المذیاع أو من أفواه الجیران أو رجال العائلة، وما أن انفك الحصار، وخرجت من القمقم "حتى بدأت تصطدم مع الواقع المر، وتقف جنباً إلى جنب مع أولئك الذین وقفوا أقلامهم لنصرة هذا الوطن، وبدأت تتعامل مع الواقع السیاسی، وكانت كلمة الشاعرة هی السلاح البتار الذی ارتضته لنفسها، وأخذت تشارك فی الآراء، وأخذت تنطلق من واجهة فكریة معینة تؤمن بالرفض والتحرر والحق العادل الشامل. ولأن هذه التجربة متأخرة، نسبیاً، فی حیاة الشاعرة "إذ بدأت تأخذ بعدها الحقیقی بعد حرب 1967"، كان الكتاب الثانی "الرحلة الأصعب" هو الأنسب لتسطیر هذه التجربة، بل لعل هذا الكتاب أعد أصلاً لاستیعاب هذه التجربة السیاسیة. ولو استقرأنا هذه الصورة التی رسمتها الشاعرة للیهودی المحتل، فی الجزء الثانی من سیرتها الذاتیة، لوجدنا أن هذه الصورة تختلف عن تلك الصورة المعروضة فی القصائد الشعریة، فبینما نجد صورة الیهودی فی الشعر تتخذ نمطاً واحداً، فی أغلب الأحیان، وهو المحتل الغاشم نجد أن السیرة تفرق بین صورة الیهودی الإنسان والیهودی المحتل. أما الیهودی المحتل فقد انسجمت صورته المعروضة مع النظرة السائدة فی الوسط العربی تجاه غطرسة المحتل وظلمه. ففی أحد الأیام تستوقفها شرطة السیر الإسرائیلیة وبوجوه متجهمة وغطرسة مقیتة "تأمرهم بمغادرة السیارة والوقوف جانباً، ثم یشرع اثنان من الشرطة بالقیام بتقلیب المقاعد وتفتیش الزوایا من كل جانب، بالنظرات العدوانیة نفسها ویأمرانهم بالعودة إلى داخل السیارة لیواصلوا الرحلة". (1)ومن تلك النماذج أیضاً ( مردخای ابی شاؤول) وهو أدیب یهودی كبیر وشاعر ومترجم بارز، وقد حظی هذا الأدیب كذلك بنعوت لطیفة مثل قولها: "تسكننی ذكراه دائماً خاصة حین تشتعل رغبة المحتلین فی قهرنا واضطهادنا. كان إنساناً مناقبیاً عظیماً، ناضل من أجل حریة الإنسان ومن أجل مستقبل أفضل، خال من استغلال الإنسان لأخیه الإنسان". (2)ویدلل هذا التفریق، فی نظرة الشاعرة بین الیهودی المحتل والیهودی الإنسان، على فلسفة آمن بها نفر من أبناء هذا الشعب ممن دعوا إلى التعایش السلمی، ظناً منهم أن فی ذلك خیراً لهذه الأمة، وإمكانیة فی تخلیصها من ربقة ذلها. ولعل الاتجاهات الیساریة كانت سباقة إلى مثل تلك الدعوات. الهوامش:1- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 18.2- المصدر السابق ، صفحة 117.      فدوى والشعر الوطنی(من الصفحة 167 - 189)الشعر الوطنی هو موضوع سیرة الشاعرة الثانیة "الرحلة الأصعب"یحلو للدارسین، وهم یتناولون أعمال الشاعرة، أن یشیروا إلى مرحلتین مهمتین فی حیاة الشاعرة:مرحلة الشعر الوجدانی، أو مرحلة ما قبل 67.مرحلة الشعر الوطنی، أو مرحلة ما بعد 67.وبناء على ما تقدم؛ تصبح مرحلة الإنتاج محط أنظار النقاد (1)، الذین یرون فی الشعر أداة للتعبیر عن الهموم العظیمة، ویرفضون أن تكون أحداث عظیمة مرت بها فلسطین خلال ثلاثین سنة لم تستطع أن تحرك وجدان الشاعرة المبدعة؛ ذلك أن الشاعر المبدع القادر على تصویر الحدث بواسطة الرد الشعری السریع هو المسئول الأول عن إبراز الهم الوطنی، وبوتقته فی قالب فنی خالد، لما فی الشعر من أثر لا ینكر على مسامع الناس.ولعل بعض تلك الأصوات النقدیة قد وجدت لها آذاناً صاغیة؛ وقد نتفق، وللوهلة الأولى، مع هؤلاء النقاد حین نقوم بعملیة إحصائیة حول قصائد الشاعرة، فنجد أن القصائد الوطنیة تكاد تكون نادرة إذا ما قیست إلى قصائد الحب التی ملأت معظم صفحات الدواوین الثلاثة الممثلة للمرحلة الأولى، حتى نجد بعض القصائد مثل قصیدة "مع لاجئة فی العید"، فإننا نلمس السطحیة والاقتصار على التأثر العابر الذی لا یتجاوز قشرة الحدث، ولعل عنوان القصیدة یوحی بهذا الضیق فی رؤیتها لقضیة الشعب؛ فهؤلاء الذین نزحوا إلى نابلس لیسوا إلا لاجئین: (2)            الیوم ماذا غیر قصة بؤسكن وعارها    لا الدار لا، كالأمس، هذا العید عید    هل یعرف الأعیاد أو أفراحها، روح طرید    أعلن، تقلبة الحیاة، على جحیم قفارها؟ (3)بید أنی ألتمس عذراً للشاعرة على هذه السطحیة فی الأبیات، والغربة فی المشاعر، لا لأن الشاعرة كانت تعیش بدایاتها الفنیة، بل لعلة توضحها السیرة الذاتیة نفسها، فبینما كانت الشاعرة تقبع بین جدران البیت النسوی المغلق، كانت الأحداث تعج فی الخارج، وفی تلك اللحظات كان والدها یریدها أن تملأ الفراغ الذی تركه إبراهیم، فكلما برزت مناسبة وطنیة أو سیاسیة، أقبل علیها یسألها الكتابة فی الموضوع، كان صوت فی داخلها یرتعد بالاحتجاج الصامت: "كیف وبأی حق یطلب منی أبی نظم الشعر السیاسی وأنا حبیسة الجدران؟! لا أحضر مجالس الرجال، ولا أسمع النقاشات الحادة ولا أشارك فی معمعة الحیاة، حتى وطنی لم أكن قد تعرفت على وجهه بعد، فقد كان السفر محرماً علی، وباستثناء القدس التی عرفتها بفضل احتضان إبراهیم لی حین كان یعمل فی الإذاعة الفلسطینیة". (4)  ومن هنا فقط أستطیع أن أبرز تلك السطحیة فی التعامل مع القضیة الفلسطینیة لدى الشاعرة فی تلك المرحلة، ولا أدل  على ذلك من سرعة انتقالها إلى القصیدة الوطنیة بعد انعتاقها من القمقم، ثم التقائها بشعراء المقاومة الذین استشعرت معهم روح العمل الجماعی، ولعلنا نجد مثلاً واضحاً فی قصیدة "لن أبكی" المهداة إلى شعراء المقاومة فی الأرض المحتلة:    على أبواب یافا یا أحبائی    وفی فوضى حطام الدور    بین الردم والشوك    وقفت وقلت للعینین: یا عینین    قفا نبك (5)لكنها سرعان ما تكفكف الدمع، لتبدأ مرحلة جدیدة حافلة بالعمل والمشاركة:    أحبائی    مسحت عن الجفون ضبابة الدمع الرمادیة    لألقاكم وفی عینی نور الحب والإیمان    بكم، بالأرض، بالإنسان       فواخجلی لو أنی جئت ألقاكم   وجفنی راعش مبلول    وقلبی بائس مخذول. (6)وحین تكفكف الدموع، ویتم اللقاء، تبدأ الصرخة المجلجلة التی تحمل روح المثابرة قدماً إلى الأمام:    أحبائی حصان الشعب جاوز كبوة الأمس    وهب الشهم منتفضاً وراء النهر    أصیخوا، ها حصان الشعب    یصهل واثق النهمة    ویفلت من حصار النحس والعتمة    ویعدو نحو مرفئه على الشمس    وتلك مواكب الفرسان ملتمة    تبارك وتفدیه. (7)فإذا كنا نسمع هنا صوتاً ینم عن روح المشاركة؛ فلأن الشاعرة ذاقت فعلاً طعم هذه المشاركة، وإذا كانت الشاعرة قد أهدت شعراء المقاومة قصیدتها السابقة، فهی كذلك تلقت عدة قصائد من هؤلاء الشعراء، منها القصیدة التی للشاعر محمود درویش "یومیات جرح فلسطینی"، وفیها تظهر بعض الإشارات لمقاطع وردت فی قصائد فدوى، من مثل المقطع الذی یقول فیه:  لم نكن قبل حزیران كأفراخ حمام  ولذا لم یتفتت حبنا بین السلاسل  نحن یا أختاه من عشرین عام  نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل. (8)هذا المقطع یشیر إلى قصیدة الشاعرة التی نشرت فی جریدة الاتحاد قبل ذلك، وفیها تخاطب الصدیق الذی حالت حرب حزیران دون لقائه فی القدس، وفیها تقول:   لو أننی یا صدیقی كأمس   أدل بقومی وداری وعزی    لكنت إلى جنبك الآن   عند شواطئ حبك أرسی   لكنا كفرخی حمام. (9)وكذلك تشیر المقاطع : 8 - 9 - 10 - 11 من القصیدة نفسها إلى الشهید مازن أبو غزالة، الذی كتبت الشاعرة قصیدة فی رثائه عند لقائها بمحمود درویش.من خلال هذه المعلومات التی تقدمها السیرة نستطیع أن نفلسف موقف الشاعرة من الشعر الوطنی، ونستطیع أن نفسر سر تلك النقلة النوعیة التی قفزتها الشاعرة بعد حرب حزیران، صحیح أن جسامة الأحداث قد ولدت فی نفس الشاعرة بركاناً من الهیجان؛ فانفجرت قریحتها الشعریة بخمس قصائد متتابعة، ولكنی أزعم: لو أن فرصة الانعتاق من القید الاجتماعی لم تتحقق، ولم یتح لها أن تلتقی بالآخرین والمشاركة فی العمل الجماعی لجاء ردها حول هذا الحدث شبیهاً بردودها السابقة، حین كانت لا تزال حبیسة الذات. ومن هنا لا یجوز اعتبار التحول فی القصیدة الطوقانیة مجرد تحول شكلی، بانتقالها من قصیدة البیت الشعری إلى قصیدة التفعیلة الشعریة مثلاً. بل هو بالدرجة الأولى "تحول فی المضمون، نقلة من حالة التمركز حول الذات، حول الأنا، إلى حالة التمركز حول الخارج، حول الموضوع فی الغالب الأعم. ولعل من شأن هذه الظاهریة أن تؤكد الحقیقة الرامیة إلى "أن كل تغیر بالأشكال الأدبیة إنما یسبقه أو یشرطه تغیر فی الأفكار والتصورات". (10)لذا كان طبیعیاً على فدوى القابعة ضمن جدران البیت الحریمی المغلق أن تكون مقلة فی الشعر الوطنی، وألا تستجیب لدعوة أبیها المستمرة لكتابة الشعر السیاسی، فثمة فارق بین الإلزام والالتزام، لم تستجب فدوى لدعوة أبیها، لأن تجربة الاندماج السابقة مع العالم الخارجی كانت معدومة أو ناقصة، فحین أتیح لهذه التجربة فرصة الاندماج الحقیقی مع الناس والحیاة، أصبح الالتزام بمفهوم الواقعیة المختلفة أمراً تلقائیاً. (11)ومن هنا یمكن أن ندرس شعر فدوى طوقان الوطنی وفق مرحلتین:أولاً: قبل 67، فی هذه المرحلة لم تكن فدوى قد التقت بالیهود وإنما سمعت عنهم ولاحظت ما نجم عن سلوكهم إزاء الفلسطینیین. ثانیاً: ما بعد 67، وفی هذه المرحلة تتعرف فدوى على الیهود من خلال فرص عدیدة لتبدأ برسم صورة أكثر وضوحاً. ولو أخذ الدارس قصیدة "نداء الأرض" من دیوان "وجدتها" لوجد أن الیهودی هو العدو اللئیم وهو مغتصب الأرض وهو القاتل:    وكانت عیون العدو اللئیم على خطوتین    رمته بنظرة حقد ونقمة    كما یرشق المتوحش سهمه    ومزق جوف السكون المهیب صدى طلقتین. (12)فی المقابل لو وقف الدارس أمام قصائدها بعد 67 فسیجد أن هناك غیر صورة للیهودی، مثلاً هناك صورة الجندی المسلح، وهناك صورة الیهودی غیر الجندی، ویستطیع الدارس أن یأخذ قصیدة "آهات أمام شباك التصاریح" مثالاً على صورة الیهودی المسلح:    وقفتی بالجسر أستجدی العبور   آه، أستجدی العبور    اختناقی، نفسی المقطوع محمول على وهج الظهیرة    سبع ساعات انتظار    ما الذی قص جناح الوقت،    من كسح أقدام الظهیرة؟    یجلد القیظ جبینی    ..............   ألف "هند" تحت جلدی    جوع حقدی   فاغر فاه، سوى أكبادهم لا    یشبع الجوع الذی استوطن جلدی    آه یا حقدی الرهیب المستثار    قتلوا الحب بأعماقی، أحالوا    فی عروقی الدم غسلینا وقار!! (13) هذه الأبیات قی حدتها تذكرنا بالنظرة التی كانت سائدة فی الأربعینات (14)، وهذا الحقد الفارغ الفاه نحو المحتل، یستوقفنا قلیلاً حول إمكانیة التمثل الحقیقی لمثل هذه النظرة الصادرة عن تلك الفراشة الرقیقة، فدوى طوقان، فی حین نجد صوراً أخرى للمحتل أقل حدة لدى شعراء آخرین، فهذا محمود درویش مثلاً ینظم بعد الهزیمة قصیدة یتغزل فیها بفتاة یهودیة، ذاهباً إلى أن الشیء الوحید الذی حال بینهما هو الحرب:    بین ریتا وعیونی بندقیة    والذی یعرف ریتا ینحنی ویصلی    لإله فی العیون العسلیة. (15)إن نظرة فدوى طوقان للیهود فی قصائدها الشعریة، تلبی رغبات العداء فی المجتمع الفلسطینی، كما یظهر فی قصیدتها "أردنیة - فلسطینیة فی إنجلترا"، أو كما لاحظنا فی قصیدة "فی المدینة الهرمة" حین تنبأت فدوى بنهایة الغرب ودماره؛ فعبرت بذلك عن شعور یرضی التطلعات الشرقیة حول الاستعمار، وكما بینت سابقاً، فإن هناك اختلافاً بین النظرة كما جاءت فی السیرة، وهنا أیضاً تعود المخالفة ذاتها، فحین تعرضت الشاعرة لهذه القصة فی السیرة الذاتیة "الرحلة الأصعب" عرضتها عرضاً بعیداً عن هذه العاطفة الحادة المفعمة بالحقد، فهی تعترف فی سیرتها الذاتیة أمام دیان بأن للیهود حقاً فی حیاة كریمة بعد الذی عانوه فی أوروبا. (16)وتحاول جاهدة أن ترد اتهامات وسائل الإعلام التی وجهت لقصیدتها السابقة، مبینة أنها استحضرت معانیها - فی تلك الحال الكئیبة من الحزن والشعور بالهوان والذل - من قصیدة الشاعر "مناحیم بیالك" وعنوانها "أناشید باركوخیا" وضعها الشاعر على لسان باركوخیا، مخاطباً بها الرومانی الذی كان یحاصر الیهود فی قلعة مسعدة. (17)ومع أن هذا الاعتراف یوضح بعض الملابسات الخاصة بظروف القصیدة من جهة، ویكشف عن ثقافة متنوعة للشاعرة من جهة ثانیة، إلا أنه یؤكد أن العاطفة المحمومة فی ثنایا البیت الشعری لا تمثل قطعاً خلاصة النظرة للمحتل الیهودی، لعل هذه النظرة الشعریة لا تعدو فی حقیقة الأمر أن تكون موقفاً لحظیاً، یبرز حقداً حول حادثة شخصیة مرت بها الشاعرة نفسها، ومن هنا نجدها حین تعرض لشخصیات یهودیة فی مواقع أخرى من السیرة تعرضها بنظرة موضوعیة بعیدة عن النظرة الثائرة، فقد یكون الشخص یهودیاً مستعمراً یشارك فی بناء الدولة العبریة بشكل أو بآخر فتغفر له إنسانیته ذلك، وتستعذب الشاعرة معه حلاوة اللقاء وتسعد بصحبته: "یسرنی ویسعدنی أننی أتمتع بصداقتی ومحبتی لعدد من الیهود الذین لمست دفء قلوبهم وصدق إنسانیتهم وبعدهم فی تعاملهم مع العرب عن روح التعالی القومی". (18)"وإذا قلت إننی وأنا فی صحبة صدیقة أو صدیق یهودی لا أشعر أننی أجلس إلى إنسان ینتمی إلى دولة عدوانیة اغتصبت أرض آبائی وأجدادی، فإننی أؤكد هنا أن هذا الإحساس لا ینبع عن سذاجة أو بساطة". (19) هذه النظرة التی تظهر من خلال سیرة الشاعرة تتفق وتطلعات بعض السیاسیین العرب منذ عام 1968م، فمثلاً حركة فتح التی انطلقت عام 1965، أخذت تقتنع بعد الحرب 67 بأن الفلسطینیین أنفسهم هم القادرون على حل مشكلتهم، ثم ازدادت قناعة المنظمة بعد أیلول 1970 بأن حل مشكلتهم تكمن فی تأسیس دولة، وعلى أثر حرب أكتوبر وافقت المنظمة على إقامة دولة فلسطینیة. (20)ولعل الاتجاه الیساری الذی كانت تمیل إلیه الشاعرة وتقتنع بأفكاره، كان أمیل إلى هذا الاتجاه، ولعل هذا التوجه نحو السلام لدى بعض الفصائل الفلسطینیة أفرز عقلیة ثقافیة معینة تؤمن بإمكانیة التعایش بین العرب والیهود، وعلى هذا الأساس تمت محاولات التفریق بین الیهود كمحتلین وبین الیهود كجنس، بین الیهودی كجندی والیهودی كمواطن. (21)خلاصة القول فی هذا المجال، أن هذا الشطط فی الانفعالیة الذی رأیناه فی قصیدة "آهات أمام شباك التصاریح" هذا المشروع الثوری یستعیر صوت الأسلاف من مثل قولها:    نحن بنات طارق    إن تقبلوا نعانق    ونفرش النمارق     وإن تدبروا نفارق    فراق غیر وامق. (22)هذا التصویر فی قصیدة "أمنیة جارحة"، الذی ینم عن روح ثوریة تبلغ مداها فی القسوة عندما تتمنى الشاعرة على ثوار فیتنام أن یمدوا النساء العربیات بملیون محارب لتحسین النسل:   یا إخوتنا قولوا حتام!   أواه واه یا فیتنام    آه لو ملیون محارب   من أبطالك   قذفتهم ریح شرقیة    فوق الصحراء العربیة    لفرشت نمارق   ووهبتموا ملیون ولود قحطانیة! (23)هذا النمط الشعری یمثل الحس الشرقی الذی یعلن عن استجابته للضغوط الخارجیة عن طریق استنطاق العاطفة (24)، ومن هنا قد تفرض هذه الطباع الشرقیة بعض الإلزام على الشاعر فی طریقة التناول، إذ یكثر على الإنتاج الشعری الخاص بالمقاومة الطابع التسجیلی، ومثال على ذلك ما تقرؤه فی قصائد الشاعرة حول الشهداء والأبطال والسجناء من مثل قصیدة (حمزة) التی اتخذت طابعاً قصصیاً:   كان حمزة    واحداً من بلدتی كالآخرین    طیباً یأكل خبزه    بید الكدح كقومی البسطاء الطیبین    قال لی حین التقینا ذات یوم    وأنا أخبط فی تیه الهزیمة!   اصمدی، لا تصغی یا ابنة عمی    هذه الأرض التی تحصدها - نار الجریمة    والتی تنكمش الیوم بحزن وسكوت    هذه الأرض سیبقى    قلبها المغدور حیاً لا یموت. (25) وقد كان یصعب على الشاعرة أن تتمثل منهجاً فكریاً خالصاً كالذی نبأت به من خلال الاعترافات الصریحة فی السیرة، فالقصیدة بما تكتنزه من مخزون عاطفی مستمد من الأثر اللحظی للموت البطولی، تفرض على الشاعرة نوعاً من المحافظة والإلزام، فیبقى الخطاب النثری أقدر على إبراز الجوانب الفكریة المحتاجة إلى أخذ ورد ومخالفة وتفرد وإبداء الرأی الخالص فی الفكر والسیاسة. وقد یكون من الإلزام الواضح على قصائد فدوى الوطنیة ما نلمسه فی تغیر نظرة فدوى للموت، الموت الغشوم الغدار، الموت المذموم التی تعافه الشاعرة فی قصائد الرثاء، ترحب به ألف مرة فی قصائد المقاومة:   یا ألف هلا بالموت!  واحترق النجم الهاوی وحرق   بر الربوات   برقاً مشتعل الصوت   زارعاً الإشعاع الحی على - الربات   فی أرض لن یقهرها الموت. (26)ومن الإلزام كذلك ما نلمحه من اعتراف الشاعرة بقیمة المفاهیم الدینیة فی تحریك العواطف، فتظهر لنا الشاعرة قویة الإیمان منتمیة إلى هذا الدین: (27)   یا ولدی    اذهب!   وحوطاه أمه بسورتی قرآن    اذهب وعوذتا باسم الله والفرقان. (28)ویمكن أن یأخذ الدارس قصیدة "ایتان فی الشبكة الفولاذیة" نموذجاً للیهودی غیر الجندی، فقد تعاطفت فدوى فی هذه القصیدة مع طفل من أطفال الیهود:    تحت "الشجرة" وهی تفرع تكبر، تكبر    فی إیقاعات وحشیة    تحت "النجمة" وهی تشید بین یدیه    جدران الحلم الدمویة    تحبك بخیوط الفولاذ الشبكة    تسقطه فیها تسلبه الحركة    یفتح عینیه "ایتان" الطفل الإنسان. (29)       لكنها تحمل فی ثنایاها تعریضاً مبطناً من خلال الشبكة الفولاذیة الغاشمة التی تنسجها أیدی المحتل، كی تغرق فیها الأطفال الأبریاء:    یا طفلی أنت غریق الكذبة    والمرفأ یا "ایتان" غریق مثلك فی بحر الكذبة    یغرقه الحلم المتضخم ذو الرأس التنینیة والألف ذراع. (30)هذا التصویر الفظیع لمستقبل الطفل الإنسانی فی ظل التصور الیهودی الغاشم یقترب من النموذج السابق لتنسجم مع نظرة فدوى الشعریة للیهود، هذا التصور هو الذی دفع الشاعرة لتتمنى على هذا الطفل أن یظل، حین یكبر، كما كان طفلاً، لیحافظ بذلك على إنسانیة قبل أن تتجرد تحت فظاعة الشبكة الفولاذیة:    لیتك تبقى الطفل الإنسان    أخشى وأروع    أن تكبر فی هذی الشبكة     ..........    أخشى یا طفلی أن یقتل فیك الإنسان    أن تدركه السقطة      أن یهوی    یهوی    یهوی للقاع. (31)ولكن هل انتهت الدورات السیزیفیة فی مسیرة الشاعرة فدوى بعد التقائها بقصیدة المقاومة ومشاركتها الفاعلة فی الحدث السیاسی فی المجالین الأدبی والاجتماعی؛ لنقول إن سجل القصیدة الوجدانیة قد انتهى مع حرب حزیران. حینما وجهت هذا السؤال للشاعرة نفسها، قالت: أعتقد أننی أقدر على صیاغة القصیدة الوجدانیة، وأنا أشعر بإحباط جراء الوضع السیاسی الراهن ثم أضافت: إننی بدأت فعلاً أرجع إلى ذاتی. (32)وقد قرأت علی قصیدتین تبرز فیها الذات ماثلة مثول قصائدها الوجدانیة الأولى. فی القصیدة الأولى تقول الشاعرة تحت عنوان السؤال الكبیر: ما الذی یجعل من صوتك أفقاً خارج الأرض إذا ارتاد فضاءات القصیدة.     ما الذی یجعل لی منه جناحی نورس أعلو وأعلو     بهما عبر محیطات وآفاق بعیدة     لم تزل تقصیك عنی. (33)أما القصیدة الثانیة التی تعید الشاعرة على الذاتیة، فهی قصیدة بعنوان حواریة، وهی محاولة للرجوع إلى بحر الحب:   دعانی إلیه، هو البحر   على مداه موجة إثر موجة   تباعدت، شد ذراعی إلیه    یا بحر كلا!   أخافك یا بحر عد للوراء   ومركب عمری على المنحدر. (34)ولا بد من التذكیر هنا أن البحر یعنی الغریزة  عند فروید، أما لدى الشاعرة، فهو الحب مع الغریزة، وبذا تعود الدورة السیزیفیة بالشاعرة إلى الوراء؛ وكأننا مع فتاة مراهقة تواجه الحب لأول مرة، تخاف أن تقترب منه، وهذا ما لقلب الشاعرة من ضعف وما لروحها من شفافیة، والعودة بذاتها تحطم التقسیم المنطقی الذی اعتاده النقاد؛ فلم تطلق الشاعرة القصیدة الوجدانیة، عندما بدأت بالقصیدة الوطنیة، بل الصحیح أنها تفاعلت مع هذه القصیدة وانشغلت بها فترة بفعل المؤثرات القویة التی واجهت تجربة الشاعرة خلال فترة الاحتلال الممتد منذ 67 وحتى نهایة الانتفاضة، بعد الانتفاضة كأن الشاعرة شعرت بتلاشی روح المقاومة وجفافة الحدث السیاسی، فنضب نبع شعر المقاومة، أما الغلالة الشعریة فما زالت حاملة بالمخزون، وبالذكریات، فكانت العودة وكانت الدورة السیزیفیة تحط مرة ثانیة عند نقطة البدایة. الهوامش:1- انظر تجربة فدوى طوقان، مرجع سابق، ص196، وانظر أیضاً شاكر النابلسی، فدوى طوقان والنكبة، الأفق الجدید، السنة الرابعة، ینایر 1965، ص62.2- انظر إبراهیم العلم، فدوى طوقان... أغراض شعرها وخصائصه الفنیة، مرجع سابق، صفحة 104. 3- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 62.4- فدوى طوقان، رحلة جبلیة... رحلة صعبة، صفحة 131.5- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 394.6- المصدر السابق 396.7- المصدر السابق، صفحة 397.8- فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص 22.9- الرحلة الأصعب، ص 22.10- انظر یوسف یوسف، تجربة فدوى طوقان، مرجع سابق، صفحة 196.11- انظر نایف العجلونی، السیرة الذاتیة لفدوى طوقان، الشخصی، والسیاسی، والأدبی، بحث مقدم لجامعة الیرموك فی المؤتمر الأول للحركة الأدبیة، 1993م. 12- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 125.13- المرجع السابق، صفحة 407.14- كان مفهوم الشعر العربی الحدیث فی مطلع هذا القرن للمشكلة السیاسیة هو أن یكرس الشاعر من شتم الاستعمار وبیان عیوبه، أما من الناحیة الشكلیة فقد كانت كلمات القصیدة تختار من الكلمات الرنانة الطنانة ذات الجرس القوی المؤثر. انظر شاكر النابلسی، فدوى تشتبك مع الشعر، صفحة 69 وما بعدها. انظر كذلك "ستیفان فیلد" الیهودیة والمسیحیة والإسلام، الكاتب المقدسیة تموز، 1992م صفحة 50 وصفحة 51.15- انظر عادل الأسطة، الیهود فی الأدب الفلسطینی، اتحاد الكتاب الفلسطینیین، 1992م، ط2، صفحة 94.16- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 41.17- انظر المرجع السابق، صفحة 67.18- المصدر السابق، صفحة 103.19- المصدر السابق، صفحة 103.20- انظر عادل الأسطة، الیهود فی الأدب الفلسطینی، ص 92.21- المرجع السابق، 114.22- الأعمال الكاملة، ص484.23- المصدر السابق، صفحة 484.24- نظم فوز البكری قصیدة ساخرة رداً على هذه القصیدة نحت عنوان "شریط على الهدیة" یقول فیها:  رجال فیتنام لدیهم نساء   یعین القضیة   یضمدن فیها روح الرجاء  یعشن انتماء یمتن انتماء   ولا یرتدین ثیاب حریر.  انظر فوزی البكری، صعلوك من القدس، دیوان شعر، إصدار الصوت 1982، صفحة 79، انظر كذلك عادل الأسطة، تأملات فی المشهد الثقافی الفلسطینی، نابلس 1995، صفحة 51.25- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 417.  26- المصدر السابق، صفحة 393.27-  انظر هانی أبو غضیب، فدوى طوقان، الشاعرة والمعاناة، 1983م، صفحة 183.28- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 391.29- المصدر السابق، صفحة 486.30- المصدر السابق، صفحة 487.31- المصدر السابق، صفحة 487.32- فی لقاء تم بینی وبینها بتاریخ 161998.33- من  قصیدة غیر مطبوعة للشاعرة بعنوان السؤال الكبیر. 34- قصیدة غیر مطبوعة للشاعرة.      الرحلة الأصعب(من الصفحة 242 - 250)فی الرحلة الأصعب تبتعد الأحداث عن الذات، تأخذ فی التوسع، فتختفی المعاناة الذاتیة التی لوحظ صداها فی طفولة الشاعرة الحزینة، أو من خلال عملیة الكشف الجزئی لعواطفها الملتهبة، أو تلك التی أظهرت العلاقات الأسریة غیر العادیة. (1)        انتهت إذاً الخصوصیة، وبدأت العمومیة، وإذا كانت حیاة فدوى الأولى - كما ظهرت فی السیرة - قد بنیت فی ظل صراعات عنیفة، شكلت لها عقداً نفسیة واجتماعیة، أعطت مضمون السیرة، وجعلت القارئ یتعاطف معها تعاطفاً وجدانیاً، باحثاً عبر السطور عن صورة له بین تجارب الآخرین، أو مقارناً بین حاله وحال من قرأ عنهم. فهل اختفى ذلك كله بمجرد مغادرة الشاعرة حقل الذات، والبدء بتصویر الأحداث العامة؟ یمكن القول هنا: إن الصراع لم ینته، والسریة لم تنقطع، والصراحة والصدق ما زالا حاضرین، والمتعة والفضول لهما مكانتهما الباقیة، وإن كان قد حدث شیء من التحول فی طبیعة ذلك كله؛ فالصراع انتقل من خبر الذات إلى حیز أوسع، وبقیت الشاعرة طرفاً فیه، بل مركزاً تدور حوله الأحداث، انتهى البوح الذاتی أو تراجع لصالح الأحداث الكبرى التی بدأت بهزیمة حزیران (2)، وبدأ بها الجزء الثانی من السیرة.حین كتبت الشاعرة سیرتها الأولى، كانت مثقلة بالذكریات، وكانت الرغبة فی التخفیف من ثقل هذه الذكریات غایة بذاتها لكتابة السیرة."ظللت طیلة عمری الأدبیة، أحس بانكماش ونفور من الإجابة على الأسئلة الموجهة إلی عن حیاتی، والعوامل التی وجهت هذه الحیاة  وأثرت بها، وكنت أعرف السبب - سبب ذلك الانكماش والنفور من الإجابة  على الأسئلة - ذلك أننی لم أكن یوماً براضیة عن حیاتی أو سعیدة بها، فشجرة حیاتی لم تثمر إلا القلیل، وظلت روحی تتوق إلى إنجازات أفضل وآفاق أرحب، إذن لماذا هذا؟ أكتب الكتاب الذی أكشف فیه بعض زوایا هذه الحیاة التی لم أرض عنها أبداً؟ بتواضع غیر كاذب أقول: إن هذه الحیاة على قلة أثمارها لم تخل من عنف الكفاح". (3)  إذن استمدت السیرة الذاتیة من تلك الغایة روح القوة والاستمراریة، وخرجت إلى الوجود قویة صلبة، بصدق التجربة أولاً، ثم طرافتها وقوة الدافع ثانیاً.أما فی الرحلة الأصعب - وإن كانت تحمل هماً ثقیلاً من خلال بعض العبارات المثقلة بالهموم - فإنها تفتقد إلى قوة الدافع والغایة المبررة، فمن الممكن أن تكون الشاعرة قد كتبت هذا الجزء بغیة استكمال الجزء الأول، ولما كانت الشاعرة قد تخففت أصلاً من الهم الثقیل الذی لازمها طیلة عمرها الأدبی، فقد ضعف عندها الوازع؛ فجاءت أحداث الجزء الثانی أقرب إلى الأخبار، ومن هنا فقط، أی من جهة الدافع، قد تتراجع الفنیة فی هذا الجزء لأن الشاعرة حین كتبت الجزء الأول، كانت فی عملیة بناء جدیدة لإعادة بناء جدیدة للذات اكتملت لها مع المبدعة فدوى طوقان، فكتبت قصة حیاتها، وحققت بذلك هدفها؛ لأن الناس - فی أغلب الأحیان - كانوا یعرفون الشاعرة من خلال شعرها فیجدونها مبدعة فی هذا الفن، فلما تعرفوا علیها من خلال سیرتها، وجدوا فیها عظمة الإرادة والقوة والإنسانیة، وبذلك تم لها سؤددها، ولكنها حین تكتب عن المرحلة الثانیة فلن تضیف جدیداً بعد أن لمع نجم الشاعرة وتم له السطوع. وحین یتجاوز الدارس هذه النقطة بالذات - الغایة من كتابة السیرة - وهی نقطة لصیقة جداً بدرجة الفنیة فی السیرة الذاتیة؛ ذلك أن الدافع الحقیقی وراء كتابة السیرة یجعل الكاتبة أقرب إلى الصراحة، سیجد جوانب أخرى تستقطبه وتستوقفه بعض القیم التاریخیة كالتی عرضت لها الشاعرة فی كتابها الثانی كأحداث حزیران ولقائها مع دیان والحدیث عن السلام، والحدیث عن النضال الفلسطینی فی عدة مواقع، وهذه الأحداث تشكل مورداً آخر یهم القارئ ویستقطبه (4)؛ فالجانب التصویری المتمثل فی رسم بعض الشخصیات غیر التی نجدها فی كتب بعض الأدباء العرب والمفكرین كصور الیهود المتعددة والمتنوعة، وهذا جانب آخر من جوانب الاستقطاب، سیثیر نهم القارئ، وسیجد الكاتب، وبغض النظر عن القیمة الفنیة لهذا العمل، من نوع آخر، تجلبها تلك المعلومات الكثیرة والقیمة. أما القیمة الثانیة لهذا الجزء من حیاة الشاعرة فهی تكمن فی قدرتها على استكمال ما بدأت به الشاعرة؛ فإذا جاء موضوع الاحتلال فی الجزء الأول طیفاً خفیفاً مر مرور الكرام؛ فان الصفحات القادمة ستكمل هذا الطیف وتغذیه حتى یصبح ظاهرة متكاملة تستحق الدرس، وإذا كانت الشاعرة قد تعرضت لتجربتها الشعریة فی مرحلتها الأولى؛ فإن الذكریات فی المرحلة الأصعب تبدو فی وجه من وجوهها مركزة على استحضار التفاصیل التی تشكل منها فیما بعد نسیج قصائد مرحلة ما بعد (67) فی إشارة واضحة من الشاعرة إلى طبیعة التحول فی شعرها من قضایا الذات إلى قضایا الجمع. (5)حتى الحدث التاریخی لم یكن منفصلاً عن التجربة الشعریة التی  كانت تسجل الحدث وتواكبه، كانت الساحة الأدبیة فی الضفة والقطاع قد شهدت فی السنتین الأولى والثانیة من الاحتلال فراغاً أدبیاً وثقافیاً رهیباً بفعل غیاب المؤسسات الوطنیة والكوادر الثقافیة، ثم بدأت تمتلئ شیئاً فشیئاً مع نشوء التفاعل الحیوی بین الجیل الجدید من الأدباء الیافعین، والرموز الأدبیة والوطنیة. (6)  ومن هنا، تطورت تجربة الشاعرة فی خط تصاعدی واكب حیاتها، فإذا كانت المرحلة الأولى قد فرضت على الشاعرة نوعاً من العزلة الشعوریة؛ فإن طبیعة التحول فی حیاة الشاعرة بعد (67) قد أفرزت نوعاً من التحول الفنی فی طبیعة الإنتاج الشعری؛ حیث أخذت الشاعرة تتحدت عن الوطنیة والوطن، ومثال ذلك قصیدتها الرائعة "آهات أمام شباك التصاریح" التی تمثل تلك المرحلة خیر تمثیل. الهوامش:1- انظر فی هذا ما كتبه فخری صالح فی جریدة الدستور الأدبیة بتاریخ 16793 عن الجدید فی عالم الكتب والمكتبات، عدد 7، 1995م، صفحة 40.2- انظر حاتم الصقر، عودة إلى السیرة الذاتیة، ص 36.3- رحلة جبلیة…، ص 9.4- انظر سعاد عبد الوهاب، الرحلة الأصعب، سیرة ذاتیة "قراءة نقدیة"، العدد 429، أغسطس، 1964م، صفحة 102.5-  انظر المرجع السابق، صفحة 102.6- الرحلة الأصعب، ص 25.
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 11:50  توسط حسین منصور الناصری  | 

مصادر الشعر الجاهلی :أغراض الشعر الجاهلی :النثر فی العصر الجاهلی

احتل الشعر فی العصر الجاهلی مکانة عظیمة،
حیث إنه وسیلة الإعلام الوحیدة فی القبائل ینشر أمجادها،
ویشید بأحسابها ویسجل للأجیال مفاخرها.
وکانت القبیلة إذا ینبع منها الشاعر تدق الطبول وتستقبل المهنئین والمهنئات،
وکان معظم شعراء الجاهلیة سادة فی قبائلهم.


مصادر الشعر الجاهلی :


المعلقات ، والمضلیات ، والأصمعیات ، وحماسة أبی تمام ،
ودواوین الشعراء الجاهلیین ، وحماسة البحتری ، وحماسة إبن الشجری ،
وکتب الأدب العامة ، وکتب النحو واللغة ومعاجم اللغة ، وکتب تفسیر القرآن الکریم

أغراض الشعر الجاهلی :

لقد نظم الشاعر الجاهلی الشعر فی شتى موضوعات الحیاة ومن أهم أغراض الشعر الجاهلی :

أ-الفخر والحماسة :-
الحماسة لغة تعنی : القوة والشدة والشجاعة .
ویأتی هذا الفن فی مقدمة أغراض الشعر الجاهلی ،حیث یعتبر من أصدق الإشعار عاطفة .

ب- الغزل :-
وهو الشعر الذی یتصل نالمرأة المحبوبة المعشوقة .
والشعر هنا صادق العاطفة ،وبعضه نمط تقلیدی یقلد فیه اللاحق السابق .

ج- الرثاء :-
وهو الشعر الذی یتصل بالمیت .
وقد برعت النساء فی شعر الرثاء .وعلى رأسهن الخنساء ،والتی أشتهرت بمراثیها لأخیها صخر .

د- الوصف :-
اقد تأثر الشعراء الجاهلیون بکل ما حولهم ،فوصفوا الطبیعة ممثلة فی حیوانها ، ونباتها .

ه- الهجاء :-
فن یعبر فیه صاحبه عن العاطفة السخط والغظب تجاه شخص یبغضه .
رابعاً:خصائص الشعر الجاهلی :-
یصور البیئة الجاهلیة خیر تصویر.
الصدق فی التعبیر .
یکثر التصویر فی الشعر الجاهلی .
یتمیز بالواقعیة والوضوح والبساطة .



النثر فی العصر الجاهلی

النثر هو الصورة الفنیة الثانیة من صور التعبیر الفنی ،
وهو لون الکلام لا تقیده قیود من أوزان أو قافیة .ومن أشهر ألوان النثر الجاهلی :-
·
الحکم والأمثال .
·
الخطب .
·
الوصایا .
·
سجع الکهان

+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 11:48  توسط حسین منصور الناصری  | 

الرثاء فی العصر الجاهلی

الرثاء فی العصر الجاهلی

  

الملخص

الرثاء هومن أهمّ الأغراض الشعریّة فی الجاهلیة. فهوكالمدح إلّا أنّ هناك قرائن تدلّ على أنّه فی المیّت أوالقتیل،بعبارة أخرى أنّ الرثاء هوموطن العاطفة الحزینة یصف فیه الشاعر الجاهلی المرثی بجمیع الصفات التی یصف بها الممدوح. ولا شكّ أنّ العاطفة عندما كان الرثاء فی الأقرباء أصدق منها فی غیرهم. فلذلك نجد الشاعر یباشر بالرثاء عند رثاء الأقرباء دون أن ینهج المنهج المعروف للقصیدة الجاهلیة،فیرثی دون أن یقف على الأطلال ویصفها، ودون أن یبكی أویستبكی لسیطرة العاطفة الحزینة علیه. وهوفی رثائه یستخدم الأسالیب المختلفة من إستفهام واستثناء ونداء وما إلى ذلك للتقریر أوالتهدید أوالحسرة أوالتعطیم للمرثی.

الكلمات الدلیلیة: الأغراض الشعریة، الرثاء، العاطفة الحزینة، المهلهل.
المقدمة

یعتبر العصر الجاهلی من أغنى العصور الأدبیة عند العرب شعراً. فله أثر كبیرفی هیكلیة الشعر فی العصور التالیة له شكلاًومضموناً. أمّا من حیث الشكل فنسج للشعر العربی نسیجاً شكلیاً خاصاً فرض نفسه على عاطفة الشاعر العربی طوال القرون المتمادیة وشكّلت فیه ذائقة شعریة رافضة لغیرها من أشكال البیان العاطفی. فاحتبس الشاعر الجاهلی فی ذائقته المفروضة علیه.فلم یستطع الخروج علیها فأصبح الشكل میزاناً لتمییز جیّد الشعرمن ردیئه وقبیحه. ثمّ أتى فیما بعدجیل من الدارسین بینهم خلیل بن أحمد الفراهیدی كشف الأوزان العروضیّة التی عرفت فیما بعد بالأوزان الفراهیدی فالأبیات بموسیقاهاالخاصةتتصل بعضها بالبعض بموسیقى آخرىجانبیة تشكّلـها القافیة التی تتمیز بها كل قصیدة من أخرى بل تسمّى كلّ قصیدة بحرفها الأخیرة.امّا من حیث المضمون فكان الشاعرالجاهی یبدأ قصیدته بذكر الحبیب ومنزله ووصف آثاره وصفاً دقیقاً،ثمّ یخلص إلى وصف ناقته التی تنجیه من أحزانه وآلامه. فیصورها للقارئ أرجلها وأیدیها وضمور بطنها وصلابة فقراتهاوإستطالة وجهها وكثرة أسفارها. ثمّ یعرض غرضه الرئیس فی القصیدة.

والشاعر كما قیل هولسان قومه وقبیلته یوذّع مناقبها یدافع حریمها مادحاً أبطالها یهجوأعداءها یرثی موتاها وقتلاها یفخر بمناقبها، فیرفع شأن من یرید ویخفض بمنزلة من یعارضه.كما أنّه هوالذی یشجّع الأبطال للقتال ویقوّیهم بأبیاته ویهزم الأعداء بتمزیق شوكتهم.فهورایة القبیلة وسیفها القاطع.

والرثاء هی من الأغراض الرئیسة التی تناولها الشاعر الجاهلی. فهوعند الرثاء إمّا یبدأ القصیدة بمنهـج الجاهلی المعروف وإمّا یباشر فیها بالرثاء لطغیان عواطفه وتسلیمه أمام مشاعره دون مراعاة للأسلوب السائد على القصیدة آنذاك. إذن دراسة الرثاء كغرض من الأغراض الأصلیة للشعرالجاهلی هی دراسة توضّح البیئة الجاهلیة وتبیّن منهج الشاعروتبرز أنواع الرثاء والمرثیین والصفات ممدوحة بها. ونحن فی هذا المجال ندرس هذا الغرض دراسةإجمالیة یشمل عدداًمن الشعراء الجاهلیین كلبید بن ربیعة،ودرید بن الصمة، ومن الشواعر الخنساء وسعدى بنت الشمردل وغیرهم من الشعراء.
الرّثاء فی العصرالجاهلی

الرِّثاء لغة من رَثَی ؛رَثْیاً ورثاءًورثایةً ومرثاةً ومرثیةً،ورثى المیّت أی بکاه بعد موته وعدّد محاسنه.واصطلاحاً «هوبکاءالمیّت والتّفجع علیه وإظهار اللّوعه لفراقه والحزن لموته وعدّ خلاله الکریمة ». [1] وهوعندعرب البادیة «کان تشییع المیّّت بمشی الأقارب خلف الجنازة حفاة وبحلّ النساء شعور هنّ وتلطیخ رﺅوسهنّ بالرّماد وقد یحلق النّساء رﺅوسهنَّ حزناً علی المیّّت ». [2] امّا الرثاء فی الأدب فهو" الشعر الذی یعبّر فیها الشاعر عن الحزن واللوعة، الّتی تنتابه لغیاب عزیز فجع بفقده، بتعداد مناقبه والإشاده بمآثره والتوجع علیه، وتتردد فی الرثاء صولة الموت وسلطان الفناء، ویتضمن ابیاتاً حكمیة تدعوالى الإعتبار والزهد. [3]

والشّاعرالجاهلی کان یتّبع فی رثائه المنهج الشعری الجاهلی المعروف أحیاناً ویدخل فی الرّثاء مباشرة أحیانا أخری.ففی اتّباعه المنهج الشعری الجاهلی کان یقف علی الأطلال وبقایا منزل الحبیب. فیبکی ویسائل الأشیاء عن حبیبه. ثمَّ لکی ینسی ألمه ینتقل إلی الصّحرا ء بالرّکوب علی جمل قویّ سریع یشبه حمار الوحش. فیصف ما تقع علیه عیناه. ثمّ یدخل فی الرّثاء. وهذه طریقة نجدها فی قصیدة للنّابغة الذّبیانی فی رثائه النّعمان الغسانی ومستهلّها:

    دَعاکَ الهَوی وَ اسْتَجْهَلَتْکَ المَنازِلُ
    وَکَیْفَ تَصابی المرءِ و َالشَّیبُ شامِلُ؟
    وقَفْتُ بِرَبْعِ الدّار ِ، قَدْ غَیَّر البِلی
    مَعارِفَها ، وَ السّاریات الهَواطِلُ

 [4]

والغالب أنّه کان یدخل الرّثاء مباشرة لحزنه الشّدید وللتّموّجات العاطفیّة الحادّة فی نفسه ممّا کانتْ تضیق علیه المجال علی متابعة المنهج المعروف. فتجری الكلمات فی مجرى عاطفی حزین فیستهلّ رثاءه بما یظهر من حزنه، فیزیده ذكر المرثی حزناً على حزنه ودموعاً على دموعه، فتطول له اللیالی، فیصرخ الشاعر بتفجّعه فی مستهل القصیدة کما یقول المهلهل:

    أهاج قَذَاءَ عینی الاذّکارُ
    هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
    هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
    كأنّ اللیل لیس له نهار

 [5]

    وکما یقول المهلهل :
    کُلَیبُ لا خیرَ فی الدنّیا ومَنْ فیها
    إنْ أنتَ خلّیتَها فی مَنْ یُخَلّیها
     [6]

إلّا أنّ العاطفة كما مضى تسود على الشاعرأحیاناً.فهویبدأ القصیدة بعتاب من یعاذله،فلا یستطیع الصبرعلى اللائم. فیعظّم شأن المرثی. فعلى سبیل المثال یقول درید بن الصمة مخاطباً من یلومه فی رثاء أخیه:

    أعاذلتی كلّ امرء وابن إمّه
    متاع كزاد الراكب المتزوّد
    أعاذل إنّ الرزء فی مثل خالدٍ
    ولا رزء فی ما أهلك المرءعن ید
     [7]

فیواصل العتاب ثمّ یعدّد مناقب المرثی حتى ینتقل إلى أبیات یصوّرفیها عاطفته الجیّاشة قبال أخیه قائلاً:

    تنادوا وقالوا أردَت الخیل فارساً
    فقلت : أعـبد اللّه ذلـك الـردی
    فجئتُ إلیـه والرماح تنوشـه
    كوقع الصیاصی فی النسیج الممدّد
    وكنت كذاك البوّ وریعت فأقبلت
    إلى جَلَد من مسـك سقـبٍ مقدّد
    فطاعنت عنه الخیل حتّى تنفّست
    وحتّى علانی حالك اللـون أسود
     [8]

كما أنّ الشاعر یرى قتل المرثی ظلماً وجنایة لایدرك كنهها،فیعدد مناقب المرثی ثمّ یهدّدالقتلة مثل ما نجده فی قول المهلهل:

    قل لبنــی ذهلٍ یردّونه
    أویصبروا للصّیلم الخنفقیق
    فقد تروّوا من دم محـرّمٍ
    وانتهكوا حرمته من عقوق
     [9]

    أمّا أسلوب الشاعر الجاهلی فهویتنقّل بین النداء والإستثناء والتكرار والإستفهام. فیستخدم الشاعر النداء أحیاناً لبیلن حزنه وألمه كما نراه فی قول لبید حیث یقول:
    یا عینِ هلّا بكیت أربد إذ
    قمنا وقام الخصوم فی كبد
    یا عینِ هلّا بكیت أربد إذ
    ألوت ریاح الشتاء بالعضد
     [10]

كذلك یأتی النداء لعتاب اللائم ولبیان مكانة المرثی وتعظیمه والمبالغة فی شدة ما أصاب الشاعر مثل ما مضى من قول درید إبن الصمة فی رثاء أخیه :

    أعاذلتی كلّ امرء وابن إمّه
    متاع كزاد الراكب المتزوّد
     [11]
     
    وربّما یستخدم النداء لتهدید القاتل كما یخاطب المهلهل قاتل أخیه قائلاً:
    یا أیّها الجانی على قومه
    جنایة لیس لها بالمطیق
     [12]

فإنّ إستخدام النداء كما ترى فی المثالین السابقین یعطی للشعر حیویّة تجرّ القارئ لیواسی الشاعر فی مصیبته ویشاركه فی أحزأنه وآلامه لإلقاءالوحدة الزمانیة بین الشاعر ومخاطبیه للشعور بأنّ المنادى حاضر فی مرأى القارئ. إضافة إلى ما مضى فإنّ الشاعر یستخدم النّداء أحیاناً لإستحضار الغائب والإلتذاذ بذكر المرثی، فیخاطب المیت أوالمقتول فكأنّه حاضر أمامه وینادیه ویستلذّ بتخاطبه. فالأبیات التالیة من المهلهل یزیدك شعوراً بصراخ الشاعر حزناً لإستحضار أخیه المقتول والإلتذاذ بإسمه حیث قول:

    دعوتك یا كلیب فلم تجبنی
    وكیف یجیبنی البلد القفار؟
    أجبنی یا كلیب خلاك ذمّ
    ضنینات النفوس لها مزار؟
    أجبنی یا كلیب خلاك ذمّ
    لقد فجعت بفارسها نزار
     [13]

فمناداة الشاعر المرثی مرّتین بعد فعلین أمرین یخاطب بهما إجابة أخیه مطالبة المسترحم الملحّ توضّح عاطفته الفائرة التی تغلّب علیه فخضع الراثی لها خضوعاً لا بدّ منه. كذلك یشعر القارئ بآهات الشاعروعاطفته الحزینة عندما ینادی المرثیّ الغائب الحاضر فی قلبه كما ترى فی الأبیات التالیة:

    كلیب لا خیر فی الدنیا ومن فیها
    إن أنت خلّیتها فی من یخلّیه
    كلیب أیّ فتی عزّ ومكرمة
    كلیب أیّ فتی عزّ ومكرمة
     [14]

إضافة إلى أسلوب النّداء فالشاعر یستخدم أسلوب الإستثناء للتأكید أوالحصر. فالإثبات بعد النفی فی الإستثناء یقرّرالصفة أوالموصوف فی نفس السامع إلى جانب ما فیه من التأكید. والذی یزید المعنى تقریراً فی النفوس هوالتكرار لأسلوب واحدٍ كما یلی:

    ما النّاس إلّا الدّیار وأهلها
    بها یوم حلّوها وغدواً بلاقع
    وما المرء ألّا كالشهاب وضوئه
    یحور رماداً بعد إذ هوساطع
    وما البرّ إلّا مضمرات من التّقى
    وماالمال إلّا معمرات ودائع
    وما المال والأهلون إلّا ودیعة
    ولا بدّ یوماً أن تردّ الودائع
    وما النّاس إلّا عاملان فعاملٌ
    یتبّر ما تبنی و آخر رافع
     [15]

والتكرار یقع أحیاناً فی النّداء كما رأیت فی الأمثلة الواردة سابقة كما یقع فی ذكر إسم المرثی تعظیماً له وحسرة لفقدانه :

    على أن لیس عدلاً من كلیب
    إذا خاف المغار من المغیر
    على أن لیس عدلاً من كلیبٍ
    إذا طرد الیتیم عن الجزور
    على أن لیس عدلاً من كلیبٍ
    إذا ما ضیم جار المستجیر
     [16]

ویقال أنّ الشطر الأوّل یتكرّر عشرین مرّة [17] ممّا یدلّ على خضوع الشاعر لغلیان عاطفته وعلى الإشارة إلى أنّ المرثی لا یقارن به أحد شأناً ومنزلة.

    كما یأتی الشاعر بالإستفهام لبیان شدّة تفجّعه بفراق المرثی ومبالغته فی ذكرمناقبه كما نجد فی البیتین التالیین للمهلهل حیث یقول :
    أ تغدویا كلیب معی إذ ما
    جبان القوم أنجاه الفرار ؟
    أ تغدویا كلیب معی إذ ما
    حلوق القوم یشحذهاالشّفار ؟
     [18]

فیشكوالشاعر من غربته بعد المرثی، فیجمع بین إستفهام ونداء وطباق لیجمع بین عذاب الفراق وإلتذاذ بذكره واستحضاره وشجاعته ولتأكید ألمه وحسرته له. كذلك إنّ الإستفهام یستخدم لتقریر أنّ العمر یمرّ وینتهی إلى النّقصان والضعف ولبیان أنّ الموت شامل لا مفرّ منه وهذه لتعمیم المصیبة وتنفیس المصاب وارتیاحه كما یقول لبید فی رثاء أربد:

    ألیس ورائی إن تراخت منیّتی
    لزوم العصا تحنی علیه الأصابع
     [19]
    ویقول أیضاً:
    أتجزع ممّاأحدث الدّهر بالفتى
    وأیّ كریم لم تصبه القوارع
     [20]

وکان الشّاعر الجاهلی فی رثائه یصف المرثیّ بجمیع الصّفات الفاضلة ویخلع عنه ما یعیبه من الصّفات. یقول فی ذلک بطرس البستانی : « هم یصفون المیّت بجمیع الفضائل الّتی یفاخرون ویمدحون بها ». [21] فنجد لبید بن ربیعة یقول فی أخیه أربد راثیاً:

    أشْجَعُ مِنْ لَیثِ غَابةٍ لَحِمٍ
    ذُونَهْمَةٍ فی العُلاوَ مُنْتَقَد
     [22]
    وکذلک قوله :
    حُلوًّ کریمٌ وَ فی حَلاوَتِهِ
    مُرٌ لطیفُ الأَحْشاءِ وَ الکَبَدِ
     [23]

فکما تشاهد أنّ الشاعر یصف المرثیّ بالشَّجاعة والآمال البعیدة العالیه وحُسن الخُلق وبأَنّه مکرم أصدقائِه ومخوّف أعدائه. والشاعر الجاهلی یصف المرثی بصفات أخری کالحلمِ والهیبة:

    حَلیمٌ إذا ما الحِلْمُ زَیَّنَ أهلَهُ
    مع الحِلْم فی عینِ العدوِِّ مَهیبُ
     [24]

والمرثی عند الشاعر الجاهلی نحیل الجسم مندرس الثّوب لا من فقر ؛ لأنّه فی سعة العیش بل من رجحانه الآخرین علی نفسه، فهوزاهد جواد فی فقره وبؤسه لا فی الغنی فقط. کما یقول درید بن الصِّمة:

    تَراه خَمیصَ البَطْنِ وَ الزّادُ حاضرٌ
    عتیدُ ویَغْدُوفی القَمیصِ المقَدَّدِ
    وإنْ مَسَّهُ الإقواءُ والجهدُ، زادَه
    سَماحَاً وَ إتْلافاً لِما کانَ فی الیَدِ
     [25]

کما یصف الشاعر الجاهلی المرثیَّ بأنّه لم یکتسب الفضائل طوال حیاته، بل هی طبیعة لمرثیّه:

    الحزمُ وَالعَزمُ کانا مِن طَبائِعِه
    ما کلُّ آلائِهِ یا قومُ أُحصیها
     [26]
    ویعدّ الشاعر فضائل المرثی ویتذکّره،فلایقدرأن ینام:
    أ لیلتَنا بِذی حُسْمٍ أَنَیری
    إِذاأنتِ انْقَضَیْت فَلا تَحوری
     [27]

فثثقل علیه هذه المصیبة،فلا یستطییع أن ینساه،فیبکی حتّی تأتیه المنیّة کماتقول الخنساءفی رثاء أخیها صخر:

    فَلا وَاللهِ لا أَنْساکَ حتَّی
    أُفارِقَ مُهْجَتی وَیشقَّ رَمْسی
     [28]
    وتقول:
    وَسَوفَ أَبکیکَ ماناحَتْ مَُطَوَّقَةٌ
    وماأََضاءَ تْ نُجُوم اللَّیلِ للسّاری
     [29]

    فلا تقدرأن تتحمّل فراق أخیها المتخلّق بالأخلاق الکریمة والفضائل العالیه الّتی مدحته بها،فموته أعظم مصیبة راها الإنس والجنّ:
    فَلَمْ أَرَمِثْلَهُ رُزْءً لجِنٍّ
    ولَمْ أَرَمِثْلَهُ رزءً لإنْسِ
     [30]

ولم تكن الخنساء هی الوحیدة فی رثاء أقربائها. فنجد غیرها من الشواعر اللاتی فجعن بموت أخوتهنّ وآبائهن فرثینهم، كرثاء سعدى بنت الشّمردل الجهینة لأخیها فی قولها:

    أ من الحوادث والمنون أروَّعُ
    وأبیت لیلی كلّه لا أهجعُ
    وأبیت مخلیة أبكّی أسعداً
    ولمثله تبكی العیون وتهمع
    إنّ الحوادث والمنون كلیهما
    لا یعتبان ولوبكى من یجزع
     [31]

فحزن الشاعر الجاهلی بعد ممات المرثی یجعله أن لا یری خیراً فی الحیاة بعده ویدعوألّا تطول حیاته :

    فإنْْ تَحْیَ، لا أَمْلَلْ حیاتی وإنْ تَمُتْ
    فما فی حیاةٍ بعدَ مَوتِکَ طائِلُ
     [32]

ویصف الشاعر الجاهلی قومه بالعزّ وعدم الخضوع أمام الظّلم. وأحیاناً یسیطر علیه العصبیة الجاهلیة، فیرى الإغماض عن الأخذ بالثأر ذلّاً لقومه فیحرّض بذلک قومه :

    أقولُ لتغلبٍ والعزّ فیها
    أََثیروها، لذلِکُمُ إنْتصارُ
     [33]

ویهدّد احیاناً قوم القاتل ویرید منهم تسلیم القاتل إلیهم. فإن لم یفعلوا ذلک لا بّدَ من القتال بینهم. کما أنّه یری أنفسهم مستحقّین للموت لولم یأخذ واثأر المقتول منهم :

    قُلْ لبنی ذُهْلٍ :ییردّونَه
    أویَصبِروا للصَّیْلَمِ الخَنْفَقیقْ
    إنْ نَحْنُ لَمْ نَثْأَرْ به فَاشحَذُوا
    شفارَکم مِنّا لحزِّ الحُلُوقْ
    غَداً نُساقی- فَاعْلَموا –بَیننا
    أَرْماحنَا مِنْ قاِنی ءٍ وکالرَّحیقْ
     [34]

وبعد أنْ یحزن الشّاعر الجاهلِِی لموت المرثیّ ویهدّد قاتلیه فیتعهّد ألاّ ینتقل إلی المللّذات والغانیات والخمر وَأنْ لایَخلع درعَه وسیفَه حتّی یأخُذ ثأرَه، کما یقول المهلهل:

    خُذْ العهدَ الأَکیدَ علیَّ عمری
    بِتَرکی کلَّ ماحَوَتِ الدِّیارُ
    وَهِجریَ الغانیاتِ وَشُربَ کأسٍ
    وَ لُبسْی جبّةً لا تُسْتَعارُ
    ولستُ بِخالعٍ دِرعی وسَیفی
    إلی أنْ ییخْلَعَ اللیلَ النَّهارُ
     [35]

ثم إنّ النظرة العابرة إلى ما وصل إلینا من الرثاء توضّح لنا أنّ الرثاء هومحطّ الحكمة العقلیة حیناً والعاطفة الجیّاشة حیناً آخر، كما نجد أحیاناً أنّ العاطفة تتخلّل الحكمة فتمزج الصلابة بالرقّة. فالشاعر إذا كان ذا شخصیّة متأمّلة فی الحیاة یغلب علیه العقل فیبرّر الشاعر المصیبة بتجاریبه وتأمّلاته العقلیة ممّا یجعل شعره بعیداً عن العواطف أو ینقص مكانتها خلال الأبیات. فیتحدّث الشاعر عن الحیاة وما فیها من فقر وغنى وجزع وفرح وخسران وربح وشیب وشباب وعجز وقوّة. فلا یتكلّم عن شئٍ إلا ویأتی بضدّه تنفیساً لما أصابه وخلاصاً منه وتسهیلاً لمواصلة الحیاة وهذه حكمة ناتجة من تخاطب الإنسان مع الطبیعة توجد فلسفة جدیدة للحیاة. ومن الشعراء الجاهلیّن الذّین برزت الحکمة فی رثائهم بروزاً واضحاً هولبیدبن ربیعة. فهویرکزّ جلّ عنایته علی إعطاء الاعتبارات العامّة. فیتحدّث عن التغیرّ والتَّحوّل فی الدّنیا وعن أنّ ساکنیها جاؤوا قوماً بعد قوم حتّی استخلفنا هم :

    وَمَا النّاسُ إلاّ کَالدّیارِ وَأهلُها
    بِها یَومَ حلّوها وَ غدْواً بلاقِعُ
    وَیَمضُونَ أَرْسالاً وَنخلُف بعدهم
    وَ یَمضُونَ أَرْسالاً وَنخلُف بعدهم
     [36]

ویتذکّر المتوفّی ویذکر الموت بأنّه موعد لکل النّاس. فبعضهم ماتوا وبعضهم قریب من موتهم :

    فلا تَبْعَدَنْ إنَّ المنیّةَ مَوْعدٌ
    عَلینا فَدانٍ للطّلوعِ وَطالِعُ
     [37]

    والشاعر الجاهلی یأتی بالحكمة فی رثائه لیستخلص من همومه «إذا لم یجد سبیلاً إلی إدارک الثّأر، أوإذا أدرکه، أوإذا کان المّیت قضی غیر مقتول بمرض أوحادث طبیعیّ، فیعمد إلی تعزیة نفسه بذکر مصائب الدهر وفلسفة الحیاة والموت». [38]فیتحدّث عن الولادة والموت، ویراهما من طبیعة الحیاة. فکلّ ولادة یعقّبها موت لا مفرّ منه لأحد. فهویبرّز بهذا حوادث الدّنیا ومشاقها لیجعلها قابلة للتّحمل. فلذلک لا تفرحه طریفة ولا تؤلمه مصیبة:
    فَلا جَزِعٌ إنْ فَرَّقَ الدَّهرُ بَینَنا
    وَ کلُّ یَوماً بِهِ الدَّهْرُ جازِعُ
    فَلا أَنا یَأْتینی طَریفُ بُفَرْحَةٍ
    وَلا أَنا لَمَّا أحْدَثَ الدَّهرُ جازِعُ
     [39]

إلی جانب رثاء الشاعر غیره «قد عرف الشّعراء الجاهلیوّن ضرباً من رثاءِ الشاعر لنفسه عند ما یحسّ بدنوّ الموت، کرثاء الممزق العبدی لنفسه وتصویره لطقوس الموت الّتی ستجری علی رفاته من ترجیل لشعره ودرج جثمانه فی أَکنافه، ثمَّ لحده حیث یقول:

    هَلْ لِلْفَتی مِنْ بَناتِ الدَّهْرِمِن واقِ
    أَم هَلْ لَه مِن حِمامِ الموتِ مِنْ راقِ
    قد رجّلونی ومارُجِّلتُ مِن شَعَثٍ
    وَ ألبِسونی ثیاباً غیر أخلاقِ
    وَ أَرْسَلُوا فتیةً مِنْ خَیْرِِ همْ حَسَباً
    لِیَسْندوا فی ضَریح التّربِ أطباقی
     [40]

والشّاعر الجاهلی صادق العاطفة فی رثائه. فحزنه الشّدید واضح من خلال أبیاته خاصّةً إذا کان الرّثاء فی أحد الأقرباء. کما نجده عندالمهلهل حیث یرثی أخاه کلیباً:

    أَبتْ عَینایَ بَعْدَکَ أَنْ تَکُفّا
    کَأَنَّ غَضَا القَتَادِ لَها شِفَارُ
    کَأَنّی إذ نَعی النَّاعی کُلَیْباً
    تَطَایَر بَیْنَ جَنْبَیَّ الشَّرارُ
    فَدُرْتُ وَ قَدْعَشِیَ بَصَری علیه
    کما دارَت بِشارِبِها العُقَارُ
    سَأَلتُ الحَیَّ أَینَ دَفَنْتُمُوهُ
    فَقالُوا لی «بسَفحِ الحیِّ دارُ»
    فَسِرتُ إلیه من بلدی حَثیثاً
    وَطارَ النَّومُ، وَامْتَنَعَ القَرارُ
     [41]

فإذا قرأت قصائده فی رثاء أَخیه تجد أَنَّه یصوّر حزنه فی تفجعّ شدید کما فی القطعة السّابقة علینا،فتأبی عیناه من ألاّ تبکی، فتذرف الدّموع کأَنَّ شفارها غضا القتاد.وعند ما یسمع موت أخیه تطایر بین جنبیه الشّرار. فمن شدّة الحزن والبکاء لاینام، فیضطرب. ویکاد یفقد بصره.

ولا شکٍّ فی أنّ العاطفة تضعف لوکان المرثی من غیرأهل الشّاعر. فلا نجد حینئِذٍ التفجع فی رثائه کما نجده عندرثاء أقربائه. یقول فی ذلک بطرس البستانی:« إذا ابتعدت المراثی عن الأهل والأقرباء وخرجت إلی السادات والملوک الغرباء،کان شأنهاشأن المدح التّکسّبی، علی غیر آصرة صحیحة تربط الشاعر بالمیّت إلاّ ذکر أیادیه البیض علیه کرثاء النّابغة للنّعمان الغسانی حیث یقول:

    یَقُول رِجالٌ یُفکرونَ خَلیقَتی
    لعلّ زیاداً ، لا أبالک ، غافلُ
    غفلتی أنّی إذا ما ذکرتُه
    تحرّک داءٌ فی فؤادی داخلُ
    وإنّ تلادی إن ذکرتُ وَشِکََّتی
    وَ مُهری وَ ما ضَمَّتْ لدیََّ الأَنامِلُ
    حِباؤکَ وَ العِیسُ العِتاقُ کأنّها
    هجان المهی تُحدی علیها الرّحائلُ
     [42]

فلولا اقّترابه من النّعمان الغسّانی لشککنا فی جعل شأن رثائه شأن الملاح التّکسّبین – کما یقول البستانی- لقوله :« رجال ینکرون خلیقتی. ..» الّذی یشیرإلی رغبته فی رثاء النّعمان ولقوله :«إذا ماذکرته تحرّک داءٌ فی فؤادی داخلُ» الّذی یدلّ علی حزنه وأئمه. ولکن لا کحزن المتفجّع لفقیده. والرّثاء کغیره من الفنون الشّعریة الجاهلیة مرآة صادقة للحیاه الجاهلیّة. فالشاعر الجاهلی یصف مرثیّه بالتّحلّی بالأخلاقیّات مثل الشجاعة والجود والحلم والزّهد وغیرها، وقد استشهدنا فیما سبق لهذه الصّفات بالشّواهد الشّعریّة. وکذلک نجد فی الّرثاء من عاداتهم امتناعَهم من شرب الخمر ومعاشرتهم الغانیات وابتعاد هم عن الملذّات عند موت أحدأقربائهم.

ونجدأیضاً فی رثائهم أبیاتاً تدلّ علی معرفتهم ببعض المعارف کالعیافة والعرافة والنّجوم، کما أتی به لبید بن ربیعة فی رثاء أربد: لَعَمْرُکَ ماتَدری الضَّواربُ بِالحصی

    وَلا زاجِرتُ الطَّیرِ ما اللَّهُ صانعُ
    سَلُوهُنَّ إِن کذَّ بتُمُونی مَتی الفَتـی
    یَذُوقُ المَنایا أَم مَتی الغَیثُ واقِع
     [43]
    کما یقول:
    أخْشی علی أَرْبَدَ الحتوفَ وَلا
    أَرْهَبُ ذَوْءَ السِّماکِ ولأَسدِ
     [44]

فهذه الأبیات تدلّ علی أنّه کان منهم من یعتقد بالعیافة والعرافة ومن لایعتقد هما ویری أنّ الله هوالّذی تجری الأموربیده.
حواشی

[1] حسن جاد حسن، الأدب العربی بین الجاهلیة والإسلام، ص 147

[2] حنّا الفاخوری، الجامع فی تاریخ الأدب العربی، ص 146

[3] السید جعفر الحسینی،تاریخ الأدب العربی، الأدب الجاهلی، ص132

[4] دیوانه، ص 58

[5] السید احمد الهاشمی،جواهر الادب، ص 771

[6] فؤاد أفرام البستانی،المجانی الحدیثة، ج1،ص271

[7] نفس المصدر، ص317

[8] نفس المصدر، ص 318

[9] نفس المصدر، ص 270

[10] نفس المصدر،ص116

[11] المصدر السابق، ص317

[12] نفس المصدر، ص 269

[13] نفس المصدر، ص271

[14] نفس المصدر، ص272

[15] المصدر السابق، ص114

[16] نفس المصدر، ص 275

[17] أنظر الحاشیة من المجانی الحدیثة من فؤاد افرام البستانی، ج 1،ص 275

[18] نفس المصدر،ص272،

[19] نفس المصدر،ص115

[20] نفس المصدر،ص115

[21] بطرس البستانی، أدباء العرب فی الجاهلیة والإسلام،ص61

[22] دیوانه،ص51

[23] نفس الصدر

[24] لوئیس شیخو، شعراء النّصرانیّة،ً748

[25] لوئیس شیخو، شعراء النّصرانیّة،ً759

[26] المجانی الحدیثة،ج1،ص237

[27] نفس المصدر،ص274

[28] دیوانها، ص85

[29] نفس المصدر، ص89

[30] نفس الصدر،ص 84

[31] من الشعر الجاهلی، أحمد المراغی ص: 62

[32] النابغة الذبیانی، دیوانه، ص61

[33] المجانی الحدیثة، ج2، ص272

[34] المصدر السابق،ص270

[35] نفس المصدر،ص273

[36] دیوانه، ص88

[37] نفس المصدر، ص89

[38] أدباء العرب فی الجاهلیّة وصدر الإسلام، ص 63

[39] دیوان لبید، ص88

[40] السید جعفر الحسینی، تاریخ الادب العربی، الادب الجاهلی، ص 135

[41] المجانی الحدیثة، ج 1، ص 272

[42] أدباء العرب فی الجاهلیة وصدر الاسلام، ص 65

[43] دیوانه، ص 90

[44] دیوانه، ص 49
+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 11:47  توسط حسین منصور الناصری  | 

الشاعر معين بسيسو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشاعر معين بسيسو

 

نبذة

ولد معين بسيسو في مدينة غزة بفلسطين عام 1926 ، أنهى علومه الابتدائية والثانوية في كلية غزة عام 1948 .
بدأ النشر في مجلة " الحرية " اليافاوية ونشر فيها أول قصائده عام 1946 ، التحق سنة 1948 بالجامعة الأمريكية في القاهرة ، وتخرج عام 1952 من قسم الصحافة وكان موضوع رسالته " الكلمة المنطوقة و المسموعة في برامج إذاعة الشرق الأدنى " وتدور حول الحدود الفاصلة بين المذياع والتلفزيون من جهة والكلمة المطبوعة في الصحيفة من جهة أخرى .
انخرط في العمل الوطني والديمقراطي مبكرا، وعمل في الصحافة والتدريس .
وفي 27 كانون الثاني ( يناير ) 1952 نشر ديوانه الأول ( المعركة ) .
سجن في المعتقلات المصرية بين فترتين الأولى من 1955 إلى 1957 والثانية من 1959 إلى 1963 .
أغنى المكتبة الشعرية الفلسطينية والعربية بأعماله التالية :

أعماله الشعرية :

  • المسافر (1952م).

  • المعركة (دار الفن الحديث، القاهرة، 1952م).

  • الأردن على الصليب (دار الفكر العربي، القاهرة، 1958م).

  • قصائد مصريّة / بالاشتراك (دار الآداب، بيروت، 1960م).

  • فلسطين في القلب (دار الآداب، بيروت، 1960م).

  • مارد من السنابل (دار الكاتب العربي ، القاهرة، 1967م).

  • الأشجار تموت واقفة / شعر (دار الآداب، بيروت، 1964م).

  • كرّاسة فلسطين (دار العودة، بيروت، 1966م).

  • قصائد على زجاج النوافذ (1970م).

  • جئت لأدعوك باسمك (وزارة الإعلام، بغداد، 1971م

  • الآن خذي جسدي كيساً من رمل (فلسطين، بيروت، 1976م).

  • القصيدة / قصيدة طويلة (دار ابن رشد، تونس، 1983م).

  • الأعمال الشعرية الكاملة / مجلد واحد (دار العودة، بيروت، 1979م).

  • آخر القراصنة من العصافير.

  • حينما تُمطر الأحجار.

أعماله المسرحية :

  • مأساة جيفارا (دار الهلال، القاهرة، 1969م).

  • ثورة الزنج (1970م).

  • شمشون ودليلة (1970م).

  • الأعمال المسرحية (دار العودة، بيروت، 1979م) يشمل :
    - مأساة جيفارا.
    - ثورة الزنج.
    - الصخرة.
    - العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع.
    - محاكمة كتاب كليلة ودمنة.

أعماله النثرية:

  • نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة (القاهرة، 1970م).

  • باجس أبو عطوان / قصة (فلسطين الثورة، بيروت، 1974م).

  • دفاعاً عن البطل (دار العودة، بيروت، 1975م).

  • البلدوزر / مقالات (مؤسسة الدراسات، 1975م).

  • دفاتر فلسطينية / مذكرات (بيروت، 1978م).

  • كتاب الأرض / رحلات (دار العودة، بيروت، 1979م).

  • أدب القفز بالمظلات (القاهرة، 1982م).

  • الاتحاد السوفيتي لي (موسكو، 1983م).

  • 88 يوماً خلف متاريس بيروت (بيروت، 1985).

  • عودة الطائر / قصة.

  • وطن في القلب / شعر مترجم إلى الروسية - مختارات موسكو.

  • يوميات غزة (القاهرة).

و شارك في تحرير جريدة المعركة التي كانت تصدر في بيروت زمن الحصار مع مجموعة كبيرة من الشعراء و الكتاب العرب .
ترجم أدبه إلى اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية ، ولغات الجمهوريات السوفيتية أذربيجان ، أوزباكستان و الإيطالية و الإسبانية و اليابانية و الفيتنامية و الفارسية .
حائز على جائزة اللوتس العالمية وكان نائب رئيس تحرير مجلة " اللوتس " التي يصدرها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا .
حائز على أعلى وسام فلسطيني ( درع الثورة ) .
كان مسؤولاً للشؤون الثقافية في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين .
كان عضو المجلس الوطني الفلسطيني .
استشهد أثناء أداء واجبه الوطني وذلك إثر نوبة قلبية حادة آلمة في لندن يوم 23 / 1 /1984  .

 

مقال بقلم رشاد أبو شاور

عام 1984، رحل الشاعر الكبير معين بسيسو في العاصمة البريطانية (لندن)، ولم تكتشف وفاته إلاّ بعد 14 ساعة لأنه كان يعلّق علي باب غرفته بالفندق الذي نزل فيه عبارة: الرجاء عدم الإزعاج.
رحل معين بسيسو شّاباً في السابعة والخمسين، فهو ولد في (غزّة) بتاريخ 10 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1927.
كان يريد أن ينام، أن يرتاح، ولكن قلبه الذي أجهد نبض نبضات سريعة، ربّما احتجاجاً علي إرهاق الشاعر له، فمدّ معين يده إلي الهاتف يريد طلب المساعدة، ولكن الوقت كان قد فات...
عندما فتح باب الغرفة، وجد الشاعر نائماً، ويده ممدودة إلي الهاتف في مشهد جامد.
مفارقة هذه، أن يموت شاعر فلسطيني في (لندن) عاصمة السياسة التي كانت أس المصائب، وأصل النكبة والخراب في فلسطين، وأن لا يحظي بالراحة، ولا يصل نداء استغاثته بطلب العون، ثمّ ينقل جثمانه ليدفن في القاهرة، محروماً من دخول غزّة ، حتى بعد أن مات، وهذا ما يدّل علي مدى حقد عدونا على الشعر والشعراء.
كأنما هذه حكاية الشعب الفلسطيني، مع فارق أن شعبنا حي، وأنه يمضي علي طريقه، وأنه يتقوّي بصوت الشاعر، وبالشعر، حداءً لأمل سيتحقق. معين بسيسو، الفلسطيني، الغزّي، المدفون في ثري مصر الطهور، بين من أحبهم، لم تسمح سلطات الاحتلال الصهيوني لجثمانه بالدخول ليدفن هناك في تراب غزة الذي درجت عليه أقدامه، والشاهد الأول لتفجّر موهبته الشعرية.
حدث في زمن بعيد، أن أخرج أبي يده من تحت عباءته ومدّها وقد طوت كتاباً رقيقاً غير مدرسي، وقال لي محتفياً:
ـ هذا شعر لمعين بسيسو.
ثمّ طلب منّي أن أقرأ، فقرأت...
كان الأب الأمّي فخوراً برفيقه، رغم أنه لا يعرفه، وكان يريد لابنه أن يحفظ هذا الشعر، وأن يصونه في ذاكرته، فهذا الشعر يصل كالمنشورات السريّة، وهو بذور لا بدّ لها من تربة لتخصب فيها، وتربة الشعر هي النفوس، والعقول...
كبرت، وعرفت من هو هذا الشاعر، وصرت أقرأ شعره دون حّث من الأب، ولكن بحافز منّي، فشعر معين بسيسو يشّد العزيمة، ويقوّي المعنويات، وهو قريب إلي روحي.
ردد أبي وقد حفظ لفرط ما تلوت علي مسمعه:
من لم تودّع بنيها بابتسامتها
إلي الزنازين لم تحبل ولم تلد
وحفظ عن ظهر قلب:
أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح
وكان يدخل السجن، ويخرج، وفي يقينه أنه ينبغي أن يكون إبناً لائقاً، شجاعاً ومفتدياً، ومضحيّاً، لتباهي أمّه به، وليعش هو في أفئدة الجماهير مكرّماً، تماماً كما يقول شعر رفيقه معين بسيسو. هذا شعر يشجّع، يغذّي الروح بالإيمان، يدحر الشعور بالعزلة بعيداً عن ضمير المناضل المضحّي، الذي يتعرّض لكّل ما يتسبب له بالأذي، والإحباط.
صوتان وصلانا من غزّة: صوته وصوت هارون هاشم رشيد، وبشعرهما عشنا مع (غزّة) المأساة والمعجزة.
شعرهما انتشر موحّداً مشاعر الفلسطينيين، ومنشئاً صلة وصل بينهم، إن في منافيهم البعيدة، أو في مخيّمات اللجوء في الضفّة الفلسطينيّة، وسوريّة، ولبنان.
صورة معين بسيسو وصلت إلينا كما يليق بالشاعر، فهو يتقدّم المظاهرات، بقميص مفكوك الأزرار عن الصدر، مشرع للاستشهاد، هاتفاً بشعره، رافضاً مع شعبه التوطين في سيناء، فلا بديل عن فلسطين.
تلك كانت صورة الشاعر، الذي ينتسب إلي سلالة شعراء، حملوا دمهم علي راحاتهم، ومضوا في مقدمّة الصفوف، بكامل عدّتهم: الموهبة الشعرية، الالتزام، حمل المبادئ، الجاهزية للتضحيّة، بمصداقية القول المقترن بالفعل. إن دور شعرائنا التنويري، التثويري، قد دشّن منذ بداية الصراع والاشتباك مع الحركة الصهيونيّة، والاستعمار البريطاني، والمؤامرات المحليّة المتصاعدة علي عروبة فلسطين، وها هم شعراؤنا أحياء يرزقون بيننا: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمي)، مطلق عبد الخالق، حسن البحيري، نوح إبراهيم الشاعر الشعبي، محمد العدناني، كمال ناصر، فدوي طوقان، علي فودة، فوّاز عيد... ومن بعد، حين وقعت النكبة، وهيمن اليأس، والشعور بالعجز، ارتفعت أصوات شعرائنا، حاضة علي الصبر، والتشبّث بفلسطين، والاعتماد علي النفس، وفاضحة الخيانة وأسباب الهزيمة والكارثة، ومحرّضة علي مواصلة المعركة.
قد يقال بأن هذا الشعر فيه مباشرة، وتحريض آني، والحق أن تلك المباشرة حملتها مواهب أصيلة ذكيّة، عرفت كيف تغوص في عمق الحدث، وتستخرج منه قيماً إنسانيّة جوهرية لا تموت مع الزمن.
ما كان صدفة أن عنوان أحد بواكير أعمال معين بسيسو هو (المعركة)، فشعراء فلسطين قديماً وحديثاً يعيشون في المعركة، وفي نيرانها يكتبون، وهم يكتبون عن الوطن، والشهادة، والبطولة، والتضحية، والحب، والمنفي، والعودة التي ستتحقق، وهم يتأملون في مصائر البشر، والحياة، والكون، فهم لا يغلقون علي أنفسهم، وما هو بغريب أن الفلسطينيين كانوا في مقدمة من ترجم عن الغرب روائع أدبية، وفلسفيّة ...
معين بسيسو شاعر معركة، واشتباك، يحيا، ويتألّق، ويجوهر في الميدان، بين الناس في أتون المعركة... من عرفه في غزّة رآه شاعراً ومناضلاً في الميدان، يتقدّم جموع الفلسطينيين الرافضين للتوطين في صحراء سيناء، والمطالبين بالتسلّح للتصدّي لاعتداءات المحتلين الصهاينة، وكانت آنذاك قد ازدادت علي قطاع غزّة.
كان معين بسيسو يباهي بأن أهل غزّة أفشلوا مشروع التوطين، وكانوا السبب في صفقة الأسلحة التشيكيّة التي أبرمتها مصر الناصرية، ليتمكن جيشها من الرّد علي الاعتداءات، وتدشين حقبة العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، أي أن هذا التحوّل الاستراتيجي كان فيه دور بارز لفلسطينيي غزة الأباة العنيدين المكافحين.
من عرفوا معين بسيسو آنذاك، رأوه وهو يشرّع صدره للبنادق، هاتفاً باسم فلسطين، معلياً من شأن البطولة والتضحية. هنا كان صوت عبد الرحيم محمود يتجاوب، يتناسخ، يتواصل في حنجرة معين وكلماته...
إنه صوت معين بسيسو الذي تحدي قوات العدوان الثلاثي عام 56:
قد أقبلوا فلا مساومة
المجد للمقاومة
لم يكن هذا مجرّد شعار، لقد كان قرار حياة، فيه تتجاوب روح عبد الرحيم محمود:
فإمّا حياة تسّر الصديق وإمّا ممات يغيظ العدا يستمّد شعر (معين) قيمته من أنه يكتنز معني الحياة، كرامتها، قيمتها، في كلمات قليلة، يقولها شاعر أصيل الموهبة، عميق الثقافة، صاحب مباديء.
من غزة انتشر صوت معين بسيسو في بلاد العرب، فالتقطه الفلسطينيون، وأنشدوه، وعمموه، وتبنّوه. معين ابن الشعب، وصوت الضحايا، كما وصفه شاعر مصري شعبي:
يا معين يا صوت الضحايا
معين هذا تعرّض للسجن، للمنافي، للمطاردة، في عدّة أقطار عربيّة، وحافظ علي صلابته الروحيّة، وتقوّي بالشعر علي المصائب والصعاب. كل من تعرّف بمعين، لمس فيه روح ابن البلد، الطيّب، العفوي، البسيط، الشعبي، القريب إلي القلب، والذي تبلغ فيه حدود البساطة مدي يسهّل علي المخادعين أن يستغلّوا كل هذه المناقب.
معين بسيسو وفي، وأنا رأيته مراراً يزور مخيّم (اليرموك) قرب دمشق العاصمة السوريّة، ليلتقي برفاقه (الشيوعيين) الغزازوة الذين أقام كثير منهم في المخيم، وكان يعني بهم وبأسرهم بصمت وتواضع ووفاء نادر. هذا الشاعر إبن الشعب، صوت الضحايا، ما في جيبه ليس له، سعادته أن يسمع كلمة طيبة وكفي. في المعركة يجوهر معين، ولذا امتلأ حماسة أثناء معركة (تل الزعتر). كان يكتب ليل نهار، يرسل صوته إلي المحاصرين بين أنياب الانعزاليين الوحوش، يحمل مسدساً ويمشي في الشارع، فهو في (المعركة) وهو يقول الشعر، يندفع في الشوارع ممتلئ الصدر صهيلاً.
كان يصيح من جذور قلبه:
الآن، خذي جسدي كيساً من رمل
الشعر عند معين هو دعم لوجستي، كالذخيرة، كالتموين، به يصمد المحاربون، فالروح بحاجة للغذاء، والشعر غذاء الروح، به تتقوّي وتنتصر...
عام 82 كان يشارك في مؤتمر أدبي في (طشقند)، وعندما سمع ببدء العدوان علي الثورة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة، بادر بالعودة سريعاً إلي (بيروت) مخترقاً الحصار، ليكون مع الفلسطينيين واللبنانيين في المعركة، إذ لا يعقل أن تكون معركة، ويكون معين بعيداً يتفرّج. منذ لحظة وصوله انخرط (معين) في المعركة شعراً، ونثراً، وبدأ يكتب زاويته (متاريس) حاضّاً علي الاستبسال:
ولدي محمّد: في ظلي الدامي تمدد
أو فوق ركبة أمك العطشي تمدد
وإذا عطشت وجعت فاصعد
هي الكلمة الشجاعة في وجه الظلم والجور والطغاة ، وقد قالها معين صادقةً، ودفع الثمن مراراً ولم يركع. ولأنه شاعر مقاومة، ولأننا في بيروت قررنا أن نقاوم مع البنادق بالكلمات، فقد أسسنا صحيفة (المعركة) اليوميّة، واقترح بعضهم أن نضع ترويسة علي صفحتها الأولي مقطعاً من قصيدة شاعر المقاومة الفرنسي (أراغون):
اللعنة علي العدو المحتل
ليدو الرصاص دائماً تحت نوافذه
وليمزّق قلبه الرعب
ولكننا ثبّتنا منذ العدد الخامس مقطعاً من قصيدة معين:
اقبلوا فلا مساومة،
المجد للمقاومة...
في (المعركة) التقي الكتّاب والشعراء من كل الأقطار العربيّة : فلسطين، الأردن، مصر، لبنان، سوريّة، العراق، وقاوموا بكلماتهم، وبعضهم شارك في إذاعة (صوت الثورة الفلسطينيّة)، وكانت تلك أيّاماً مجيدة لتلاحم الكلمة والبندقيّة، تعبيراً عن صمود الناس، والتصدّي للإعلام الصهيوني والكتائبي الانعزالي، وحربهما النفسيّة.
معين بسيسو كمبدع يتمتّع بموهبة فذّة، وثقافة إنسانيّة فسيحة، وهو لا يكتفي بالتعبير عن رؤيته بالشعر، فقد كتب للمسرح، وقدّمت مسرحياته في القاهرة، ودمشق، وبعض الأقطار العربيّة.
نثره يعتمد الجمل القصيرة المتوترة، وإذ تقرأه تحسب أن الشاعر يكتب وهو يركض في الشوارع، والأزقّة، والحواري، وفي القطارات، وعلي سطح سفينة تضربها أمواج عاتية، فهو يكتب ويركض من جهة إلي جهة، للتواري عن عيون مطارديه، لا خوفاً ولكن ليكتب ويوّزع ما يكتبه كالمنشورات السريّة، حريصاً علي تأدية دوره علي أتّم وجه للمساهمة في إنقاذ السفينة، وبلوغها شاطئ الحريّة والأمان.
المرحلة المصرية في حياته صبغت شعره، وذوقه، ومزاجه، فهو ترعرع ونما في أحضان الحركة الثقافية في مصر، وارتبط بصداقات هي الأعمق في حياته، وبخّاصة مع عبد الرحمن الخميسي، الشاعر، والقّاص، والفنان، والممثل، والمخرج السينمائي.
ودائماً تكلّم بحب عن الخميسي، وهو الذي استضافه مراراً في (بيروت) وقدّمه، وعمل علي إعادة طباعة أعماله الشعرية.
ثمّة ما هو مرح، وفكه بينهما، وفي حياتهما، فالمقالب لا تنتهي بينهما، معين كان مصري المزاج، والذوق، وهو ما نلحظه في شعره، ومسرحه الشعري، وأسلوب حياته.
إنه معين، إبن البلد، صوت الضحايا...
في الملعب البلدي، يوم 21 آب (أغسطس)، تعانقت ومعين، وبكينا واحدنا علي كتف الآخر، فقد ازدادت علاقتنا حميمية أثناء معركة بيروت، وهو ما أشار له في كتابه (88 يوماً خلف المتاريس).
معين بسيسو كان مؤمنا بطليعيّة الاتحاد السوفييتي، وبدوره القيادي علي الصعيد العالمي، في مواجهة الإمبرياليّة الأمريكيّة.
كان زائراً دائماً لموسكو ـ بل صاحب بيت ـ التي له فيها رفاق، من الشعراء، والمبدعين الروس (سوفرونوف) الشاعر الروسي، ومن شعوب الاتحاد السوفييتي، ومن بلدان العالم الثالث (فايز أحمد فايز) الشاعر الباكستاني المنفي عن بلده. كان معين محترماً ومحبوباً جداً في (موسكو)، وأذكر أنه عندما زار موسكو بعد معركة بيروت كان الإعلان عنه في نشرة الأخبار الرئيسة مع تقديم ريبورتاج جوانب حياته الأدبيّة والنضاليّة.
كتب معين (الاتحاد السوفييتي لي)، وهو كان وفيّاً للاتحاد السوفييتي، والكتاب عن رحلاته في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الأوروبيّة والآسيويّة.
في البرافدا كتبوا عن معين، وترجم لنا الدكتور شوقي العمري، وهو شاعر غزّي من تلاميذ ومريدي معين، درس في موسكو وأتقن الروسية كأفضل الناطقين بها، وأكّد لنا بالفم الملآن أن جائزة لينين ستكون من نصيب معين... التقيته في موسكو بعد خروجنا من بيروت، في عام 83، وهناك احتفي بي كثيراً، وكانت روايتي (البكاء علي صدر الحبيب) قد ترجمت مع بعض قصصي القصيرة، فبقيت في موسكو قرابة الشهر ، ولست أنسي اهتمام معين بي.
القصيدة :
في المجلس الوطني الفلسطيني بعد الخروج من بيروت، عام 83، قرأ معين قصيدة كانت قد كتبت على عجل، ولقد رأيت أنها أقّل من قيمته الشعرية، فعتبت عليه جداً.
من الجزائر توجهنا إلي تونس، وذات يوم تلفن له (زياد عبد الفتاح) رئيس وكالة (وفا)، وأخبره بوجودي، فطلب أن يحكي معي، وبطريقته الشعبية اللطيفة طلب مني أن أزوره مع زياد، فقلت له :
ـ شريطة أن تبدي استعداداً لسماع ما سأقوله لك، لأنه جدّي وخطير، فهل تقبل ؟
صمت علي الهاتف، ثمّ جاءني صوته:
ـ تعال...
أعدت عليه ما قلت، فألّح علي حضوري، وقد لمس جديّة في صوتي، وعرف أنني لا أمزح.
رحنا إلي نزل (أبو نواس) ، وكان يقيم في غرفة وصالة علي التلة المجاورة، وما أن دخلنا حتى بادرني مستفسراً :
ـ ماذا تريد أن تقول ؟!
جلست، وسألته بلهجة هجومية لم يتوقعها :
ـ هل ما قرأته في المجلس الوطني شعر يا (أبو توفيق)؟!
سألني بانزعاج:
ـ وما هو الشعر برأيك ؟
فأخذت اقرأ له ما أحفظ من شعره، ولعله دهش لما أحفظ، ولما أختار، وختمت بقصيدته المهداة إلي شهيد معركة جبل (صنين) جورج عسل :
استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى
استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى
وأنت بين الماء والندى
وأنت بين الصوت والصدى
فراشة تطير حتى آخر المدى
مدّ يده، وتناول كومة أوراق، وأخذ يقرأ، وأنا لا أستقبل أبداً، فاستنتج أنني لم أعجب بما سمعت، فقال بلهجته المحببة:
ـ طيّب : اسمع...
وأخذ يقرأ مقاطع من قصيدته (القصيدة) ، آخر قصائده، قصيدة الوداع.
صفّقت له واقفاً، وأنا أردد :
ـ هذا شعر، أي والله هذا شعر يا أبو توفيق...
أمسية لندن :
في عام 83 أقيم أسبوع ثقافي فلسطيني في العاصمة البريطانية (لندن)، وكان معين يشارك مع شعراء فلسطينيين آخرين. جاء إلي الأمسية متأنقاً، وكما هو شأنه فشعره ينفر كما لو أنه عرف حصان. جلس بجواري، وكنت أجلس أنا وصديقي ياسين رفاعية وزوجته الشاعرة أمل جرّاح.
قلت له:
ـ الليلة ستكون ليلتك، صدّقني...
استفسر :
ـ بجد ؟
ـ نعم يا (أبو توفيق). الليلة ستكون ليلتك، ليلة (القصيدة)، الليلة ستتألّق، وتنال ما تستّحق من ثناء.
وهذا ما كان. صعد معين، وفي القاعة كان شعراء، سياسيون، فنّانون عالميون، تتقدمهم صديقة الشعب الفلسطيني، الفنّانة البريطانية العالمية (فانيسيا ردغريف)، والصحافي البريطاني الكبير (مايكل آدمز) ، ومئات من حركات التحرر العالمية. استحوذ معين علي الجو، شعراً وإلقاءً، وصفّق له الجمهور واقفاً، صفّق للقصيدة:
مطر علي الشبّاك
في لون البنفسج والخزامي
مطر علي المرآة
في لون الدوالي والندامي
مطر علي البحر المسيّج
زبد وعوسج
موج يعبئ بالنوارس
لي المسدس
كانت تلك ليلة (معينيّة) حقاً، أفرحت معين.
في تونس، في المؤتمر العام لاتحاد العمّال الفلسطينيين تكررت تلك الأمسية، حيث قرأ معين (القصيدة).
بعدئذ لم ألتق بمعين، وجاء الخبر الفاجع: رحل معين بسيسو!
لم تسمح سلطات الاحتلال لجسد معين أن يدفن في غزّة، فدفن في مقبرة آل بسيسو في القاهرة...
الاحتلال يخاف أجساد الشعراء، لأن الشعراء أمثال معين بسيسو لن يصمتوا بعد الموت، فهم أحياء بشعرهم الذي تتناقله الأفواه، وتردده الحناجر، وتختزنه الذاكرة الجمعية لشعبهم، وأمّتهم.
الاحتلال يكره الشعر والشعراء، لأن أجساد الشعراء الراحلين ستتحوّل إلي مزارات تتجدد عندها نداءات الحريّة والمقاومة...
من وقّعوا علي اتفاق (أوسلو) لم يتفطنوا إلي بند ينص علي عودة جثامين المبدعين الفلسطينيين، علي الأقل الذين من مدن وقري الضفّة والقطاع... من العجيب أننا كلّما انتقدنا مسيرة الخراب الاستسلاميّة فلا نسمع سوي : تعالوا ناضلوا معنا!
طيّب، أيها المناضلون: لماذا (نسيتم) أن تصطحبوا معكم في (عودتكم) المظفّرة جثامين : كمال ناصر (بير زيت)، وحنّا مقبل (الطيبة)، وعلي فودة (علاّر)، ومعين بسيسو (غزّة)، وجبرا إبراهيم جبرا (بيت لحم)، وائل زعيتر (نابلس) وماجد أبو شرار (دورا).
نحن لا نريد أن نحرجكم، ونطالبكم بإعادة جثامين: غسّان كنفاني، ناجي العلي، سميرة عزّام، وأحمد عمر شاهين، فهؤلاء من: عكّا، الشجرة، الناصرة، الرملة،...
يا لهذا (السلام) الذي يحرم جثامين الشعراء، والكتّاب، والصحفيين، من حق العودة والدفن في مساقط رؤوسهم !
شاعر الوحدة الوطنيّة :
ظلّ معين بسيسو شيوعيّاً حتى رحيله، ولكنه لم يكن متعصّباً، فهو كتب شعراً جميلاً في جمال عبد الناصر، رغم أنه سجن في مصر مع مئات الشيوعيين... وهو رغم أنه علي النقيض مع (الإخوان المسلمين) ، سار هو وشيوعيو غزّة، والقوميون، كتفاً لكتف، معاً، يتقدمون الجماهير، رافضين التوطين، مطالبين بالسلاح للمقاومة.
في مذكراته (دفاتر فلسطينيّة) يسرد معين ملامح تلك المرحلة في منتصف الخمسينات، ويقدّم رموز (الإخوان المسلمين) بكّل الاحترام، والإنصاف، رغم الخلاف الفكري، معتزاً بروح الوحدة الوطنيّة.
لقد حافظ شاعرنا الكبير علي صلاته الحميمة مع كل مناضلي تلك المرحلة حتى أيّامه الأخيرة...
اليوم، ونحن نستعيد ذكراه، ونقرأ شعره، ونحن نري ما يحدث في وطننا فلسطين بكّل فخر ـ ما جاءت به الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة ـ نجدنا مدعوين لصيانة روح الوحدة الوطنيّة التي ميّزت معين، ومنحته إضافة لقيمته الشعرية احتراماً وطنياً، ودوراً قياديّاً.(...)
هذا هو الشعر، وهذا هو دوره :
في آخر مقابلة أجراها معه تلفزيون الإمارات العربية ـ المذيع أحمد زين العابدين ـ قال معين: الدور الذي يجب أن ينهض به الشعر العربي الآن هو أن يقف مع الإنسان العربي، يقف مع الأمة العربيّة، يقف مع كل صديق لهذه الأمة، في سبيل نهوضها، وفي هذه المرحلة علي الكلمة أن تكون صادقة، شجاعة، وصريحة...
معين يفهم الحداثة كما يلي : أنا حينما أقرأ بعض القصائد أحس أنني أقرأ باللغة الهيروغليفية . بعض الشعراء اعتقدوا أنهم حينما يتنكّرون للتراث، للتقاليد الشعرية العظيمة يصبحون شعراء معاصرين...
وبطريقته التهكمية يسخر ممن يدّعون أنهم يكتبون لأنفسهم : حسناً، إذا أردت أن تكتب لنفسك، أن تكتب شيئاً لا يفهمه الناس، ولا يتفاعلون معه، فاكتب علي المرآة، وانظر فتجد قصيدتك، وتري أيضاً وجهك، وهذا يكفي لتحقيق كل طموحك... معين بسيسو من أوائل من كتبوا القصيدة الحديثة، قصيدة التفعيلة، وهو مع كونه شاعراً جماهيريّاً لا يغيب عن باله سؤال الشعر العظيم.
قرأت مرّة للناقد السوري الصديق الراحل محيي الدين صبحي أن شعر معين ينطبق عليه مصطلح الشعر الخشن الذي ورد في كتاب (الشعر) لأرسطو، وهذا ما جعل الكتابة عنه صعبة رغم سهولة وبساطة هذا الشعر...
من جهتي فأنا أشارك محيي الدين صبحي هذا الرأي، فالشعر العظيم لا يحتاج لفّك الطلاسم، ورسم المثلثات، والمكعبات، وتقويله ما لم يقل...
معين يا صوت الضحايا :
اليوم نردد مع الشاعر المصري :
يا معين يا صوت الضحايا
تملّي صوتك معايا
ومع معين ننشد :
قد أقبلوا فلا مساومة
المجد للمقاومة
المجد لمقاومة الإنسان العربي في فلسطين، في العراق، في لبنان، المجد للمقاومة الإنسانيّة تتحدّي ظلم أمريكا، وعدوانيتها وحليفتها الصهيونيّة...
المجد للشعر، للكتابة تنحاز للإنسان، للعدل، للكرامة الإنسانيّة، للحب بكّل تجليّاته...

 

البداية

 

تاريخ

فمك المكبّل بالحديد وفمي المكبّل بالنشيد

صوتان للحريّة الحمراء في وطن العبيد

متكسّران تكسّر الأمواج فوق الزورق

متعاظما بحطامه وكأنّه لم يغرق

قيدان في هذي الطريق يتطلّعان إلى الحريق

كالشاطىء الراسي يحاول سحبه نفس الغريق

متهافتان تهافت الظمآن فوق الجدول

متحصّنا بصخوره حصن الظلام بمشعل

عينان في سجن الخريف تتحرّقان إلى الحفيف

كتحرّق الحرّ المقيّد للنّسيم وللرصيف

منذورتان إلى الربيع استيقظي وتحرّري

يا هذه الأزهار من غصن الدّجى المتحجّر

جرحان في خرق وطين لا يعرفان من السنين

غير السّياط الراشحات حبالها بدم السجين

كحمامتين طريحتين على جدار مظلم

تتنفسّان نسائم القفص الملطّخ بالدّم

شعبان في الوادي الخصيب شنقا بأمراس اللهيب

وتطوّحا كتطوّح النسّمات في القفر الجديب

كشعاعتين رضيعتين على ذراعي كوكب

نزل السّحاب عليهما بالخنجر المتوثّب

البداية

 

جنازة الجلاّد

إغسلوه بما جرى من دمائه فتراب العطاش أولى بمائه

وارجموا نعشه كما ترجم البومة بالباقيات من أشلائه

وامنعوا الشمس أن تضيء على الخائن حتى في مهرجان فنائه

وإذا سارت الجنازة والنّجم مشيح عن ركبها بضيائه

فاطردوا حافر القبور عن الأرض التي لطخّت بوحل دمائه

واحرقوا الجيفة الخبيئة وامشوا وأطلّوا بها على أبنائه

ولتكن كومة الرماد إلى الذئب فراشا وللغراب التائه

أيها الهالك الممدّد في الكهف يلوك الطريح من أنفاسه

أنسيت الجلاّد لمّا تزل ترعش عنق المشنوق في أمراسه ؟

أنسيت الجلاّد لمّا تزل تسمع صوت الفناء من أجراسه ؟

والوحول التي شربت ألا تذكر يا من نقشت جدران كاسه

أنت ميّت إن لم تشر ثورة الريح وتهوي بسقفه وأساسه

وتعيد المنهوب من هذه الأرض التي تستغيث من أغراسه

فتدبّ الجياع تحرث بالكفّ ثراها المحروم من أعراسه

البداية

 

أغنية إلى جبل النار

جبل النار

يا خيمة دم

في ريح الثورة منصوبه

ما زال وراء المتراس الثائر

ومن الوطن الهادر

وطن الزنبق

والأفق الأزرق

والأيدي المسنونة كالصخر الأحمر

في ليل الخنجر

في الليل الأصفر

من كلّ معسكر

يهديك ضحايانا قمصان الدم

والفجر الأحمر أنشوده

جبل النار

والصيحة في القلب

يا شعلة ورد

تتوهّج في أشواقي

ويضيء شذاها القلب

فترفرف في عينيّ الدرب

وترفرف أصوات رفاق

أسراب رعود

في آفاقي

جبل النار

يا صوت الزيتون الأخضر

يا صوت " زيادين " الهدّار

يا ظلّ السيف على عنق الخائن

لبيك أضأت لك البيرق

وأنا في الدرب

البدايه

 

إله أورشليم

لتنسني يميني

لتنسني عيون

حبيبتي

لينسني أخي

لينسني صديقي الوحيد

لينسني الكرى

على سرير سهاد

مثلما السلاح

في عنفوان المعركه

ينسى يد المحارب

ومثلما الناطور

ينسى على كرومه الثعالب

إذا نسيت

أنّ بين ثديي أرضنا ببيت

إله أورشليم

وأنّ من قطوف

دمنا يعتصر

الشهد واللبن

وخمرة السّنين

لكي يعيش

ويفرخ الوحوش

وكي أشيد

من الدموع

جدار مبكى وكي أحيل

خيمتي منديل

للعويل

على الذهاب

بلا إياب

***

لتنسني يميني

لتنسني عيون شعبي المغرّده

إذا نسيت

أن أغرس الطريق

لصدر بيّاراتنا وللكروم

سيفا من الجحيم

في عينيّ إله أورشليم

البداية

 

إلى عيني غزة في منتصف ليل الإحتلال الإسرائيلي

حينما أرسف بالأسوار في كلّ مساء

ولكم مرّ مساء مساء

ويحوم الليل كالطائر في منقاره خيط ضياء

لنجوم لا أراها في السماء

يفرد القلب جناحيه بعيدا ويطير

لبساتينك يا غزتّي الخضراء في ليل الجحيم

ولجدرانك تغلي كالصدور

جرحوها بالرصاص

والمناشير عليها كالقناديل تقول

يا جدار المستحيل

خافقا في كلّ صدر ثقبوه

وهو شبّاكي الذي قد فتحوه

لأرى شعبي الذي لم يخضعوه

خافقا في شفتي من عذّبوه

أحرقوه ليفوه

غير أنّ القلب خفّاق ولكن لا يفوه

خافقا في ظلّك الشامخ يا من طاردوه

وعلى درب لحدّ السيف قد راح يسير

كيف يكبو والجماهير أبوه

يدها في يده أنّى يسير

ويهوذا ورنين الفضة الدّاجي الرهيب

قد مضت تنهش عيناه الدروب

واقف يحلم فيها بمسيح وصليب

***

غزتي أنا لم يصدأ دمي في الظّلمات

فدمي النيران في قشّ الغزاة

وشرارات دمي في الريح طارت كلمات

كعصافيرك يا قوس قزح

أنت يا إكليل شعبي وهو يدمي في القيود

إنّنا سوف نعود

وعلى درب كألوانك يا قوس قزح

وستذرو الريح أشلاء الشبح

البداية

 

ارفعوا الأيدي عن أرض القناة

يا سهير

أنا في المنفى أغنّي للقطار

وأغنّي للمحطّه

أيّ هزّه

حينما تومض في عينيّ غزه

حينما تلمع أصوات الرفاق

حينما تنمو كغابه

من بروق ورياح

حينما يلمع برق الكلمات

كلمات من حديد

تطرق الباب الحديد

اطرقي يا قاهره

واطرقي يا غزّتي

واطرقوا يا إخوتي

ولتضيء كلّ شبابيك القطار

بعيون كالنّجوم

بعيون العائدين

لمتاريس الكفاح

في بلادي وبلاد الآخرين

ولتكن كلّ الأيادي عائله

***

أيّ أيام عذاب

أن يكون الحلم دوري في الكفاح

وأنا أكتب دوري في الكفاح

وأنا أخشى الإطاله

في الرساله

وأنا أكتب من أجل القناه

وأنا أحذر من همس القلم

وخطى السجّان فوق الورقه

وبقلب القاهره

قصف رعد المطبعه

قصف رعد الكلمه

يا لمجد الكلمه

حينما تغدو عناقيد ضياء

في أيادي الشعراء

***

أيّ أيام عذاب

وهنا ظلّ سماء من حديد

وظلام في الظّهيره

وسماء القاهره

السماء الظّافره

بنجوم الدّم تزهو في النّهار

نجمة تومض من كلّ رصاصه

أطلقتها من يد التلّ الكبير

يد فلاّح شهيد

لم تزل تنبض في التلّ الكبير

نجمة من عرق الفلاّح حفّار القناه

دمه الأبيض والنازف من نبع الجبين

دمه الأبيض والنازف أمواه القناه

نجمة من كلّ فلاّح وعامل

في العراق

رغم " نوري " والوثاق

نجمة من كلّ ثائئر

في الجزائر

نجمة من كلّ أبناء السلام

فوق أسوار بكين

نجمة من كلّ شغيّل على أرض لينين

نجمة من قلب عمّال المحطات البعيده

فردوا الرايات مثل الأجنحه

لن تمرّ الأسلحه

نجمة من قلب بكداش الصديق

نجمة من قلب عمّان المجاهد

أبو خالد

نجمة من كلّ جرح لم يضمّد

في بلادي لمشرّد

نجمة من ثغرك الزاهي النضير

يا سهير

يا سهير

وخطى المستعمرين

تفزع الأرض ضجيجا وجنون

تهدّد

تتوعّد

بأساطيل ورق

عائمات

في وحول القرصنه

الأساطيل التي سارت بريح القنبله

وبريح السلب والنّهب وإعصار السموم

وإلى السّور العظيم

تضرب الشعب العظيم

وبأفيون حشته في القنابل

تفرض الوحل على الشعب العظيم

الأساطيل التي حطّت على الهند الرحال

وكأعاصير جراد

تنهش الأرض وتمتصّ الحياه

الأساطيل التي بيضّت السهل الكبير

بعظام الكادحين الأشقياء

الأساطيل التي جرّت شعوبا في المياه

خلفها وهي تسير

نحو أسواق الرقيق

وهم أجداد " روبنسون "

وهمو من يرعشون

مثل أغصان الشجر

وهمو من يبصرون

خلف صلبان اللهيب

نجمة سبارتاكوس المشتعله

الأساطيل وما زالت شظايا القنبله

بدماء الشهداء الأبرياء

وهجا يلمع في موج ورمل اسكندريّه

وعلى أمواج بيروت الضحيّه

وهجا يصرخ لن تلقي الأيادي الهمجيه

بمراسيها على أرض القناه

فارفعوا الأيدي عن أرض القناه

فبحار العالم المصطخبه

لم تعد أمواجها للقرصنه

والأيادي العفنه

ليس هذا عصر توفيق الجبان

لا ولا عصر ديجول

مونتجومري والفلول

ليس هذا عصر نوري مندريس

عصر صيّادي الرؤوس

عصر سفّاحي الشعوب القتله

عصر حرّاس كنوز القرصنه

ليس ذا عصر دالاس

الأب الوارث من صدر الوحوش

ما تبقّى من نفس

إنه عصر جديد

عصر إنسان جديد

ولدته فوق أطلال " دين بين فو "

الخضاب

ابتسامات جياب

عصر باندونج وأعراس الأمل

عصر خبز وعسل

عصر أطفال الجزائر

عصر أطفال أمّ صابر

عصر رايات عرابي العائده

فوق أكتاف حمامه

عصر غابات الملايو اللامعه

وبومضات الرصاص

وبأنوار الخلاص

***

إنّه عصرك مفتوح الذراعين يسير

وينادي يا سهير

أنت لن تلعب أيامك في ظلّ المدافع

أنت لن تطغى على شدوك رنّات السلاسل

وانفجارات القنابل

فستنمين تحبين ةتغدين عروس

وستنمو زهرة الحبّ وتكبر

عمرها تسعة أشهر

وستهدين إلى العالم طفله

أيّ طفله

هي لن تدرج في ظلمة خيمه

لا ولن يجرحها سلك معسكر

فستنمو وعلى درب ربيع ومسير

وفلسطين ربيع ومصير

رسمته بالجناحين حمامه

حلم تحرسه كلّ الأيادي عائله

إنّه عصرك مفتوح الذراعين يسير

وينادي يا سهير

إنّه عصر يسير

وأنا أيضا أسير

ومع العصر الكبير

رغم عجزي وأنا أبني المصير

وأنادي يا سهير

وتنادين أخي

وبصوت كحفيف الأجنحه

وذراعاي أخي مفتوحان

منذ عام وشهور

وهما تنتظران

وهما تشتعلان

كلّما صفّر في الليل قطار

كلّما صاح مشرّد

وهو يلقي وعلى منزلنا المطفأ نظره

أيّ ثغره

في متاريس الكفاح

وكفى دقّا بكعب البندقيه

لشبابيك بيوت الأصدقاء

وأنا مثلك أغلي كلّما مرّ قطار

وأنا ألعن عجزي كلّما طار خبر

عن أياد صادقات كالشراشر

طاردوها لتهاجر

ولكي تعرق في أرض غريبه

ولها أرض خصيبه

ورحيبه

وأنا ألعن عجزي

كلّما طار خبر

عن يد خلف الحدود

أثقلت صدر المدينه

بدخان المحرقه

عن يد خلف الحدود

لم تزل تنهش في كنز عرق

لم تزل تنهش في كنز دماء

لرجال ونساء

في معسكر

ضربت قبضة أيّار المعسكر

وأنا ألعن عجزي كلّما هبّ ضياء

عن رجال شرفاء

وعلى أبواب غزّه

و يد خلف الحدود

ورنين القيد في كلّ رصاصه

أثقلت أصداؤه أرض العراق

وهي لم تثقل أمواه القناه

***

أهنا معركتي خلف اللهب

أهنا أقتات خبزا وغضب

ودروب المعركه

رحبه تحضن كلّ الخطوات

رحبة ليست تضيق

بصديق أو رفيق

بأيادينا التي تبني الصداقه

وعلى أنقاض أسلاك غريبه

بين شعبين على أرض خضيبه

وعدو يرتعش

وهو في رعشته يطلق أنفاسا أخيره

لرصاصات أخيره

لم يعد يملك زادا أو ذخيره

لم يعد يملك من أمر الحياه

غير أشلاء مياه

وهو يرميها على أرض القناه

وعلى كلّ مكان

قد غدا أرض القناه

وبلادي قد غدت أرض القناه

أوتدرين عذابي يا سهير

وأنا أنهض في كلّ صباح

ويدي أيّ يد جرداء من غير سلاح

وهي لن تخضرّ إلاّ بالكفاح

وهي لن تخضرّ إلاّ فوق أرض المعركه

حينما تضرب جذرا من دماء

في تراب المعركع

أوتدرين عذابي يا سهير

وأنا أنهض في كلّ صباح

وبعينيّ شذى حلم الكفاح

أنا أمشي في دروب القاهره

تحت أقواس ربيع الكبرياء

بين أغراس الدماء

أحضن الأيدي التي تبني الضياء

أحضن الأيدي التي تحرس أمواه القناه

بالظلال الراعشات الساطعات

ولحفّاري القناه

وهمو يستقبلون

وهمو يحتضنون

كلّ بحّار على ظهر سفينه

لم يخن مجد العرق

وهو وضّاء على صدر القناه

صوته يلمع كالبرق بإصرار الحياه

إرفعوا الأيدي عن أرض القناه

البداية

 

استمعوا لي

استمعوا لي ,

اسمعني يا وطني ,

فالآن خريف الأغلال يوليّ ,

والآن سأحرق ظلّي

كي لا أتمدّد في ظلّي ,

صمتا , صمتا , يا حملة أبواق

- الخفاش الخشبي - ,

يا أكلة قربان – العجل الذهبي –

صمتا , ولترفع بيرقها

العاصفة السرّية , والبرق السرّي ,

ولتفرد أجنحة صليبك ,

يا قلبي ,

طر بي , طر بي ,

فهنالك نافذة لم تصبغ

بالبرق الأسود في وطني ,

نافذة تذكرني ,

دالية تحلم بي

أن أقطفها ,

أن تقطفني ..

يا وطني , من لي ,

من لي ,

وبجرعة برق من سحبك ,

وبكسرة رعد ؟

لو جمعوا كلّ الأنهار بكأسي

لصرخت , وألقيت بنفسي

من عطشي لعيونك في الشمس

البداية

 

الأردن على الصليب

أنا مصلوب أغرّد

ولعمّان ونابلس وإربد

وإلى الليل الصديق

صار بيتا للمطارد

لم يحب شبّاكه طرقة كعب البندقيه

وإلى شبّاك ثائر

في جحيم " الجفر " مفتوح على أقواس نصر

وعلى فردوس فجر

ليس ما تبصر عيناك سراب

يا أخي المثقل بالأثمار في ريح الخريف

يا أخي البازغ في ليل العذاب

فالسراب

حلم سجّانك أن يجني من الأغلال أقراص العسل

وبأن بجلد بالقش أعاصير الأمل

وبأن يغرس حتى المقبض الخنجر في قبر " رجاء "

إنّ سجّانك ما كفّ العواء

طارقا أبوابك الخضر الشهيده

" إفتحوا يا أصدقائي الطيبين "!

" واللصوص الأربعون "

في حصان من ذهب

في تماثيل مآذن

خائن مرتعش يزحف في أعقاب خائن

يلدون العار في ضوء النهار

ويقيمون الصليب

سمّروا الشارع ما ضمّت ذراعاه ظلال اللقطاء

وبكفّيه لقد دقّوا السلاسل

غير أنّ الشارع المصلوب ما كفّ يقاتل

والمناشير تقاتل

ويد من " نقرة السلمان " " للجفر " تلوّح:

" سيفتّح "

" برعم الزلزال لا بدّ يفتّح "

إيه يا أيتام " لورنس " و " شاها " قد ترعرع

تحت أقدام " أبي حنيك " ترعرع

يا ثعابين من الخوذة تظهر

كلّما الحاوي في " واشنطن " الشوهاء صفّر

يا خفافيش بلا أجنحة ترفع رايات الجريمه

إمضغي جمر الهزيمه

فعلى أبواب عمّان أيادينا ترفرف

بأكاليل الدّماء

ويدي صوت يرفرف

" يا أفاعي ..يا أفاعي

" سنصبّ السمّ يغلي , وعلى جحر الأفاعي

" وسنمضي في الصراع

" كشراع في رياح الدم نمضي كشراع

" وسأمضي شامخ الصوت أغرّد

" والملايين تغرّد

" ولعمّان ونابلس وإربد "

البداية

 

الأغنية المعصوبة العينين

أين القمر المعصوب العينين يساق...؟

وسط السّحب الفاغرة الأشداق ,

أسوار تفتح وظلال عارية

تركض , أبواب

تذبح خلف الأبواب ,

الصرخة علم خفّاق

الصرخة.. أوراق

تسقط من شجر اللّحم ,

غصون.. وثمار

***

يا وطني أين الأغنية تساق ؟

خيط من دمك الخفّاق يراق

من أجلك شلاّل مرايا صفر ,

يتكسّر في وجهي ,

شلاّل مرايا سوداء ,

من أجلك أقحم أسواري..

من أجلك أرجم بالنّار..

من أجلك أحمل أغلالي

في منفى الأرض كجوّال

من أجلك خبزي بدمائي ..

معجون , خبزي بدمائي

والوجه المشحوذ كناب

في ظلّي غرز وأشعاري ..

البداية

 

الببغاء والأفيون

الببغاء

طليقة بلا قفص

تنقر في الأفيون

وتشهر الجناح

كالسلاح

لكي تحارب البلاشفه

والعاصفه!!

الببغاء

في اللّيل والنهار

في غيبوبة اسطوانة تدور

منقارها يشير

كما أراد أن يشير

السيد الكبير

لنجمة البلاشفه!

فوق جبين العاصفه !

الببغاء في غيبوبة المصير

في نزعها الأخير

ترتجف

في مصفّحه

الببغاء في الخريف

صوتها هرم

وريشها استحال

إلى رماد

والببغاء حينما يذبل في منقارها الكلام

يا أيها الأقزام

ينبذها أسيادها الكبار في قفص

قضبانه خيوط عنكبوت

تنقر في الأفيون

حتى تموت ..

البداية

 

البحار العائد من الشطآن المحتلة

لو أنّ يا حبيبتي أشعاري

تعيش كالزيتون كالأنهار ..

لو أنّ يا حبيبتي الدّوالي

في العام مرتين تثمر الدّوالي

لو أنّ يا حبيبتي أشجاري

تعيش في بستان سندباد

تثمر الطيور كالأوراق

وتثمر الأطفال كالأثمار

***

لو أنّ يا حبيبتي ملاّحي

يعود من جزيرة الرياح

يعود يرتمي على الضفاف

بالجرح والشّراع والمجداف

في صدره عجائب البحار

يعود فوق ظهره شراعي

وسلّة الهدير والثّمار ..

والعشب والأسماك والمحار

وحزمة من السّحاب والرمال

من شطنّا المشرّد الظّلال ..

يا عاصر الشراع في أقداحي

موجة قد أمسكت شراعي

من بحرنا كقطرة الشعّاع

لم ترخه ومخلب الرياح

في قلبها , يا عاصر الشراع

في قلبي العطشان في جراحي

لتبق قطرتين للمصباح

البداية

 

الخيط الذي ينمو في الريح

كلّ الرايات المنفيّة قد عادت ,

يا وطني..

إلاّ رايتك المنفيّة من أفق

ترتحل إلى أفق ,

في سوق – لصوص الرايات - ,

تباع بلا ثمن ,

صاح – النخّاس – تقدّم , بالحنجرة الملعونة ,

والحشوّة بالخطب ,

خذها لا تخجل

خذ راية وطني ,

ما أرخصها بجناح من – ورق - ,

أو سيف من خشب ,

ضفّر منها إكليلا من ريش

لتزيّن رأس – الديك الهرم –

الصائح في كلّ الأسطح

والرّاقد في كلّ السرر

لكن من يتبع في وطني ؟

خطوات السيف الخشبي ؟

من يلقي

سنبلة واحدة في طاحون من ورق ؟

ألقوا بإكليل الرّيش ,

وألقوا بالسيف الخشبي ,

ما زال من الرّاية خيط ,

ينمو في ريحك .. يا وطني

البداية

 

السجن الكبير

سيظلّ يحرسه العراق

سيظلّ يخفق في العراق

في ظلّ أقواس المشانق والرصاص

قلب المقاومة العنيدة , والخلاص

جنبا إلى جنب يدقّ مع القلوب

في جبهة السّلم العريضة والشعوب

أترى إلى شعب العراق

يعدو بأشلاء الوثاق ؟

وعلى جواد من لهب

في أرض معركة الشعوب

أترى سنابكه الخّضيبه

بدما مخالبك الرهيبه

هو ليس حلما ما ترى

أم أنت أعمى لا تري

إلاّ كراتشي أنقره ؟

إلاّ كلاب المقبره

والأرجل المتكسّره

أترى إلى فهد الشهيد

قد عاد يا نوري السعيد

قد عاد يركب مشنقه

أولم يعدك بمشنقه

من صنع أيدي الكادحين

وجميع صرعى حكمك الدّموي عادوا يركبون

ظهر المشانق والبنادق والسّلاسل والسّجون

أحسبتهم قتلوا كما دبّرت ذلك في الخفاء ؟

لكنّهم عادوا ودلّ عليهم زهر الدماء

يهدونه الشعب الذي وقفت قواه بلا ركوع

وبلا فرار أو رجوع

في وجه ما أسميته حلف الدفاع

وهو الخيانة والضيّاع

وهو المرور بلا انقطاع

من تحت أقواس السجون

ولكي يظلّ النفط يدفق في فم المستعمرين

ولكي تظلّ وبالسياط تهزّ للمستثمرين

أثمار أيدي الكادحين وإنّ أيديهم غصون

أنا لا أقول بأنّ إمضاء الرصاص على الصدور

أنا لا أقول بأنّ إمضاء السياط على الظهور

هو ليس إمضاء الذين وراء ظهرك يا أجير

ولكي يمرّ الحلف مختالا على ظهر القبور

لكّنه كذب وتزوير إذا قلت العراق

أو أنّ فلاّحي وعمال العراق

أو أرضهم وسماءهم ذات النّجوم من الدماء

قد طوّقوا أو طوّقت أوطانهم بالسّلسلة

وغدوا عبيد القنبله

بل أنّ صدرك وحده هو موطن الحلف الطريد

وهو القواعد والخنادق والمعسكر للجنود

فيا عدوّ المطبعه

وعدّو أشواق الورق

وإلى حروف المطبعه

إن كنت صادرت الورق

فلسوف نطبع بالعرق

فوق الأيادي والجباه

منشور حبّ للحياه

فانشر لصوصك في البلاد

ليصادروا

كلّ الأيادي والجباه

لنصفّ يا نوري الحساب

فليسمع المتآمرون بلا التواء

هذا الكلام من الدّماء

لو يجرؤون ويدخلون

فسيركض الدم في الدروب

معلّقا نيرانه

فليقرأوا نيرانه

فستستحيل إلى سيوف , كلّ أغصان السلام

ولطائرات قاصفات كلّ أسراب الحمام

وستقفز القضبان غضبى من زنازين السجون

وستستحيل إلى سواعد تضرب المتسلّلين

ومن الجراخ النابضات الفاغره

أفواهها لقواكم المتآمره

سنقيم متراسا ونحفر خندقا للمعركه

ونمدّ أسلاكا من الدم شاهقات شائكه

وفم الدم الغالي يسيل وقد تعانقت الخنادق

لن تحلبوا إلاّ أيادي من حديد من حرائق

إنّي ألوح بالقيود إليك يا نوري السعيد

أنا في عذاب لن تمرّ به فتدرك ما أريد

أنا في عذاب واشتعالي في صعود في امتداد

هو ليس من تشريد عائلتي وفي شتّى البلاد

هو ليس من شوقي وليس من الحنين إلى الرفاق

لكن لأنّي لست في أرض العراق مع العراق

أو في الشوارع أينما كان انفجار وانطلاق

أبدأت تعرف ما المصير وما الجريمة والعقاب ؟

أبدأت تلمح ذلك الشرر المهدّد في الضباب ؟

وإلى ضحايا الحلف سوط الإضطهاد والاغتصاب

تمتدّ أيديهم دما ولظى ومن تحت التراب

أبدأت تحصي إرث ما سجنت وما اغتالت يداك ؟

إرث المشانق والمذابح والمنافي والهلاك

ولكي يقسّم بين أعداء الشعوب قذى وعار

أبدأت تحزم في الحقائب أين أزمعت الفرار

ويد الجماهير العريضة في الطريق وكالجدار

أين المفرّ فلا طريق إلى القطار أو المطار

البداية

 


 

+ نوشته شده در  89/09/19ساعت 11:28  توسط حسین منصور الناصری  | 

كتاب الحب

تسألني حبيبتي
ماالفرق بيني وبين ... السماء
الفرق ما بينكما
انكي إن ضحكتي يا حبيبتي
أنسى السماء
ياربي قلبي لم يعد كافياً
لأن  من احبها تعادل الدنيا
فضع بصدري واحداً
غيره يكون بمساحة الدنيا
مازلت تسألني عن عيد ميلادي
سجل لديك إذن ما أنت تجهله
تاريخ حبك لي تاريخ ميلادي
ذات العينين السوداوين
ذات العينين الصاحيتين الممطرتين
ما اطلب أبدا من ربي إلا شيئين
أن يحفظ هاتين العينين
ويزيد بأيامي يومين كي أكتب  شعراً
في هاتين اللؤلؤتين
أشكوكي للسماء كيف استطعتي كيف
أن تختصري جميع مافي الأرض من نساء
لو كنتي ياصديقتي بمستوى جنوني
رميتي ما عليكي من جواهراً
وبعتي مالديكي من أساور
ونمتي في عيوني
لأن كلام القواميس مات
لأن  كلام الروايات مات
أريد اكتشاف طريقه عشقاً
احبكي فيها بلا كلمات
انا عنكي ما أخبرتهم
لكنهم  لمحوكي تغتسلين في أحداقي
انا عنكي ما كلمتهم
لاكنهم قراؤكي في حبري وفي أوراقي
ذوبت في غرامكي الأقلام
من ازرقاً واحمراً واخضراً
حتى انتهاء الكلام
علقت حبي لكي في أساور الحمام
ولم اكن اعرف يا حبيبتي
أن الهوى يطير كا الحمام
حبكي يا عميقة العينين
حبكي مثل الموت ... والولادة
صعب لأن يعاد مرتين
عشرين ألف امرأة أحببت
عشرين ألف امرأة جربت
وعندما التقيت فيكي يا حبيبتي
شعرت أنى الآن قد بدأت
أني احبكي عندما تبكين
واحب وجهكي غائماً وحزيناً
الحزن يصهرنا معاً
 من حيث لا ادري ولا تدريناً
بعض النساء وجوههم جميلة
وتصير اجمل عندما يبكيناً
حين أكون عاشقاً
شاة الفرس من رعيتي
واخضع الصين لصولجاني
وانقل البحار من مكانها
ولو أردت ... أوقف الثواني
حين أكون عاشقاً
اصبح ضوء سائلاً
لا تستطيع العين أن تراني
حين أكون عاشقاً
تنفجر المياه من أصابعي
وينبت العشب على لساني
حين أكون عاشقاً
أغدو زماناً خارج الزماني
عدي على أصابع اليدين ما يأتي
ف أولا : حبيبتي أنتي
وثانياً : حبيبتي أنتي
وثالثاً : حبيبتي أنتي
ورابعاً وخامساً وسادساً وسابعاً
وثامناً وتاسعاً وعاشراً 
حبيبتي أنتي

نزار قباني

+ نوشته شده در  89/06/28ساعت 16:28  توسط حسین منصور الناصری  | 

قولي احبك


قولي احبك
  كي تزيد وسامتي
فبغير حبك لا أكون جميلا
قولي احبك كي تصير أصابعي
ذهب و تصبح جبهتي قنديلا
ألان قوليها ولا تترددي بعض الهوى
لا يقبل التأجيلا
سأغير التقويم لو أحببتني
أمحو فصول أو أضيف فصولا
وسينتهي العصر القديم على يدي
وأقيم عاصمة النساء بديلا
ملك أنا لو تصبحين حبيبتي
أغزو الشموس مراكب و خيولا
لا تخجلي مني فهذه فرصتي
لأكون بين العاشقين رسولا
 

نزار قباني

+ نوشته شده در  89/06/28ساعت 16:22  توسط حسین منصور الناصری  | 

نزار قبانی

  الاسم : نزار توفیق قبانی

                                                                                                                  


  تاریخ المیلاد : 21 مارس 1923 .

  محل المیلاد : حی مئذنة الشحم ..أحد أحیاء دمشق القدیمة .

  حصل على البكالوریا من مدرسة الكلیة العلمیة الوطنیة بدمشق ، ثم التحق بكلیة الحقوق بالجامعة    ژالسوریة وتخرّج فیها عام 1945 .

                      NIZAR NOJAVANI.jpg
 عمل فور تخرجه بالسلك الدبلوماسی بوزارة الخارجیة السوریة ، وتنقل فی سفاراتها  بین مدن عدیدة ، خاصة القاهرة ولندن وبیروت ومدرید ، وبعد إتمام الوحدة بین مصر وسوریا عام  1959 ، تم تعیینه سكرتیراً ثانیاً للجمهوریة المتحدة فی سفارتها بالصین .

  وظل نزار متمسكاً بعمله الدبلوماسی حتى استقال منه عام 1966 .

 طالب رجال الدین فی سوریا بطرده من الخارجیة وفصله من العمل الدبلوماسی فی منتصف  الخمسینات ، بعد نشر قصیدة الشهیرة " خبز وحشیش وقمر " التی أثارت ضده عاصفة شدیدة   وصلت إلى البرلمان .

 كان یتقن اللغة الإنجلیزیة ، خاصة وأنه تعلّم تلك اللغة على أصولها ، عندما عمل سفیراً لسوریا فی  لندن بین عامی 1952- 1955.
                   NIZAR JAVANI.jpg

 الحالة الاجتماعیة : 
 تزوّج مرتین .. الأولى من سوریة تدعى " زهرة " وانجب منها " هدباء " وتوفیق " وزهراء .

 وقد توفی توفیق بمرض القلب وعمره 17 سنة ، وكان طالباً بكلیة الطب جامعة القاهرة .. ورثاه  نزار بقصیدة شهیرة عنوانها " الأمیر الخرافی توفیق قبانی " وأوصى نزار بأن یدفن بجواره بعد موته .وأما ابنته هدباء فهی متزوجة الآن من طبیب فی إحدى بلدان الخلیج .

والمرة الثانیة من " بلقیس الراوی ، العراقیة .. التی قُتلت فی انفجار السفارة العراقیة ببیروت عام 1982 ، وترك رحیلها أثراً نفسیاً سیئاً عند نزار ورثاها بقصیدة شهیرة تحمل اسمها ، حمّل الوطن العربی كله مسؤولیة قتلها ..

ولنزار من بلقیس ولد اسمه عُمر وبنت اسمها زینب . وبعد وفاة بلقیس رفض نزار أن یتزوج .

وعاش سنوات حیاته الأخیرة فی شقة بالعاصمة الإنجلیزیة وحیداً .

قصته مع الشعر :
بدأ نزار یكتب الشعر وعمره 16 سنة ، وأصدر أول دواوینه " قالت لی السمراء " عام 1944 وكان طالبا بكلیة الحقوق ، وطبعه على نفقته الخاصة .

له عدد كبیر من دواوین الشعر ، تصل إلى 35 دیواناً ، كتبها على مدار ما یزید على نصف قرن أهمها " طفولة نهد ، الرسم بالكلمات ، قصائد ، سامبا ، أنت لی " .

لنزار عدد كبیر من الكتب النثریة أهمها : " قصتی مع الشعر ، ما هو الشعر ، 100 رسالة حب " .

أسس دار نشر لأعماله فی بیروت تحمل اسم " منشورات نزار قبانی " .

یقول عن نفسه : "ولدت فی دمشق فی آذار (مارس) 1923 بیت وسیع، كثیر الماء والزهر، من منازل دمشق القدیمة، والدی توفیق القبانی، تاجر وجیه فی حیه، عمل فی الحركة الوطنیة ووهب حیاته وماله لها. تمیز أبی بحساسیة نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جمیل. ورث الحس الفنی المرهف بدوره عن عمه أبی خلیل القبانی الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة فی نهضة المسرح المصری.

امتازت طفولتی بحب عجیب للاكتشاف وتفكیك الأشیاء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطیم الجمیل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنیت فی بدایة حیاتی بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانیة عشرة من عمری كنت أعیش فی بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع علیه یدی بحثا عن أشكال جدیدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسیقى ولكن مشاكل الدراسة الثانویة أبعدتنی عن هذه الهوایة.

وكان الرسم والموسیقى عاملین مهمین فی تهیئتی للمرحلة الثالثة وهی الشعر. فی عام 1939، كنت فی السادسة عشرة. توضح مصیری كشاعر حین كنت وأنا مبحر إلى إیطالیا فی رحلة مدرسیة. كتبت أول قصیدة فی الحنین إلى بلادی وأذعتها من رادیو روما. ثم عدت إلى استكمال دراسة الحقوق

تخرج نزار قبانی 1923 دمشق - 1998 لندن فی كلیة الحقوق بدمشق 1944 ، ثم التحق بالعمل الدبلوماسی ، وتنقل خلاله بین القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدرید ، وبكین ، ولندن.

وفی ربیع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسی وأسس فی بیروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسیرته الشعریة إحدى وأربعین مجموعة شعریة ونثریة، كانت أولاها " قالت لی السمراء " 1944 ، وكانت آخر مجموعاته " أنا رجل واحد وأنت قبیلة من النساء " 1993 .

نقلت هزیمة 1967 شعر نزار قبانی نقلة نوعیة : من شعر الحب إلى شعر السیاسة والرفض والمقاومة ؛ فكانت قصیدته " هوامش على دفتر النكسة " 1967 التی كانت نقدا ذاتیا جارحا للتقصیر العربی ، مما آثار علیه غضب الیمین والیسار معا.

a4a924591af5eb28c24f19f791236e96.jpg

فی الثلاثنین من أبریل/ نیسان 1998 توفی الشاعر الکبیر نزار قبانی.

وقد طبعت جمیع دواوین نزار قبانی ضمن مجلدات تحمل اسم ( المجموعة الكاملة لنزار قبانی ) ، وقد أثار شعر نزار قبانی الكثیر من الآراء النقدیة والإصلاحیة حوله، لأنه كان یحمل كثیرا من الآراء التغریبیة للمجتمع وبنیة الثقافة ، وألفت حوله العدید من الدراسات والبحوث الأكادیمیة وكتبت عنه كثیر من المقالات النقدیة .

+ نوشته شده در  89/06/27ساعت 16:28  توسط حسین منصور الناصری  | 

+ نوشته شده در  89/06/04ساعت 16:31  توسط حسین منصور الناصری  | 

اشاعات الهوی

اشاعات الهوى
أقول أمام الناس … لست حبيبتي


وأعرف في الأعماق كم كنت كاذبا

و أزعم أن لاشيء يجمع بيننا

لأبعد عن نفسي و عنك المتاعبا

و أنفي إشاعات الهوى و هي حلوة

و أجعل تاريخي الجميل خرائبا

و أعلن في شكل غبي براءتي

و أذبح شهواتي أصبح راهبا

و أقتل عطري عامدا متعمدا

و أخرج من جنات عينيك هاربا

أقوم بدور مضحك يا حبيبتي

و أرجع من تمثيل دوري خائبا

فلا الليل لو أراد نجومه

و لا البحر يخفي لو أراد المراكبا؟
+ نوشته شده در  89/06/04ساعت 15:56  توسط حسین منصور الناصری  | 

قطر الندی

الندى

لم أعد داريا إلى أين أنهب


كل يوم أحس أنك أقرب

كل يوم يصير وجهك جزءا

من … و يصبح العمر أخصب

و تصير الأشكال أجمل شكلا

و تصير الأشياء أحلى و أطيب

قد تسربت في مسامات جلدي

مثلما قطرة الندى تتسرب

اعتيادي على غيابك صعب

و اعتيادي على حضورك أصعب

كم أنا … كم أحبك … حتى

أن نفسي من نفسها تتعجب

يسكن الشعر في حدائق عينيك

فلولا عينيك لا شعر يكتب

منذ أحببتك الشموس استدارت

و السماوات صرن انقى و أرحب

منذ أحببتك … البحار جميعا

أصبحت من مياه عينيك تشرب

أتمنى لو كنت بؤبؤ عيني

أتراني طلبت ما ليس يطلب ؟

+ نوشته شده در  89/06/04ساعت 15:55  توسط حسین منصور الناصری  |